ثقافة السرد

الآثار الجانبية لحكايات الشاطر أبو الشامات

مصطفى عبد المنعم*

كلما أمطرت السماء، أتذكر. أحكم إغلاق معطفي . أنكمش في نفسي، راجيا دفقة من الدفء. أتفحص الأرجاء بسرعة. وأتخذ أول بقعة تقع عليها عيني ، وتصلح مأوى يعصمني من المطر. أشعل لفافة تبغ في عجالة. أمتصها بتلهف لا أستغربه الآن. أعب الهواء ملء رئتي، وأنفثه بدفعات راقصة، فيحتال الدخان أشكالًا، وصورًا. تجاذبني أطراف حديث صامت، لا يخالطه إلا نقر زخات المطر المتواصل. أعاود امتصاص لفافة التبغ، لكني أغمض عيني هذه المرة. وأحاول الإصغاء لما لدى الأمطار مما تقصه علي من القصص . يلاطف الهواء البارد وجهي، وتدغدغ قطرات الماء اللعوب أرنبة أنفي. تغمرني غبطة أحبها ، وتتسلل إلى دواخلي ريح زاكية… ريح جدتي .

أذكر كل تفاصيل طفولتي بوضوح غريب. ويكأني بت بالأمس ذلك الطفل الذي لا يكف عن مداعبة أذنه لينام، وجاوزت الثلاثين بين الليل والضحى.

بالأمس كنت ابن تسعة أعوام، أسابق الزمن، وأسابق أقراني في لعبتنا المفضلة ( لمز الحمام ) كما نطلق عليها. أجذب صيوان أذني طوال الوقت، حتى أثناء نومي. أشيع الفوضى في كل مكان، ولا أكف عن الحركة

أذكر أنني بالأمس كنت أركض.. أركض بسرعة جنونية. اصطدمت بوالدتي التي صرخت بوجهي موبخة إياي. لكنني لم ألتفت إليها. استأنفت الركض حتى وصلت إلى مجلس جدتي. هلّلت بلا مقدمات ” ستي.. ستي”. فأجفلت جدتي، لكنها سرعان ما استعادت صفو ملامحها. لتستقبلني بذراعان ممدودتان ، وابتسامة رائقة. ارتميت بين ذراعيها، فعانقتني وحملتني لأستقر في حجرها. تواصل أمي الصراخ ” بطل لعب في ودانك “، فأدفن رأسي في صدر جدتي مختبئًا.. تحدّجني أمي بنظرات متوعدة، فتدافع جدتي بشراسة ” سيبي الولا .. امشي “. لتنتهي المعركة الجديدة بانتصاري كالعادة.. وكعادتي حينها أحتفل بالنصر بجذب صيواني أذني في آن واحد نكاية في أمي ، فتستشيط غضبا . وتضحك جدتي . تضمني إليها أكثر ، وتهمس بجملتها المعتادة ” يا ولا… ودانك حتبقى قد ودان الحمار ” .

تبرق السماء، فأتنبه . أشعل لفافة أخرى من التبغ، أعاين طرفها المحترق لثوان معدودة قبل أن أعود لرحلتي .

أتذكر.. كانت جدتي في مواجهة المرآة، تحلّ جدائلها وتضفّرها مرة أخرى.. وتغني ” وديني لامي … وأديلك بوسة من فمي… واوهبلك حالي وأموالي.. حلفتك وديني لخالي. يابتاع النعناع يا واد انت ” .

أتصنت عليها وهي تغني بدلال بلكنة (فلاحي).. صوتها هادئ، ولكنتها تضحكني. تناديني فأهرول نحوها. تجلسني فوق فخذها. اتأملها. ظهرها متقوس. جدائلها بيضاء. وجهها كلوحة فسيفساء. في عينها زرقة متوارية خلف غمامة من الدموع. أنفها مستدق كحد الحربة. لم يتبق في فمها سوى أربعة قواطع، تلوك بهم طعامها بصعوبة.. أستغرق في التأمل فتمتد كفي الصغيرة تتحسس وجهها، فتقبل كفي، وتبتسم ” أحكيلك حدوتة ؟ “

تروي لي جدتي مغامرات الشاطر أبو الشامات. يأخذني صوتها إلى عالم أحبه. عالم يمكن للبطل فيه أن يكون شابا ضئيل الحجم، أو حتى طفلًا ضعيفًا غير مكتمل البنيان. أجوب أروقة القصور الخرافية. أترجل في بلاط الملوك الغابرة بكل حرية. أصادق أشجار الرمان المتكلمة. أمشي فوق الماء. أهزم ملوك الجن. أعتلي ظهر طائر الرخ، وأحارب جيوش الأقزام الشرسة. وأقبل الحسناء في كل مرة. فتبلغ سعادتي مبلغ الطيران. تنسحب الأرض من تحتي، فأتقافز في الهواء، وأصطدم تقريبا بكل شيء، لتصل الفوضى حد ثورة أمي. فتقذفني بما تطاله كفها وهي تصرخ، وتلعن الأولاد، والزواج، والحياة بكل تفاصيلها، قبل أن يتحول الصراخ إلى ابتسامة يائسة.. ثم ضحكات محبة عندما تجدني أتقي ما تقذفه أحيانا، أو أواجهه بشجاعة – كما يفعل الشاطر أبو الشامات – في أحيان أخرى.

تجتمع العائلة كل يوم خميس. يتحلّق الجميع حول جدتي. لا ينهكها تكرار الحكي. ولا يجرؤ الملل على مصاحبة تكراراتها الأسبوعية، فأرى الكل فاغري الأفواه. تلتمع عيونهم ببريق استمتاع واضح. تتباين اختلاجاتهم في تحرق مشوق إلى التفصيلة القادمة في قصتها. يتبارون في تذكيرها بما يمكن أن ترويه.

تقول أمي :

” إحكيلنا حكاية مقام سيدي أبو الدردار يا ماما “

فأردد بلهفة :

” لأ… إحكي إزاي جدي كان بيبوسك يا ستي. “

تضحك جدتي بدلال. أقسم أنها كانت تعود شابة بنت عشرين عام عندما تضحك. ينشد تغضّن جفونها. وتنقشع سحابات الدموع عن عينيها فتتضح زرقتهما كالبدر في الليالي الصيفية. تحكي جدتي لساعات متواصلة كيف تزوجت جدي، معجزة المقام، بئر الأرواح، حارس المقابر، حتى تصل في النهاية إلى حكايات العفاريت التي تشاركنا سكنى البيت، فترتعد فرائص الجميع من فرط الرعب، فتتركهم جدتي، متجهة إلى غرفتها لتستريح. وينفض السامر. كانت في بعض الأحيان تشير إلي بغمزة من عينها قبيل قيامها، فأتبعها. أجلب لها في طريقي إلى غرفتها أحد أغطية الأواني. تضع الغطاء فوق رأسها، وتربط فوقه حجابها الأسود. تعقده عند رقبتها فتبدو كالشبح. كانت هيئتها تلك ترعبني في كل مرة، فأركض هاربًا. أنزوي في أحد الأركان أراقبها وهي تخرج من الغرفة، تزوم كالغيلان تارة، وتضحك كالساحرات تارة أخرى، فيصرخ كل من بالخارج رعبًا. وتعم الفوضى، فأضحك … وتضحك جدتي .

ذات خميس أيقظني صراخ وبكاء. انتفضت من رقدتي، وهرعت إلى مصدر الصوت.. إلى غرفة جدتي. قفزت قفزتان كانتا كفيلتين بإيصالي إلى الغرفة. علمت أن خدعة جدتي الأسبوعية فاتتني. الصراخ، والبكاء.. ذات الفوضى المعتادة. نظرت إلى جدتي. عاقدة أحد أحجبتها البيضاء عند رقبتها كالعادة. لكنها لم تستخدم غطاء الإناء هذه المرة. طفقت أضحك ساخرًا منهم، لكن جدتي لم تكن تزوم كالعادة… لم تكن تضحك كالعادة .

*قاص مصري

*القصة من المجموعة القصصية (ثلاث مرايا وأنشوطة) الحائزة على المركز الثاني من جائزة أخبار الأدب المصرية لسنة 2016

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق