الموقع

شبح الريــــــف يقظ مضجع أسبانيا

بقلم: ذ.مصطفى عاقيل

لست أدري هل هذه الأحزاب اليوم التي تسمى وطنية والتي امتلأت بها البلاد ودوخت العباد لها دور في خدمة المصالح العليا للبلاد، وتقوم بالأدوار السياسية والوطنية المنوطة بها أم أنها لا تملك ولو تصورا بسيطا عما يسمى بالإنسان المغربي، وكرامة المواطن المغربي داخل وخارج بلده؟ يجرني المقال هنا إلى الحديث عن مشروع طريف وجريء، وهو مشروع القانون الذي تقدم به أحد الأحزاب اليسارية الإسبانية للكورتيس (البرلمان الإسباني)،

من أجل التصويت عليه ودفع إسبانيا إلى الاعتراف والاعتذار عن جرائمها ضد الإنسانية بمناطق الريف بشمال المغرب وصرف تعويضات لضحايا هذه الحرب القذرة والتي تورطت فيها إسبانيا بشكل مباشر انتقاما من رجولة وقوة إيمان فئة قليلة من المغاربة استطاعت بعتاد بدائي بسيط أن تقلب موازين القوة لصالحها وتوقف زحف الجنود الأسبان بل وتوقع فيهم خسارة بليغة تحدث عنها التاريخ بإطناب شديد.

ولكي تتصالح إسبانيا مع التاريخ، وتلتزم باحترام الجغرافيا، وتكون بذلك دولة منصفة عادلة وديمقراطية، كما تدعي، أثار هذا الحزب الإسباني ملفا شائكا ولوح بمشروع قانون يوجب التعويض والاعتذار لكل المتضررين كاستفزاز لها إن كانت تود فعلا أن تبني علاقات جيدة مع الرباط أساسها الثقة، الوفاق والاحترام المتبادل.

حزب اليسار الجمهوري الإسباني هذا رغم أنه حزب صغير استطاع بخطه السياسي أن يلفت انتباه الحكومة الإسبانية إلى الانتهاكات الأخلاقية والإنسانية التي صحبت حرب الريف والتي شنتها إسبانيا الديكتاتورية على القبائل الريفية المغربية بداية القرن الماضي مستعملة أسلحة محظورة دوليا، بلغت حسب مصادر موثوقة ما يزيد عن 10000 قنبلة أي ما يفوق 500 طن من مواد متفجرة وباعثة لمواد كيماوية سامة وهو مؤشر عن مدى الوحشية التي انتقم بها الأسبان من المغاربة الريفيين إثر دفاعهم عن أرضهم ومقدسات بلادهم وانتصارهم في معركة أنوال الشهيرة، وهي بالمناسبة معركة تستحق أن تكون نبراسا ينير ظلمة العلاقة المغربية الإسبانية، كما أنها تستحق أن تكون إحدى أهم الأعياد التي يقام لها ويقعد على الأقل إعلاميا حتى تتعرف الأجيال الحالية والمقبلة عن الحقيقة التاريخية للجارة الشمالية، وحتى لا يكون حبهم للبارسا والريال مجالا يفقدون فيه هويتهم وولائهم لبلادهم ولتاريخهم. لأن أهم ما يمكن أن يجني على أمة من الأمم أن تجهل حقيقتها التاريخية وهويتها الوطنية وتفقد بوصلة عزتها في ولاءات فارغة تمسخها وتمسخ هويتها.

لقد كان استسلام البطل الأسطوري عبد الكريم الخطابي، للإسبان بسبب مخافته إبادة قبائل الريف عن بكرة أبيها من قبل التحالف الإمبريالي الفرنسي الإسباني.

هذه الأسلحة الكيماوية لازال المواطنون المغاربة الريفيون يتجرعون مرارتها إلى يومنا هذا من خلال عواقب مروعة تجلت بالخصوص في ارتفاع نسبة الإصابات بأمراض السرطان. فبعض الإحصائيات تتحدث عن أن نسبة 65% من المصابين بالسرطان بالمغرب هم من المناطق الشمالية للمغرب. هذا وإن الإصابات والدمار لم ينحصر فقط في الأشخاص بل شمل الحرث والنسل. حتى الأراضي الريفية التي كانت في يوم من الأيام روابي صالحة للرعي وللأشجار المثمرة رغم أنها مناطق جبلية وعرة أصبحت اليوم وكأنها أراضي أصيبت بلعنة من السماء، فلا هي صحراء قاحلة لايرجى ثمرها ولا هي خصبة ينتظر كرمها.

يحكي أحد أبناء المنطقة، وهو من أبناء الريف الذين هاجروا المنطقة في اتجاه الجنوب، أن الأرض تروى بالماء دون أن تشبع وكأنها تعاني من عطش سرمدي قاتل لكنها في نهاية الأمر تبقى هي نفسها الأرض التي ماتت من قبل.

لست أدري هل أحزابنا التي تتبجح بمرجعيتها التاريخية في ما أطلق عليه بالحركة الوطنية وبأنها تستمد شرعيتها من التاريخ وبأنها فعلت فعلتها في الإحتلالين الإسباني والفرنسي، وقبلنا منها هذا الطرح، نجدها اليوم في التاريخ والجغرافية مفقودة، بل أصبحت أحزابا خارج التغطية ربما لأنها هرمت وشاخت وفقدت ذاكرتها وأصابها الخرف، ولم يعد لها دور في طرح المشاكل العالقة بيننا وبين الأسبان، واللعب بذكاء على أوتار تهابها اسبانيا، فضح الحقيقة التاريخية لأسبانيا ليس فقط في الريف وإنما كذلك في طليطلة وفي قرطبة وفي كل الأندلس، فضح ما اقترفته محاكم التفتيش في حق المسلمين الموريسكيين من إبادات جماعية ومن تطهير عرقي، وحتى في حق اليهود الذين كانوا يعيشون عيشة رغيدة إبان الحكم الإسلامي بالأندلس. إننا في حقيقة الأمر لا نعرف كيف نروج لملفاتنا حتى تتناول دوليا ويتبناها المنتظم الدولي لكي تتحدث عنها وسائل الإعلام العالمية بشكل جديد ووفقا لمنظور السياسة العالمية الجديدة وللمفاهيم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة، حتى يعرف العالم أن أسبانيا بلد العنصرية، الكراهية وبلد معاداة السامية بامتياز. لكن هل حزب اليسار الجمهوري الإسباني أصبح أكثر وطنية ومغربية من أحزابنا أم أن ديمقراطيته ومنظوره السياسي فرض عليه أن لا يتقوقع في بوتقته الوطنية ويكون حزبا رحبا يشمل دفاعه حتى على أهالي الريف انطلاقا من منظور شامل للإنسانية؟

لسنا هنا للدفاع عن حزب ما أو سياسة ما بل إننا نقف احتراما لجرأة حزب لا يجمعنا به شيء سوى أنه انطلق من مفاهيم إنسانية عالمية واستطاع أن يلفت انتباه العالم إلى حقيقة لازالت في الدهاليز، وأنها هي الحقيقة التي لازالت تحرك السياسة الداخلية والخارجية إسبانيا، وأن هذه السياسة لا علاقة لها بما تدعيه أسبانيا بأنها دولة رست قواعدها على الديمقراطية وحقوق الإنسان.

يحز في النفس أن يتجاهل أبناء هذا الوطن تاريخهم ويتنكروا لماضيهم غفلة وجهلا، ماض لم ينسه أناس ليسوا من بني جلدتنا أصلا، لأنهم يعلمون علم اليقين أن التاريخ نفسه لا ينسى لأن فيه تصنع الانتصارات وفيه تقع الهزائم وعلى مسرحه تكسر جماجم الطواغيت. كما أن كل من تجاهل التاريخ فإن للتاريخ مزبلة كبيرة يلقي فيها هذا الصنف من الناس.

صديقنا عباس الفاسي الذي لم تخف بعض الجهات الحزبية الإسبانية قلقها يوم تعيينه وزيرا أولا نظرا لما يعرف في إسبانيا على أن حزب الاستقلال حزب راديكالي يميني قد لا ينسجم مع الطروحات الإسبانية مستقبلا. خاب ظنهم وكانت هرولة الشيخ عباس في غير ما مرة إلى قصر المونكلوا ليس من أجل التصالح مع التاريخ كما يريد الحزب الجمهوري الأسباني، ومناقشة النقاط العالقة والحائلة دون وضوح العلاقة بين الرباط ومدريد واعتراف هذه الأخيرة بأن المغرب له سيادة على أرضه وبحره بما في ذلك مدينتي سبتة ومليلية وأن تواجد إسبانيا بالمدينتين المحتلتين تواجد ضدا على التاريخ والجغرافيا وضرب لمفهوم السيادة المغربية في العمق. إن هرولة المسؤولين المغاربة اليوم وغدا يجب أن تكون من أجل طرح الملفات العالقة والعويصة بين البلدين بجرأة يتعمدون فيها استفزاز اسبانيا التي لا تريد أن يناقشها أحد في مسألة المدينتين، فلنناقشها إذن في مسألة الغازات التي قتلت بها وأبادت مغاربة الريف، فلناقشها في مسألة العنصرية التي لا تخفيها في كل المناسبات، فللناقشها في مسألة مئات الشركات الإسبانية التي تشتغل في المغرب في أجواء تضمن لها الأمن المادي والمعنوي، فلنناقشها في مسألة التأشيرة التي تجعل حتى الفنانين والجامعيين يستفزون ويهانون أمام أبواب القنصليات الإسباني بالمغرب في حين أن كل من هب ودب في شبه الجزيرة الأيبيرية يدخل إلى المغرب كما لو دخل إلى ضيعته..

عديدة هي الملفات التي يمكن للمغاربة أن يشتغلوا عليها في الصحافة الوطنية لكشف حقيقة أسبانيا لأن كما يقال من لم تعضه يعتقد أن ليس لك أسنان.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق