ثقافة السرد

حين ولد محمود من جديد… بثلاث دراهم و نصف.

بقلم: رضوان كنو*

في لحظة كان باله تائها حد الذهول بين تعقيدات درس حساب الإحتمال الرياضي الذي سيجتاز فيه امتحانا يوم غد، و مطارق قولة سمعها تقول:” لا يولد الإنسان إنسانا، بل يصير كذلك”. طلب محمود جريدة الأنوار اليومية من محجوب صاحب كشك الحي،الذي يبيع في نفس الوقت مجلات و كتب. كثير منها مزين بقولة الصحة تاج فوق رؤؤس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، و إلا جانبها رفوف علب التبغ ( لا أدري لماذا أتخيله خراطيش الرصاص القاتل). الأدهى أنه بجوار الكشك يقف شامخا “الروبيو” و هو لقب بائع الحشيش “الكتامي” الممتاز، وهو منهمك مرتاح غير منهك في تفريق صكوك التخدير و الهلاك الصحي والنفسي إلى جانب. الإجرام بعشر دراهم فما فوق.
أشاح محمود بتفكيره عن هذا الاستفزاز النفسي و التناقض الاجتماعي لأنه من المحتمل أن يؤدي بالساعين لفهمه إلى حافة الجنون. إن أرادوا له تفسيرا أو تغييرا، رغم أن هذه الغاية الأخيرة بعيدة المنال. هكذا قدر محمود العارف جيدا بعقلية المغربي الغريبة.

رضوان كنو

قدم بعدها ثمن الجريدة لصاحب المحل، تصفحها بتلهف يهدف من خلاله الوصول إلى الملحق الثقافي الأسبوعي في الجريدة التي ستنشر له مقاله الأول- في حين أن صفحة الأحداث و الفضائح مملوءة كل يوم- و هو استفزاز آخر أخطر مغاير، راوغه محمود مرة أخرى رغما عن رغبته.
أخيرا وجد ما خطته بعذرية يداه لأول مرة منشورا، فامتلأ خاطره نشوة لإيمانه أن عصارة مجهوداته سيقرؤها الآلاف من الناس أو هكذا توهم، غافلا أو متناسيا و الدليل أمامه أن المقبلين على ابتياع خراطيش التبغ و لفائف المخدرات، ناهيك عن صناع أعواد الكيف” السبسي” و هواته . يتجاوز بنسب صاروخية لا ينفع معها درس الإحتمال عدد القراء و الكتاب في حيه و بلده ككل. غير أن معطى كهذا حسابي كهذا لم يكن ليثني محمود عن النظر بإعجاب إعجازي لصورته الضبيابية- بسبب سوء الطباعة-المرفقة بالمقال. أبدا لم تكن نظرة إعجاب حامل لأمارات الزهو و الإفتخار بما أنجزه. و إنما شكلت نظرة ثقة بالنفس تُسترد من اختطاف دبره الزمن و أملته الظروف المعيشية البئيسة القاحلة، يصل مستوى الإيمان بقيمة الذات في هذا العالم. اكتشف بعدها في مناجاته الداخلية السريعة تلك أنه لم يسترد ثقته بنفسه مادامت كانت متمنعة عليه أصلا إلى مستوى الغياب النهائي، ما جعله يقتنع بأنه أمام اكتساب لتلك الثقة للوهلة الأولى، كانت مفقودة بل منعدمة منذ عشرين سنة خلت.أي منذ قام بإنجازه الأول و الأهم على الإطلاق، ألا هو الخروج بصعوبة من العنق الضيق الخانق لرحم أمه، قبل تجرؤه على توجيه صرخة سخرية و لعنة مرفوقة بعتاب اتجاه القابلة باعتبارها المساهم الأبرز في دفعه صوب هذا العذاب الأولي الذي بلا ريب سيعقبه القهر، حتى يصل لحظة القبر.
في هذه النقطة وصل لإحساس التحسر على صبر أمه الذي مضى منه و القادم. لكن هذا الكدر سرعان ما تلاشى عندما فكر بالكنز الذي بين يديه. أكيد أنه بداية الميعاد مع مستقبل زاه. فأعاد النظر في المقال غير مصدق و هو يجول ببصره بين صاحب الكشك و الحشاش و بائع الليمون في عربيته ثنائية العجلات، كأنه يدعوهم للإعتراف به و لو أن المنجز صغير. إنه يطمع في خطوة تصفيق و إن بصمت تعيد له الإعتبار أو تبرز له التقدير على نزيفه الفكري و مكابداته السهاد والسهر. مادام يعلم أن الإنسان اجتماعي بطبعه يحتاج دوما للسند و التشجيع سواء في كل إنجاز محقق أو خطوة فيها أخطأ أم أخفق.
بائع الليمون وحده من أجاب النجوى فاستجاب لشكوى محمود…لكنه كان خارج السياق، بحيث عوض أن يصفق أو يهلل. صرخ مبتعدا و هو ينادي:
” الليييييمون. المنظرين حلوة و موسكا كيلو ب ثلاثة دراهم و نص…و جوج بخمسة دراهم”
لم يحفل محمود بعيونهم الزائغة الحاملة لأحكامهم الزائفة و التي تخفي وراءها أسلوب عيش منحرف. لا يعترف بالمثقف فما بالك بنكرة مثله. رفع حاجبيه بلامبالاة مصدرها يقينه الراسخ أن الإنسان ينقلب في آخر المطاف لنفسه فقط. فيدعمها و تحميه أو ينكرها فتتخلى عنه حتى و لو أحاط به العالم مشجعا أو مثبطا. كل نفس بما كسبت رهينة. غمغم محمود. تلك بقايا دروس في التنمية البشرية صادفها مرة و هو يبحر يوما كحرباء في المحيط الإفتراضي فيسبوك. أو لعلها شظايا مقتطفات درس الفلسفة المحصلة في الثانوية و لما لا تكون وصايا الإمام يوم الجمعة…
بعدها لمس مرارا بأطراف أصابعه صورته ليتأكد من حقيقتها الواقعية، كي يبعد شبهة راودته ، توهم فيها أنه ليس الشخص الذي كتب تلك الخربشات على بساطتها المهيبة من منظوره. هو في الأصل ووفق مقتضيات شروط حياته، لم يكن مسخرا البتة لعمل عظيم في نظره بمثل هذه الضخامة. لم يتصور يوما و هو يتناول فطوره المكون من شاي و خبز الأمس الدافئ على مقلاة، أن دار طباعة الجريدة بإمكانها التواضع لتنحت اسمه على وريقاتها الرخيصة التي كثيرا ما حملت أسماء كبار قوم البلد. من صحافيين و ساسة و مثقفين أو أشباههم.
بيد أن البرهان الظاهر أمام ناظريه يبدد حيرته و شكه. لكأن ما قاله في مقاله بيان محتواه رد صريح أن حياة البشر نفسها مستعدة رغم أنفها لإعادة النظر في خططها و حتمياتها المزهوة، التي طالما أخضعت رجالا أشداء و نساءا قويات. فذرفوا العرق ثم الدمع جميعا على حد سواء جاثين أمام جبروتها. لكن محمود حالة لوحده استثنائية، إذ المحال و المستحيل ليست من قناعاته أو مفاهيم أثيرة في قواميسه. الشاهد، مساره الدراسي و نتائجه السنوية مع تنويهات أساتذته و محيطه، بعض من معطيات تعبر عن امتلاكه إرادة فولاذية بقوة دفع هائلة، طالما تفننت في اجتياز الصعاب، فتفتت بذلك تحت ضرباتها أسوء المساوئ أو النوائب التي قد تصيب الفرد الهش: بدءا بإعاقة الأب المزمنة و المكلفة، وصولا لرحلة الأخ المعيل لرحلة سجن طويلة الأمد سببها كلمة حق قالها أو ربما أخطأ في صياغتها . حينما لم يحترم قواعد لعب وسخ، فتطاول بموجب آمارات كرامة على قامات أنماط رجال طغاة منصهرين مع مافيا اقتصادية و متصاهرين مع مسؤولين سياسيين وأمنيين. كلهم مجتمعين يستوطنون سلطة المدينة بمكانتهم و إمكاناتهم المتجبرة غير قابلة للمس و لو شفهيا. أو بإشارة شك في نقائهم النتن، يتزعهم ( الحاج) النبطي صاحب معمل مجاور لحي محمود أفنى أبوه حياته في جلب الأرباح له.
عاد حينها إلى نشوته الغامرة. استوعب محمود بعدما أشبع بصره و بصيرته من صورته تماما، ما خالجه سابقا من أن الإنسان يصبح إنسانا بحكم تضحيات إرادته و نتاج مجهوداته. فلا يولد جاهزا مسبقا. لقد كان من الممكن و المحتمل المرجح أن يقف مكان “الروبيو” أو “عبيقة” الخمار. يستجدي مبالغ إدمان الشباب على الكحول و المخدرات، و التي تدفعها أمهاتهم أو أخواتهم العاملات في معامل الرأسمالية المتوحشة بأجر يساوي ثمن حذاء أصحاب هذه المعامل أو سهرة زوجاتهم في ليلة واحدة مع عشاقهم. إلا أن محمود اختار تلبية نداء الإرادة، فانبرى لبناء نفسه من الصفر أو أدنى. آنئذ قرر أن يقارع معوقات الحياة القاسية.

*كاتب مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق