حوارات هامة

كاتب الأطفال” محمد عبد الحميد رجب”:((للطفل معجمه الخاص الذى يجب ألا نتعداه كأدباء أطفال))

حاوره محمد المطارقى

هو أحد الكتاب الذين وهبوا حياتهم للطفل، قدم رصيدا هائلا من القصص والمقالات.. والدراسات الهامة فى مجال الطفولة، فضلا عن العديد من الأعمال التى قام بترجمتها من الأدب العالمى الى المكتبة العربية.
أستاذنا الكبير محمد رجب هو أحد القامات التى نعتز بها فى مجال الكتابة للطفل، عرفته منذ أن كنت أخطو خطواتى الأولى نحو مدن الكتابة..كان ذلك فى منتصف الثمانينات بقصر ثقافة المحلة الكبرى..كان ـ هو الكاتب الكبيرـ ينصت الينا نحن الصغار باهتمام شديد.. ويقوم بالتعليق على ما نقدمه من أعمال، فكانت أرائه النقدية تعد بمثابة مصابيح تحدد لنا ملامح الطريق..كما عرف عنه بساطته وتواضعه الشديد، بجانب ثقافته العميقة، وكتاباته الغزيرة. وهو حتى اللحظة برغم تجاوزه السبعين من العمر يحرص على الحضور إلى مكتبة قصر الثقافة للالتقاء بأصدقائه الصغار يستمع اليهم ويحكى معهم.. فهو الشيخ الكبير الذى لا يزال يحمل بين جوانحه قلب طفل .
وهاكم الحوار

بداية.. متى بدأت علاقتك بالكتابة.. حدثنا عن أول قصة قمت بكتابتها.. والظروف المحيطة بها ؟

ـ كنت ابنا لأحد تجار الخشب والحدايد بميدان البهلوان بالمحبة الكبرى، وكنت السادس فى ترتيب الأخوة والاخوات، وكان لى هواية غريبة فى خيال منحصر فى ورشة الأخشاب، مما دفعنى إلى تأليف أول قصة للأطفال من واقع هذا العالم المحدود وكانت بعنوان”آل مسمار” بطلها مسمار أفندى الطيب الذى أحب بشدة الست خشبة، وتزوجها فانسب طفلا وطفلة “مسيمر”، و”خشيبة” وظلا فى محبة ووئام إلى أن كان يوم عشق فيه قادوم أفندى الست خشبة وجلسا مع الجد منشلر على القهوة القريبة يتآمران على التفريق بين الحبيبين، فاستعانا بالست عتلة غليظة القلب العانس التى لم تتزوج حتى سن الشيخوخة، وأفلح الجميع فى التفريق بين الزوجين، لم يطق مسمار الفراق فانفصلت رأسه عن جسمه ومات شهيدا.. وسرعان ماوضعت خشبة فى قفة الست أم عبده جارة الورشة التى أخذتها لاستعمالها فى ايقاد الفرن فلحقت بزوجها.
كانت هذه أول قصة فى حياتى ، وقد استوحيت فيها قصة شكسبير الشهيرة “روميو وجوليت”

ما أهم المبدعين الذين أثروا حياتك الابداعية.. ودفعوا بك الى تعاطى الأدب والكتابة الخاصة بالطفل؟
ـ يأتى فى مقدمتهم “أفلاطون” صاحب أول يوتوبيا، أو مدينة فاضلة فى العالم بكتابه الرائع “الجمهورية”، وقد قرأته فى ترجمتين باللغة العربية من ترجمة “حنا خباز” اللبنانى، ثم ترجمة بديعة حديثة للدكتور “فؤاد زكريا”.. ثم كتاب “الأمير” للكاتب الايطالى “ميكافيللى”، ثم حكايات “الاخوين جريم ” الالمانييين، وهى عبارة عن مائتى حكاية، ثم طالعت جميع قصص هانز كرستيان أندرسن التى كتبها للأطفال، ثم طالعت حكايات الروسى “كريلوف”..ثم طالعت جميع أعمال الأديب الروسى “ليون تلستوى” التى كتبها للأطفال.وتأثرت كثيرا بقصته العظيمة “كم نصيب الانسان من الأرض؟”.
ثم طالعت أعمال الكاتب الأسبانى العظيم”ميجل سرفانت” وخاصة روايته العظيمة “دون كيشوت” ذات الأجزاء الخمسة التى ترجمها كاملة الدكتور “عبد الرحمن بدوى”.
وهناك كتاب للطفل فى العالم العربى ومنهم الأستاذ “عبد التواب يوسف” الذى ترجم حوالى مائتى كتاب من الأدب العالمى، لدرجة أنهم أطلقوا عليه “رائد أدب الطفل المترجم الى العربية”.. وتأثرت كذلك بأول رائد لأدب الأطفال فى العالم العربى وهو “كامل كيلانى” الذى كان يردد أنه صاحب ألف كتاب، ولا أنسى أستاذنا الكبير “أحمد نجيب” الذى أخرج 120 عددا من موسوعة “مصر أم الدنيا” والتى اشتركت فى تحرير بعضها، وكانت تصدر عن دار الأخبار فى الثمانينيات من القرن الماضى. كذلك التقيت بالاستاذ”جمال أبورية” الذى كان مديرا لأدب الأطفال بدار المعارف الذى استفدت منه وكتبت عنه ككاتب متميز فى أدب الأطفال. ولا أنسى الكاتبة الكبيرة الأستاذة “نبيهة محيدلى” صاحبة “دار الحدائق” اللبنانية، والتي كانت تصدر مجلتها الشهيرة ” أحمد” التى طلبت الى كتابة سلسلة تمخض عنها سلسلة مقالات بعنوان”أدب الأطفال فى العالم”، نشرت لى نحو 12 كتابا عن أدباء الأطفال فى العالم بعنوان:”أدب الأطفال فن، وبلد، وحكاية”ثم طلبت الى مجموعة مقالات عن أدب الخيال العلمى، وأعلامه المشهورين والمجهولين.

هل ثمة طفل لايزال يقطن بداخلك، أم انك من تحاول القبض عليه بإصرار برغم تجاوزك السبعين؟
ـ المثل يقول أن داخل كل منا طفلا شقيا يريد الخروج بذاته، وحين يعجز عن ذلك يقلبنا إلى الشقاوة والحلاوة والعبث مع الابتسامة الحلوة فى وجوه الناس، وهو سجينا يريد أن يتنفس، ولا يزال فى ذاكرتى كتاب لكاتب انجليزي شهير وهو “مارك توين” الذى أخرج أروع عملين للأطفال فى الدنيا، حتى أننى لأحتفظ بهما منذ أربعين سنة، وهما كتابا “توم سوار، وهالكبرى فن” وهما من أجمل الشخصيات المحببة للأطفال فى العالم كله، مما دفعنى إلى تأليف كتاب عن هذا الكاتب العظيم.

برأيك، كيف يمكننا رعاية الطفل والوصول به الى بر الأمان ؟
ـ أولا هناك عبارة تتردد دوما وهو أن الطفل هو رجل الغد، ولذلك لابد من إعداده إعدادا سليما، وعزله عن مشكلات المجتمع البارزة سواء السياسية، الاقتصادية.. كما أن الطفل لا يعرف التعصب، ويجب أن يكون بعيدا عن هذه المشكلات، نريد طفلا للغد بلاتعقيد بمستقبل واعد. وعلى الأسرة أن تتبنى نظرية أن ابنها هذا البرعم الجميل يجب أن ترعاه فى جميع المجالات، ولا تصادر على ابداعه، وأن تطلق له الحرية فى أن يعبر عن رأيه بكل صراحة ووضوح.

مالذى استطعت تقديمه من خلال عملك كمعلم للنشء بالتربية والتعليم أصابته حرفة الأدب والإبداع، واحتكاكك المباشر بالتلاميذ ؟
ـ كان لى إسهامات فى تنمية المواهب ، وإبداعات الأطفال، وقد أتيح لى أن أربط المجتمع المدرسى بالمجتمع العام، حيث أننى توليت تدريس اللغة الانجليزية فى مختلف المراحل الدراسية، فكان لى نظرة متواضعة لربط اطار التعليم بالأسرة من خلال برامج الاتصال بالأسرة من خلال مهنة الأب، وكيف يستفاد بها فى اطار التعليم، فمثلا اذا كان الأب نجارا فهل يستطيع أن يورث ابنه أو ابنته مهارة إصلاح الأثاث المدرسى، وهل يستطيع هذا النسل أن يجعل هذه المهنة (تدوير) أساسا لجلب الثروة للأسرة، وحيث ينتج عنها اكتفاء ذاتيا يصلح لتلبية احتياجات الأسرة ماليا وخصوصا الأسر الفقيرة، مما يساهم فى تطوير المجتمع ، فلا يبق هناك فقراء أو محتاجون مما يسهم فى تحقيق الاكتفاء المالى الذاتى لكل أسرة. كما ناديت بالتعاون بين الجيران من خلال الخبرة المشتركة التى تحقق ايجاد حديقة مزدهرة لا تذبل تربط بين الجيران بعضهم البعض.

أهم المعوقات التى تحول بين كاتب أدب الطفل، وبين وصول منتجه الابداعى إلى الطفل المستهدف؟

ـ أولا النشر، كثير من المشرفين على دور النشر بأنواعها “الخاص والحكومى” يتقاعسون عن نشر الأعمال حتى المتميزة إلا بشرط المساهمة فى تكاليف النشر بنسبة لاتقل عن 60 فى المائة، ويعتبرون النشر مخاطرة مالية واقتصادية كبيرة. ويحضرنى أن واحدة من كبريات دور النشر العربية تحجم عن الطبع متعللة بأن لديها فى المخازن مطبوعات لايطلبها أحد، فلماذا تخاطر بالنشر الجديد، ثم ظهرت أقوى ظاهرة فى عالمنا المعاصر فى مجال النشر، وهو النشر الالكتروني. فالغالبية يلجأ إلى النشر الالكترونى الآن، حيث أقل تكلفة وأسهل وصولا الى الجماهير.

هل ثمة شروط ملزمة لكاتب الاطفال ، لابد أن يلتزم بها؟

ـ عالم الطفولة يمتد من الميلاد وحتى الثامنة عشرة، ويجب أن تضع لكل مرحلة من العمر مقياسا لا تتعداه. أنا مثلا أكتب من سن العاشرة إلى الثامنة عشر، وهو نهاية فترة الطفولة المعترف بها دوليا، ويرتبط بأدب الأطفال أنواع من الدراسات يجب التعامل معها، وبخاصة حقلى علم النفس والسلوكيات.
ثم لا ننسى ضرورة التعمق فى لغة الضاد لانتقاء المفردات والألفاظ المناسبة لكل مرحلة عمرية على حدة. فتحديد مستوى السن هو جسرا يجب عبوره بدقة واحتراس، فاللفظ الذى ينفع فى أدب الكبار قد لا يناسب أدب الأطفال. وهناك ملحوظة ضرورية وهى تجنب استخدام اللغة العامية فى أدب الأطفال، لأن البلاد العربية والوطن العربى لا يتفق فى حقل العامية، فعامية الصعيد لا تناسب البلاد العربية لأن لها مصطلحات خاصة نشأت فى أحضان الصعيد ولا يفهما إلا شعب مصر.
وهناك خطوط حمراء فى أدب الأطفال لا يجوز عبورها كمشكلات الجنس بأنواعه والفلسفة وقضاياها الشائكة، والتزام جانب الأخلاقيات والمثل حين الكتابة للبراعم الواعدة.

الأديب الكبير محمد رجب.. لك رصيد هائل من الأعمال الخاصة بالطفل..كما أن ثمة أعمالا قمت بترجمتها..ماهو ـ فى تقديرك ـ الأسلوب الأمثل لترجمة قصص الأطفال ؟

ـ فيما يخص ترجمة أدب الأطفال، لابد من دراسة والتعمق ومعرفة أسرار اللغتين المترجمة، والمترجم إليها. وهذا يتطلب الإحاطة التامة بأسرار اللغتين مع ربطهما بما يمكن استخدامه فى الحياة اليومية بكافة أشكالها فى شتى المجالات. وعلينا تجنب استخدام الألفاظ الصخرية التى كانت تستخدم فى العصور الأموية والعباسية حتى أواخر القرن الـ19، فهى ألفاظ لا تناسب ثقافة الطفل. ويحضرنى استخدام أديب شهير فى مؤلف للأطفال وهى قصة ترجمها عن الأديب الدنماركى “أندرسن” وكان عنوان القصة ” الخذروف والكرة” حيث يتبارى الاثنان فى الإشادة بمميزات كل على حدة، وكليهما يدور فى حلقة واحدة، ولا يكفان عن الدوران حتى تنفذ قوتهما. فمامعنى “الخذروف” ؟، انها النحلة الدوارة التى يلعب بها الأطفال باستخدام “القطان” أو “الدوبارة”.. فكلنا يجهل معنى كلمة “الخذروف” حتى لا ترتبط فى أذهاننا بكلمة الخروف!.

وأخير.. رسالة تود تقديمها فى نهاية هذا الحوار ؟

• ـ إلى كل أدباء الأطفال عليكم أن تتسللوا إلى نفسية الطفل لتلبوا ما يريده هذا البرعم الصغير أن يعبر عنه، ولا تربطوه بأدب الكبار حيث اللغة يتم استخدامها بجميع مفرداتها القديمة، و المتوسطة والحديثة. فالطفل له معجمه الخاص الذى يجب ألا نتعداه كأدباء أطفال، نريد أن يفهمنا الصغير ويتعايش معنا ويحصل الأثر المطلوب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق