حوارات المجلة

حوار مع الروائي الجزائري رشيد بو جدرة: أنا أكتبُ روايةً واحدةً

حاوره: أنور محمد

رشيد بوجدرة هو علم في الثقافة الجزائرية والعربية المعاصرة. يمتاز بتجربته الروائية الغزيرة، وهو كاتب متمكن باللغة العربية، وبالفرنسية أيضا. ومثل أقرانه في فلسطين والعراق ولبنان، ينتمي بوجدرة إلى فئة الكتاب ـ المقاتلين أو المثقفين ـ المقاتلين في سبيل التحرر الوطني من الاحتلال الأجنبي. التقاه في الجزائر أنور محمد (1)، وأجرى معه هذه المقابلة:

 أنت كتبت بالفرنسية ثمَّ انتقلت إلى العربية، هل من فرقٍ بين اللغتين، أم هو الحنين إلى اللغة الأم، الجذور؟ أم هو موقف من الفرانكفونية؟
ـ أنا عدتُ للكتابة بالعربية لسببين اثنين؛ الأوَّل هو حبُّ اللغة الأم، فأنا عندي علاقة عشقية معها، والثاني هو موقفٌ حضاري وطني عروبي، لمَّا كتبت بالفرنسية طبعاً اشتهرت في العالم أجمع، إلا في الوطن العربي فلم أشتهر كثيراً، لذا أن أعود إلى الأصل. أني لمَّا كتبت بالفرنسية كان ذلك هروباً من الرقابة. فأنا بدأت حياتي الأدبية بمجموعةٍ شعرية بسيطة جداً (شعر شباب) ذلك عام 1965، وعندما نشرت المجموعة قُبلت لكنَّ مقصَّ الرقيب كان لها بالمرصاد. لذا عندما قرَّرت أن أكتب الرواية، كتبتها بالفرنسية ونشرتها في فرنسا.
ـ سعياً وراء الشهرة؟
ـ لا، لا، بل هروباً كما ذكرت من مقصِّ الرقيب، وثانياً لأنَّ القراءة في الجزائر بالعربية كانت شبه معدومة؛ إذ إنَّ الأغلبية الساحقة من المثقفين تقرأ بالفرنسية. أمَّا الشعب فكان يقرأ ويتعلَّم العربية باللهجة الجزائرية التي فيها بعض الكلمات البربرية والأمازيغية والفرنسية.
ـ النصُّ الروائي المكتوب بالفرنسية هل لعب دوره في الحياة الفكرية والأدبية في الجزائر؟
– الرواية المكتوبة بالفرنسية كانت على غاية من الأهمية، مرموقة فنياً وفكرياً من خلال كاتب ياسين، ومحمد ديب، ومولود معمري، ومالك حداد.. وآخرين. إذ كانوا روائيين معروفين عالمياً، وكان لهم على مستوى الأدب والرواية شهرة كبيرة، كانوا معروفين من الشعب الجزائري حتى لو لم يكونوا مقروئين من عامة الناس. وأنا لمَّا كتبت بالفرنسية اشتهرت أولاً في الجزائر وفي المغرب العربي، ثمَّ في فرنسا وبقية العالم، وأعمالي الروائية مترجمة إلى (32) لغة عالمية، بما فيها اليابانية والصينية والكورية.
ـ في الجزائر هناك من كتب بالعربية؛ الطاهر وطار، ورواياته شغلت العقل في الجزائر كما في سائر الوطن العربي؟
ـ لماذا أثَّر الطاهر وطار فشغلَ ـ أخذَ مكانةً محليةً وعربيةً وعالمية رغم أنَّه لم يكتب بالفرنسية؟
ـ الطاهر وطار ليس معروفاً عالمياً، وطار معروف على مستوى المغرب العربي، وأيضاً في المشرق.
ـ الطاهر وطار معروف وله حضور كبير جداً عندنا في المشرق العربي؟
ـ صحيح ولكن أنا أتكلَّم عن حضوره العالمي فهو ليس له حضور، وأنا من ساعده في نشر رواية له بالفرنسية، وقد كتبت لها المقدِّمة، وكان ذلك من خلال الحزب الشيوعي الفرنسي الذي تعاطف معي فنشروها له.
ـ أيَّ رواياته؟
ـ رواية «عرس بغل»، وللعلم روايات الطاهر وطار لا تُقرأ باللغات الأخرى؛ لأنَّها محلية جداً وليس عندها انفتاح على العالم، وهذه مشكلة وطار. فأنا قدَّمت له الرواية إلى عدَّة دور نشرٍ فرفضوها، إلا دار الحزب الشيوعي، وذلك تعاطفاً معه لأنَّه شيوعي، وبشرط أن أكتب له المقدِّمة، ونُشرت لكنها لم تنجح.
ـ ما هو السبب برأيك في أنَّها لم تنجح؟
ـ لأنَّ روايات الطاهر وطار فيها شيء من الأنثروبولوجيا. أرى أنَّك تستجوبني عن الطاهر وطار؟
لا، نحن نتكلَّم عن رشيد بوجدرة وعن الرواية الجزائرية والطاهر وطار جزء منها؟
ـ أنا لا أريد أن أتحدَّث كثيراً عن الطاهر وطار.
ـ برأيك هل الكتابة بالعربية تنتقص من قدر الكاتب، من عقله. فيكتبُ ما يكتبُ بالفرنسية؟
ـ اليوم أغلبية الجيل الجديد في كلٍ من المغرب والجزائر يكتب بالعربية، أمَّا في تونس فليس فيها أدبٌ روائي، بل فيها شعر وفيها مسرح وفيها سينما جيِّدة.
ـ أنا لاحظت أنَّ عندكم في الجزائر حركة مسرحية قوية، وكبيرة، وجديدة، وشبابية على الصعيد العربي؟ ثمَّ إنَّك لم تجبني عن سؤالي؟
ـ صحيح. وأعود إلى سؤالك.. وأقول إنَّ الكتابة بالعربية لا تنتقص من قدر الكاتب، ففي الستينيات والسبعينيات كان صعباً أن يكتب الواحد بالعربية فيشتهر في الخارج من خلال الترجمات، لكن الآن بدأت الرواية العربية تُتَرجم إلى اللغات الأجنبية، وصار الكاتب يشتهر في الخارج منذ الثمانينيات.
ـ أنا مصرٌّ على الحديث عن اللغة وأسألك: هل الكتابة بالفرنسية تؤثِّر على مشروع النهضة الفكري في الجزائر؟
ـ في الماضي أثَّرت، أمَّا الآن فلا تؤثِّر. الكتَّاب الذين يكتبون بالفرنسية يعيشون في المغترب وقد نفوا أنفسهم، أمَّا الكتَّاب الذين يكتبون بالعربية فموجودون في الجزائر، وبالنسبة لي هم أحسن من الذين يكتبون بالفرنسية.
ـ هناك مشروع نهضوي كبير جداً كان على الجزائر أن تنجزه من خلال مثقفيها ونخبها، وخاصَّة الروائيين؟ لماذا لم يُنجز؟
ـ طبعاً لم يُنجز، فهناك أسبابٌ تاريخية سياسية؛ خاصَّةً أنَّنا كنا نعاني أزمة استقلال، إذ كان هناك صراعٌ على السلطة في السنة الأولى من الاستقلال، ثمَّ جاءت بعدها وفاة «هواري بو مدين» فأثَّرت على المشروع، لأنَّه من بعد وفاته لم تعد هناك دولة جزائرية، لقد انتهت الدولة الجزائرية، مع أنَّ «بو مدين» زجَّني في السجن مرَّتين.
ـ ما هو السبب الذي زجَّك فيه في السجن؟
 ـ لأنَّني شيوعي. ولكن في ما بعد اتفقنا نحن «الحزب الشيوعي» مع «بومدين» وأصبحت بيننا علاقات طيبة. لقد كان «بومدين» رئيس دولة، وكان عندنا أيَّامه دولة، رغم الخلافات معه، إلا أنَّه بعد موته ومجيء «الشاذلي بن جديد» عشنا فترة فتور وموت حقيقي للعقل الجزائري، والسياسة الجزائرية، وللحضور الجزائري في العالم، لقد رحلت الدولة أيام الشاذلي. ثمَّ بعد عشرين سنة من حكمه؛ وهذا مربوطٌ بيقظة البعض، جاءت عشرون سنة سوداء من الإرهاب، جاء المتطرِّفون الإسلاميون ليسرقوا الدولة؛ فقتّلوا في الشعب لا في السلطة. وهذا يعني أنَّ الجزائر لم تلعب، لم تكن لتلعب دورها الرائد؛ الريادي.
ـ مع ذلك فأنت عندما كتبت بالعربية، أخذت اللغة إلى مسارات لم تكن لتذهب إليها في المغرب العربي، فقد كشفَتْ لغتكَ المدنَّس الذي يتستَّر؛ يتغطى به المقدَّس. أنتَ هشَّمتَ، مزَّقت ثوب المدنَّس، أنتَ ذهبت إلى الثالوث المحرَّم فكسَّرتَ رأسه وأسلتَ له دمه. لقد قدَّمت في العربية ما لم يقدِّمه غيرك في المغرب العربي. وهذا يعني أنَّ اللغة العربية يمكن أن نلعب بها؟
ـ هذا أكيد. اللغة العربية هي أولاً (لغة القرآن) لغة عظيمة، وهي أيضاً لغة بشار بن برد وأبو نواس، ولغة المعلقات، ولغة المقامات؛ وهي اللغة التي جاءت بألف ليلة وليلة، أوَّل رواية بورنوغرافية في الآداب الإنسانية، اللغة العربية أثرى من الفرنسية. أنا أجيد ثماني لغات لكنَّ اللغة العربية أقوى؛ فعندها قاموسٌ رهيب، لأنَّها لغة فتوحات سياسية واجتماعية وفكرية. فالعرب عندما كانوا يفتحون بلداً كانوا يندمجون مع شعبه، أمَّا الاستعمار الفرنسي فلم يفعل ذلك، لذا جاءت اللغة الفرنسية ضئيلة وجاءت العربية مثقلة باللغات الأخرى التركية والفارسية وهذا من عبقرية العرب ولغتهم.
ـ في رواياتك أنت تذهب إلى السرد الذي يرسم صورة. ثمَّة صورة/ لقطة. وكأنَّك تكتب فيلماً إنَّما رواية. هي الواقعية الجديدة أم السعي إلى ضرب الواقعية التي كتب بها نجيب محفوظ والطاهر وطار وهاني الراهب والياس خوري وغالب هلسا وخيري الذهبي؟
 ـ بالضبط هذا ما أردته، فأنا كان عندي موقف واضح ومتوتِّر ومتعصِّب من هذه الواقعية التي أشرت أنت إليها؛ لواقعية محفوظ والطاهر وطار والياس خوري..إلخ. وأردتُ أن أُدخل الفنيات التي تعلمتها من الرواية الغربية الحديثة، كنت أريدها حداثة، لغة تحدِّث الرواية العربية. ولستُ أدري إذا كنت شرختُ/ أقمتُ شرخاً حقيقياً في الرواية العربية أم لا، ذلك بتكسير الثالوث بطريقة كان لي مبرراتي ومبالغاتي فيها، الكاتب العربي لا يتجرَّأ على فعل هذا لأنَّ عنده مشكل مع الوعي، مع الصراحة والنزاهة. لقد أردت تكسير الذهنية ونمطية التفكير الذاتي، أنا مثلاً في كتاباتي أتحدَّثُ عن علاقاتي مع عشيقتي، وهذا لم نتلمَّسه في الرواية العربية بالشكل الذي طرحته. العشيقة عندما نلتقي بها نشرب معها الشاي و.. وننام معها وينتهي. أنا أدخل في التفاصيل؛ كيف يُمارس الجنس معها.
ـ أنت في بعض رواياتك تعمد إلى تكرار مقاطع سردية من مثل؛ مقطع الطبيب الشهيد الذي قتله الفرنسيون والذي عاد في تابوت مرصَّص، فنراه يتكرَّر في روايتك: ضربة جزاء، التطليق، الحلزون العنيد، معركة الزقاق، ليليات امرأة آرق. ألا يُضعف هذا من قوَّة النصِّ الروائي؟
ـ لا أبداً، بالعكس هذه تقنيةٌ اخترعتها وما زلتُ أستعملها، فأنا لا أكرِّر الشخصيات، بل أيضاً أكرِّرُ المواقفَ والمشاهدَ، وفي بعض الأحيان أكرِّرُ الجُمَلَ نفسها بإدخال تغيراتٍ طفيفةٍ جداً، فالجملة نفسها آخذها في النص نفسه وأوظِّفها. لكن كلَّ هذه لا تتجاوز عشرة بالمئة من مساحة الروايات.
ـ هل أفهم أنَّك تكتب روايةً واحدة؟
ـ نعم أنا أكتبُ روايةً واحدةً هي روايةُ؛ هي مشروع العمر.
ـ هكذا وصلني، هل هو اعتراف؟
ـ نعم هو اعترافٌ، أنا أعترف بذلك.
ـ في روايتك «ضربة جزاء» هناك تناوبٌ سردي، تعليق رياضي على مباراة من خلال المذياع. بل إنك عنوَنْتَ فصول الرواية بنتائج المباراة مثل: تولوز، انجي صفر. ثمَّ نراك بعدها تعود إلى السرد/ الحكي، الذي فيه توصيف وكأنَّكَ تقترح شكلاً جديداً للرواية؟
ـ طبعاً أنا كلُّ محاولاتي منذ البداية هي سعيٌ لاقتراح شكلٍ جديدٍ للرواية العربية. بالمناسبة أنا صديق ومعجب بأكبر روائي عربي إلى يومنا هذا وهو)كاتب ياسين(، وأنا إلى الآن لم أتمكن من تحدِّيه فأكتب أحسن منه. لذا تبقى روايته «نجمة» النموذج الرائع لما كُتِبَ في الرواية العربية وهذه وجهة نظر لي. فأنا عندما بدأتُ الكتابة قلت: إمَّا أن أكتب أحسن من كاتب ياسين أو مثله أو لا أكتب. فكتبتُ وأظنُّ أنني متساوٍ الآن معه.
ـ ألم تتعلَّم شيئاً من نجيب محفوظ؟
ـ لا.. لا، أبداً. مع أنِّي قرأت نجيب محفوظ وأنا في سنِّ المراهقة، وقرَأَتْهُ ابنتي «فريدة« أيضا في سنِّ المراهقة، وأنا بالنسبة لي نجيب محفوظ هو روائي يكتب للمراهقين.
 ـ نجيب محفوظ  
 ـ والله نجيب محفوظ كاتب بسيط جداً، وأنا قرأته بشغفٍ في سنِّ المراهقة، الآن ابنتي مهندسة لا يمكن أن تقرأ نجيب محفوظ، حاولنا أن نعيد قراءته لكنَّنا لم نستطع، لأنَّ رواياته ضعيفةٌ وبسيطةٌ جداً، صحيح أنَّ فيها الواقع الشعبي المصري وهذا شيء جميل. لكنَّها رواية سيوسيولوجية وأنتروبولوجية أكثر من أيِّ شيءٍ آخر، ليس فيها جماليات، (الاستتيك) مفقودٌ عنده تماماً، وهنا أسأل: هل هناك شعرية عند محفوظ؟ ..لا.لا. هذه هي القضية، وأنا عندي أنَّ الشعرية شرطٌ ضروري ليكون النصُّ الروائي جيداً.
ـ ألا توجد هذه الشعرية عند عبد الرحمن منيف؟
ـ موجودة. و«المنيف» من المحدثين، وأنا سبقته بسنواتٍ كثيرة. لكنَّني أوَّل من اشتغل على التناص. في ما بعد اشتغل عليه جمال الغيطاني وعبد الرحمن منيف، ولكن استعمال التناص جاء عندي في الرواية بشكلٍ وطريقةٍ هجومية وغزيرة، فيما هم استعملوه باحتشام. أنا أخذت صفحات كاملة من «ابن خلدون»، وفي روايتي (معركة الزقاق) أخذت رياضيات ـ مسائل رياضية ليس لها حلٌّ، حتى العلوم الدقيقة أدخلتها في أعمالي الروائية، مع هذا فأنا أعتزُّ بالمنيف فهو من أكبر الروائيين العرب وأهمهم.
ـ ماذا تقول في إلياس خوري أيضاً، ألم يقدِّم إضافات إلى الرواية العربية؟
ـ لا.. لقد قدَّمَ إضافات، ولكنَّها بصراحة بسيطة.
ـ في دراسةٍ لي عن روايته «باب الشمس» اعتبرت أنَّه إذا لم يكن عندنا «إلياذة» كما عند اليونان، فأنا أعتقد أنَّ  «باب الشمس» هي إلياذة العرب؟
ـ حقيقةً أنا معك؛ هي إلياذةُ العرب، ولكن تغلب عليها الكلاسيكية، والتسجيلية. إنَّها روايةٌ ليس فيها جنون؛ ليس فيها هروب، النصُّ لا يهرب من يديه، ولا من القارئ، لأنَّه ليس فيه زخم. و هذا الهروب / الزخم موجودٌ عند «المنيف» وعند «غالب هلسا» الذي لم يأخذ قسطه من الشهرة والاعتراف.
ـ في سوريا برأيك ألا ترى أنَّ خيري الذهبي قدَّم إضافاتٍ أيضاً للرواية العربية؟                  
ـ صحيح. هو قدَّمَ إضافات.
ـ وبالنسبة لحنا مينة؟
ـ حنا مينة أنا أصنِّفه مع نجيب محفوظ، ومحمد ديب، فهم قدَّموا أشياء بسيطة؛ اجتماعية جميلة؛ لقد كتبوا كشيوعيين. أنا أيضاً شيوعي؛ لكنَّني كتبتُ كأنَّني لست شيوعياً، لقد استعملت حريَّتي، ولم أدخل مثلهم في بوتقة الواقعية الاشتراكية. هم عندهم أبطال، أما أنا فعندي شخوص. هذا هو الفرق.
ـ مع ذلك أنت ترسم لواقعيتك الجديدة، فتذهب إلى ما فوق الواقع. هناك «سريلة»، رواياتك هيكلها ولحمها وإن بدوَا واقعيين، إنما أنت تذهبُ إلى ما فوق الواقع، فتكتبُ نصاً فيه شيءٌ من فلسفة. هل تخشى، تخاف، أم هو البحث؟
 ـ أنا أستاذ فلسفة وأستاذ رياضيات في الوقت نفسه، ما يعني أنَّ عندي نظرة ميتافيزيقية دائماً للحياة التي هي مفقودة عند الكتَّاب المشارقة والمغاربة، كأنَّ الكاتب العربي بصفةٍ عامَّةٍ عنده علاقة حبٍّ مع الحياة، حتى لو غضب أو نفر منها. أنا بالعكس عندي علاقة موتُ حياةٍ مع الحياة (ايروس تاناتوس) بالمعنى الفلسفي وعند فرويد. لقد اشتغلتُ على مشكل الذاكرة التي تدور بشكل حلزوني. كلُّ هذه الأمور جعلتني أكتب بهذه الطريقة.
ـ سؤالٌ قديم جديد. عندما انضمَّت «آسيا جبار» إلى الأكاديمية الفرنسية اعتبرت أنَّها، بل اعتبرتَ أنَّ الفرنسيين منحوها مكافأة نهاية خدمة، ثمَّ طعنت بمصداقيتها الأدبية، واعتبرت أنَّ إدارتها للرواية التي تكتبها كمن يقدِّمُ برنامج ما يطلبه المستمعون. هل هو غيرة على الوطني أم أنَّك تصفي حساباتٍ معها؟
ـ لا أنا ليس لي حساب معها. هي كاتبةٌ متوسطة جداً، ونحن نحترمها كثيراً لأنَّها امرأة. لكن في مسار حياتها الإداري كانت خبيثة جداً، لقد اشتغلت عدَّة سنواتٍ في فرنسا حيث أرسلتها التلفزة الجزائرية لاقتناء الأشرطة السينمائية عن حرب الجزائر، فبقيت هناك عشر سنوات لهذا السبب ولم ترسل شريطا/ وثيقةً واحدة. وفوقها تشتمُ الدولة الجزائرية التي شغَّلتها نائبة مدير المركز الثقافي الجزائري في فرنسا، الذي كان تحت سيطرة جبهة التحرير، والذي حوَّلته إلى مكانٍ للحفلات والاحتفالات… إلى أن تحوَّلت الأمور وصار المركز تحت إدارة وزارة الخارجية، بإشراف شخصٍ بدرجة السفير الذي اكتشف أنَّ «آسيا جبار» كانت تقبض رواتب السفيرة، ولم يستفد أحدٌ منها. أنا رفضت مناصب وزير ثقافة مرتين بطلب من الرئيس الشاذلي والرئيس زروال. ثمَّ أخيراً طلبت مني (خليدة تومي) وزيرة الثقافة مؤخراً أن أكون مدير الآداب والفنون في الوزارة فرفضت. أما آسيا جبار فأكلت الخبز وبصقت في الصحن.
ـ هل تخوِّنُها؟
ـ أنا لا أقول إنَّها خائنة. هي إنسانة ضعيفةٌ تهتمُّ وتحبُّ المال، وهي رجعية وأنا شيوعي وهذا الفرق. أثناء العشرية السوداء دافعت عن الإسلاميين وعن جبهة الإنقاذ في الصحافة والإذاعات الفرنسية، فيما كنَّا نموت هنا في الجزائر، وكانت تقبض راتب سفيرة.
ـ زهور ونيسي كروائية وكوزيرة ثقافة سابقاً هل أضافت إلى الرواية الجزائرية؟
ـ زهور ونيسي امرأةٌ طيِّبة عندها موقف سياسي مع جبهة التحرير، وتقلَّدت مناصب كثيرة، لكن في الرواية تبقى عادية.
ـ في الرواية الجزائرية اليوم هناك أسماء منها أمين الزاوي، واسيني الأعرج، جيلالي خلاص، مرزاق بقطاش، هل يمثلون الجيل الجديد، في الرواية الجزائرية الجديدة؟
 ـ هم يمثلون الجيل التالي لي، الثالث أو الرابع، أما الآن فهناك جيل خامس وسادس.

ـ في الذكرى الستين لاغتصاب فلسطين التي مرَّت منذ أيام رفضت استعمال كلمة (نكبة)، واعتبرت أنَّ إسرائيل هي استعمارٌ حقيقي، والقضاء عليها لا يكون إلا بالمقاومة المسلَّحة. سؤالي هل هو الذهاب إلى الحق الحقيقة. ألا يكلفك هذا ثمناً في حين أنَّ كثيراً من العرب يتمسَّحون بهذا الاستعمار ويغازلونه؟
ـ طبعاً هذا موقفي من البداية، أنا كنت مناضلاً ومحارباً في جبهة التحرير وفي جيش التحرير، نحن أصحاب مبادئ، وهذه طبيعتي. أنا لم أقل يجب أن نحطِّم إسرائيل فهذا مستحيل، أنا واقعي. أنا قلت يجب أن تكون هناك دولة فلسطينية موازية حقيقية إلى جانب دولة إسرائيل، ومن المستحيل أن تخلق الدولة الفلسطينية بدون حرب، وللأسف وهذه أقولها بين قوسين إنَّ الإسلاميين هم الذين يحاربون حقيقةً في سبيل فلسطين، أمَّا اليسار العربي فتراجع، أنا مع (حزب الله) في لبنان، وأنا مع (حماس) في فلسطين، هم يقاومون ونجحوا في مقاومتهم، وردعوا الكيان الصهيوني.
ـ هل نعتبر أن «حزب الله» و «حماس» يقومان بما لم يقم به الحكام العرب؟
ـ بل لم يقم به اليسار. أنا بالنسبة لي أغلبية الحكام العرب خانوا فلسطين، تركوها هناك. خونة تلاعبوا في فلسطين وباعوا فلسطين. والشعراء يقولون كذلك لا الروائيون مثل مظفر النواب. أنا أتأسَّف أنَّ اليسار لم يلعب الدور الذي يلعبه الإسلاميون.
ـ ألا ترى أيضاً أنَّه بعد فلسطين يُباع الوطن العربي؟
ـ طبعاً هذا مخطط أميركي معروف. وموقف سوريا ـ وهذه بين قوسين ـ رغم أني لست صديقاً للنظام السوري. ولكن موقف سوريا منذ البداية وإلى اليوم موقف مشرِّف بالنسبة لإسرائيل، فسوريا عندها موقف واضح وهي الوحيدة التي تتمسَّك بالجولان، ولم تلعب معها دوراً سلبياً. ومن أجل ذلك لم تتخاذل على حساب فلسطين.
ـ سؤال أخير، رغم اعتزازك بالكتابة بالعربية، أنت تعود وتكتب بالفرنسية روايتك التي صدرت أخيراً «فندق سان جورج»؟
ـ أوَّل رواية كتبتها بالعربية كانت سنة 1994ـ 1995 ومنذ ذاك الوقت بدأت فترة الإرهاب، وبعدها كتبت رواية أخرى اسمها (الجنازة) رفض الناشرون الجزائريون، بمن فيهم الدولة طبعها، لذا عدت للكتابة بالفرنسية، أنا عندي الآن أربع روايات مكتوبة بالفرنسية، رواية فندق سان جورج هي الرواية الأخيرة التي أكتبها بالفرنسية، لأنَّ عندي عقداً مع دار نشر فرنسية والآن انتهى هذا العقد، وسأعود للكتابة باللغة العربية.

(1) صحفي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق