قراءات ودراسات

أزمـة السـؤال فـي الفكـر العربـي المعاصـر

د. محمد الصفاح

أحيانا  تلزم العادة  أو الممارسة العفوية الإنسان أن يمارس في حياته أشياء هامة , وذات قيمة عالية بل ضرورية ,انه لا يأبه إليها , ولا يكترث إلى ما تكتنزه من أهمية كبيرة , وفائدة جليلة . ومن هذه الأشياء التي يعيشها الإنسان, بل يحيا بها, السؤال، ولم لا, وهو أي الإنسان, كائن سائل ، و متسائل. إذ بهذه الصفة تتأكد ادميته , و بالسؤال أيضا يتأكد وجوده الاجتماعي , القائم على التفاعل المؤدي إلى الانصهار مع قومه وعشيرته . كما يثبت أيضا وجوده الفكري ، باعتباره ذاتا مفكرة , تتفاعل فكريا عبر التأثير و التأثر لبناء الثقافة . بهذا التعبير البسيط , البعيد عن الحفر العميق , تتجلى بنية  السؤال , ومدى أهميته بالنسبة للإنسان في ارتباطه بذاته أولا , و بغيره ثانيا , و بمحيطه المادي الوجودي ,  ثالثا. فما المقصود بالسؤال , إذن ؟

المقصود بالسؤال, الاستفسار عن شيء ملتبس في ذهن السائل , يخرج عن حدود معرفته وإدراكه , يسبب له توثرا نفسيا و قلقا فكريا , يفقدانه التوازن . ويرمي من ورائه إلى توضيحه, ليخرج المبهم المستفسر عنه من حيز المجهول, إلى حيز المعلوم. وذلك بواسطة أسماء, هي : من, ومن ذا, وما, وما ذا, ومتى, وأيان, وكيف, وكم, وأين, وأي. وهو سلوك فكري  و نفسي , يعيد  للذات السائلة , الباحثة عن التفسير , توازنها المفقود.. وعلى هذا الأساس , تظهر العلاقة الجدلية الرابطة بين الإنسان و السؤال . وهي علاقة, رافقته منذ أن أدرك إدراكا عقليا, انه كائن بشري يختلف و يتميز عن غيره من الكائنات. وذلك بفضل أعمال الفكر المحفز بواسطة السؤال الذي يلاحق كل شيء يبدو غريبا عن العقل , أي خارج حدود الإدراك ، والتفسير اللذين يعطيان للشيء انسجامه الموافق للمنطق المسلم به عقليا، و إدراكيا . كما يلاحق الأحداث و الوضعيات , المبهمة و المشوشة للنفس ،و العقل , ساعيا وراغبا في إيجاد تفاسير منطقية ترضي العقل و تقنعه . على هذا النهج ظل الإنسان و منذ القديم يعيش تحت سلطة السؤال, و قوته, محاولا الانتصار عليه , إلا انه افلح في احتواء البعض من الأسئلة و إسكات أصواتها , لكن البعض الآخر، ظل متمردا ،عصيا على الفهم و التفسير وذلك لغنى أسرارها و قوتها الفائقة للقدرات الذهنية الإدراكية للامسان .

وفي هدا المعنى , قيل عنه “السؤال  كائن أسطوري قوي البنية , صعب الشكيمة , كلما احترق إلا و ازداد اشتعالا وتوهجا , يهزم ولا يهزم , طائر كوني , يملك اجنحة متعددة….. ؟؟

هدا و يمكن القول , آن ناموس الوجود يقوم على أركان هده الأسرار القابلة للكشف عبر الإصرار, بواسطة السؤال. و بمعنى أدق ،فان عدم القدرة أو العجز عن كشف حقيقة الأسرار ، هي الباعث أو المحفز للعقل البشري على البحث الدؤوب , المتواصل , لاختراق المجهول ,وتفكيك بنيات أسراره و أواصرها , ليصبح معلوما . لعل هدا هو المنطق الذي يخضع له الكون في علاقته بأفكار الأجيال المستفزة من قبل الأسئلة المتنوعة، البانية للثقافة المختلفة، باختلاف الأزمنة ، و الأمكنة , و الأفكار . واحتكاما للمعيار الكرونولوجي , يمكن تقسيم السؤال على مستوى الماهية , إلى :

سؤال فطري عاطفي.

سؤال فكري عقلي.

سوال علمي.

فبالنسبة للنمط الأول، فقد لازم الإنسان البدائي الذي اعتمد اعتمادا كليا على عاطفته و غريزته وفطرته في تفسير و قراءة ما يراه و ما يصادفه  من أحداث , انطلاقا من مبدأي :

اللذة :التي تجعله يميل عاطفيا، من حيث لا يدري، نحو ما يجلب له اللذة, كالأكل, و الشراب، و النوم .(إشباع الغرائز) فيحبه, و يقبل عليه.

الألم : ويموجبه يبتعد غريزيا عن كل ما يسبب له المعاناة : كالجوع ،و العطش و البرد, و الخوف…. فيكرهه , ويبتعد عنه . وهي أحاسيس منبعها أسئلة الفطرة و العاطفة, يتم الإجابة عنها بالاقتراب من المرغوب فيه. و الإقبال عليه أو الابتعاد و الإدبار عنه. .

و بخصوص النمط الثاني , فقد تميز به الإنسان الذي انتقل بفعل تراكم الخبرات  و التجارب  الناجمة عن التدبر ،و التأمل , من الطور الفطري العاطفي , إلى الطور الفكري ، حيث نضج مستواه الفكري , الذي انعكس على طبيعة الأسئلة  المتولدة عنه , و المتعلقة بقضايا كبرى، ترتبط بالعالم المادي الوجودي. (عالم الشهادة ), مجال حياته , و مزاولة أنشطته . المتعلقة أيضا، بالعالم الميتافيزيقي  الماورائي . فأصبح بذلك، العقل يعيش تحت ضربات طوفانية من الأسئلة , ذات المشارب المختلفة :

– الاسئلة الدينية.

– الاسئلة الفلسفية.

– الاسئلة الفلكية.

– الاسئلة الطبية.

– الاسئلة اللغوية.

– الاسئلة الماورائية : (وجود الله , صفاته , الروح , الموت…….) وهي أسئلة ،جندت لها العقول و الأفكار , بغية إيجاد أجوبة منطقية , قوية,  تنسجم وبعمق ، و ميكانيزمات السؤال . الشيء الذي فتح باب الاجتهاد على مصراعيه فظهرت المدارس و نشطت , وازدهرت المذاهب ، و كثرت المناظرات الفكرية , واشتد عود النقد وارتفع كعبه . إذ أصبح لزاما ،في ظل هذه الوضعية الفكرية القوية بقوة الأسئلة المطروحة , بحكمة وروية أهل الفكر , وهم : الفقهاء و المفكرون و الفلاسفة …. بكيفية  ذكية , وعقلانية, تكمن في تقديم أجوبة شافية ، و مقنعة .. وهي مهمة جليلة ، صعبة , يتطلب التغلب عليها , اعتماد وسائل عديدة , منها :

_ القوة الفكرية. .

_الثقافة الموسوعية. .

_القدرة على الإقناع.

_القوة البيانية.

_التحلي بالحكمة.

و التي أسهمت و بفعل عوامل أخرى، في خلق شخصيات  فكرية  موسوعية , استطاعت و باقتدار، الانسجام و روح العصر الذي حاصرته الأسئلة المعرفية الفكرية الكبرى من كل حدب وصوب , في تقديم أجوبة قوية آلمت بالأسئلة , هازمة إياها بقوة العقل , لا بعمى التعصب. و الجدير  ذكره في هدا المقام , إن طبيعة السؤال الفكري , هو علة  إنتاج أولئك الرجال الأقوياء  فكريا و ثقافيا. الذين أنتجوا بدورهم عصرا يلائم فكرهم القوي، الموافق و المضارع  لطبيعة الأسئلة القوية ،. التي يعود وبحق أليها الفضل في صنع عصر النهضة الأول زمن الازدهار الفكري و الثقافي,  زمن سيادة العقل القوي, المؤمن بسلطة  الدليل و البرهان, و الحجة المؤيدة بالمنطق العقلي, الباحث عن الحق, وإقراره و تأكيده.

و اذا كان السؤال الفكري لا يقنع إلا بالإحكام العقلية المدعومة بنصوص عقلية , مساندة للردود و الأجوبة , لتجد الطريق سهلا وسالكا إلى العقول , التي تعد وحدها على حد تعبير ماديسون ” خجولة وحذرة تماما كالإنسان ولا بد  ان تقويها أراء  الآخرين ” فإن السؤال العلمي يعتمد وبشكل قوي على حقائق ومعطيات مادية أكثر قوة، باعتبارها القناة القادرة على دعم الردود والأجوبة وجعلها قابلة للاستيعاب من لدن العقول التي غدت في ظل سيطرة السؤال العلمي ،تشك في كل شيء، حتى تثبت صدقتيه ويقينيته. وذلك من خلال الاحتكام إلى التجربة او التجارب  المخبرية المعتمدة على مراحل بحثية   متعددة، تفضي إلى نتائج تنسجم وتتطابق وروح السؤال العلمي ،وميكانيزماته أو تخالفه وتتعارض إطلاقا معه. .

وصفوة القول، إن طبيعة الأسئلة، هي القوة المنتجة للحضارة، والبانية لها ،وذلك وفق شروط ذاتية وموضوعية تتحكم قبلا، في إنتاج الأسئلة كمادة للحضارة . فكلما كان  السؤال أو الأسئلة قوية، إلا وكانت الحضارة قوية، توازي قوة العقول، والأفكار المكدة والمجتهدة لإيجاد الأجوبة المناسبة، المستجيبة لطموحات الأسئلة، وقود الحركة الفكرية، ونبراس الإرادة الباحثة عن التخلص من شرنقة الظلمة والإبهام. ولعل قوة الأسئلة هي التي أيقظت:

العقل العربي: ودفعته إلى بناء ثقافة قوية في شتى المجالات، انصهرت مكوناتها لتصنع حضارة عربية اخترق صيتها الحدود، منتشرا في العديد من أصقاع  الأرض. مشكلة بذلك، سؤالا كبيرا للأخر ،مادته ، الحيرة ،والإعجاب ،دفعاه بتواضع ،مقبل غير مدبر ،باحثا مستقصيا،  للكشف عن الأسباب والعلل الكامنة وراء قوة  تلكم  الحضارة المنجزة  من لدن الرعيل الأول ، صاحب الفكر المتسائل إبان زمن القوة أو زمن النهضة الأول، والمتهافت عليها، ترجمة ،ونقلا ،ودراسة ،وتحليلا، ونقدا، وتمحيصا ……ما أدى إلى إيقاظ: .

عقل الآخر: ” العقل الغربي المسيحي العبراني”   الذي كان يعيش حالة ركوض أثرت سلبا على الحياة التي كانت فوضى قدفت بالإنسان الغربي في  أتون حرب طاحنة اكتوت بنارها الحارقة العقول الواقعة تحت صدمة حضارة الشرق القوية. فتبلور لديه بفعل القلق والانشغال، سؤالا فكريا قويا حول كيفية تجاوز الأزمة. فظهر بعد حين،الجواب قويا  أيضا، على يد فلاسفة الأنوار ومن حذا حذوهم .حين بدأ وجه أوروبا يتغير على أياديهم وأيادي من أتى بعدهم. وذلك من خلال التحرر الفكري و التقدم الصناعي و الرقي  الحضاري. ليليه بعد دلك،السؤال العلمي الدقيق،في بعده التقني التكنولوجي ،الذي قفز ببلاد العم سام إلى مرحلة جد متقدمة  تجاوزت الطور الصناعي  ذي الطابع البدائي : الآلات البخارية التقليدية الميكانيكية …” معلنة بذلك عن ميلاد  حقبة جديدة في تاريخ البشرية  سميت بأسماء مختلفة  منها : عصر التقنية , عصر التكنولوجيا الرقمية , مما تحمله الكلمة من معاني  و دلالات عميقة  وواسعة , عصر التقنية النووية…… و هو تطور افرز نمطا مجتمعيا جديدا أطلق عليه مجتمع المعرفة. وهي السمة المميزة له عن باقي المجتمعات البشرية كافة. وواقع الحال يؤكد إن العقل الغربي المتقدم لا زال و سيظل على المديات المستقبلية البعيدة خاضعا لضربات الأسئلة  و وخزاتها الاستفزازية  العميقة ،و المؤثرة  يوما بعد  يوم في كل الميادين ذات الصلة سواء بالعلوم الإنسانية أو العلوم الحقة. بل دفعته قوة السؤال و شهوة الطموح ، إلى غزو الفضاء، و الكشف عن بعض أسراره التي ظلت حتى وقت قريب خفية، وخافية  عن الإدراك،ليفاجئ العالم  بأجوبة جديدة، تتحداه و تكسر جبروته . إنها ديناميكية  فاعلة ،تحكم العقلية الغربية التي تعيش صراعا ضاريا ، أو حربا شعواء بين  قوة الجواب، كسلاح مضاد له، المتمثل في إنتاج المعرفة سواء :

-بالاكتشاف.

-أو الإبداع.

-أو الاختراع.

-أو إعادة صياغة القائم منها . وفق منظور ورؤية جديدين . انه حقيقة صراع، أنشأ حضارة قوية ،و قودها و أساسها ،ثقافة قوية، صنعتها الأسئلة القوية .

و مقابل هذا الازدهار الحضاري و الثقافي لدى العقل الغربي اليقظ،المسكون بهم وقلق وانشغالات الأسئلة المرتبطة بالقضايا الكبرى . يبدو العقل العربي خامدا ساكنا ، تنازل قسرا أو طوعا عن خصوصياته الحضارية، و ذاكرته الثقافية، أس  هويته. وأصبح يعيش حالة تخلف تبدو واضحة المعالم في مجالات شتى، دخل على أثرها إلى مايسمى تاريخيا مرحلة الانحطاط أو السقوط  الفكري ،و الثقافي، و الاجتماعي ،و السياسي، و الاقتصادي. و يعزى ذلك فيما يرى المفكرون إلى سياسة الخليفة العباسي، المتوكل ،الذي أعلن عن انطلاق مشروع التخلف بسلوكه السياسي  القاضي بدعوة الناس إلى التمسك بالتقليد و التسليم و ترك السؤال و الفضول العقلي، واجتناب الجدال ،و النظر ،و الابتعاد عن البحث العقلي، و الفلسفي، و هي أدوات بناء الفكر و أسسه، التي بدونها لن يستطيع أن يصنع الأسئلة المعرفية العلمية القادرة بحق على اقتحام المغامرات الفكرية الكبرى المنبثقة من رحم المشكلات او القضايا المشوشة على الواقع .الذي يضع العقل إمام مسؤولية فهمه على حقيقته و الانطلاق من ظواهره و أشكلياته،  إلى إيجاد الحلول .يقول المسعودي في مروج الذهب : “…. بترك النظر والمنافسة في الجدال والتراث لما كان عليه الناس في ابام المعتصم والوثائق و أمر الناس بالتسليم والتقليد…..” يستشف من منطوق نص المسعودي ، إن المتوكل  او صد باب الاجتهاد و واد السؤال في المهد ذبا عن شرعية خلافته . لكن تهور السياسي عجل بسقوطها على أيادي التتار  سنة 656ﻫ فسقط بموجبها العقل العربي ردحا من الزمان، ودخل في سبات عميق مستسلما للجمود الذي أوقف حركة الدم في جسمه فغدا عليلا سقيما إلى إن شيء له، بعد تضافر عوامل ذاتية وموضوعية دفعته نحو طرح سؤال فكري يتيم ،قوي، هو، لماذا تقدم الغرب وتأخر الشرق ؟

والذي لم يكن ليطرح لولا قوة الصدمة المدوية، والرجة التي أحدثتها حملة نابليون على مصر والشام التقى عبرها الشرق بالغرب، إذ أدرك حينئذ، العقل العربي المضطرب، المصدوم ،حجم الفرق بينه وبين الأخر .ما حتم عليه واجبره على خلق حراك سياسي، وثقافي،وفكري ،واجتماعي، حمل لواءه عدد من المفكرين الذين ألف فيما بينهم السؤال المعرفي الحضاري الكبير . لماذا تقدم الغرب وتأخر الشرق ? فحاولوا جاهدين في سياق محاولات جادة الإجابة عن السؤال . لكن، وبالرغم من المحاولات المنجزة و المبادرات التي حققت بعض المكاسب الحضارية  ،فإنها مجرد خيالات حضارية باهتة أصلها  الشرعي ضفاف ماوراء البحار . لان النهضة الحقيقية هي التي تبنى على أسئلة قوية نابعة من الذات المحترقة بالهموم و المنشغلة بالقضايا الكبرى لتي تزرع القلق في الأفكار العملاقة القادرة على التدبر والتأمل والتفكر قصد لوصول إلى أجوبة حضارية مستقلة نابغة من صميم و عمق الذات الفكرية العربية التي لا تقبل إلا ما أنتجته بمجهودها و اجتهادها، و ترفض ما ليس لها. وهذا ماعبر عنه احد المفكرين قائلا :”مللنا العيش على فتات حضارة ليست لنا ”  ومتسائلا : ” الم يحن الوقت بعد الانتشاء بلذة الأسئلة الكبرى،  الصانعة للأمجاد ، كما صنع غيرنا أمجادهم ” ثم يتساءل “أليس من العيب أن نزاحم أهل المجد على أمجاد لا نصيب لنا فيها “

و في ضوء ما سبق، ألا يمكن إعادة طرح السؤال القديم الجديد، لماذا تأخر العقل العربي، وتقدم العقل الغربي ؟ باعتباره سؤالا معرفيا علميا، حضاريا. يؤسس لانطلاق الحراك الحضاري.

إلا يمكن أن يمثل هذا الكلام الصادق ، الصادر عن قلوب اتعبها الكلام ، أن تؤثر في الأفكار لاسيما في ظل المتغيرات الراهنة، صياغة أسئلة فكرية، و علمية ،تتطلع بشغف إلى كسر طوق التحدي و الانطلاق لمواكبة عصرها الذي لم يعد يترك الفرصة للتواني في صنع الواقع الكوني أسير العولمة، الذي تحركه السرعة ،و القوة. علها تجد مكانا لها داخل المركز، كما بالأمس القريب؟ ام ترفضها قطعا ، ثقافة مجتمعات يغيب فيها الحوار و التعايش ، و المنهج العقلاني، و تهيمن عليه التعبية،  و القيم الاستهلاكية و التراجع الحضاري؟

و رب سائل يتساءل عن الكيفية التي تتم بها صياغة الأسئلة البانية للمعرفة.فما هي إذن؟ إن بناء المعرفة كما يرى المفكرون تقوم على أساس الصيغتين الاستفهاميتين التاليتين :

1 – الصيغة الاستفهامية الأولى : مبنية على الاسم ماذا، و تجيب عنها المعرفة النظرية ، أو معرفة المعلومات المرتبطة نسقيا و عضويا بالحقائق الجوهرية، باعتبارها معرفة مطلوبة لذاتها، و ظيفتها صياغة النظربة،أو معرفة المعلومات  عبر بناء شبكة مفهومية،تتوضح من خلالها القضايا، و تعرف لكيفية دقيقة.

2 – الصيغة الاستفهامية الثانية : المركبة من الاسم كيف، و تتولى الإجابة عنها المعرفة الإجرائية أو التطبيقية المرتبطة بالشؤون الحياتية،  و الأغراض النفعية المتضمنة للقدرات، و عرض الكفايات و المهارات و إظهار البراعة، و القدرة على تحويل المعرفة النظرية : (القوانين، المفاهيم، الأفكار ….) إلى خطط عملية، و استراتيجية، تعالج بموجبها القضايا و المشكلات المطروحة.

و على هذا الأساس، يمكن القول، إن دور السؤال، يكمن في خلق المعرفة النظرية.اما دور الجواب ، فيكمن في المعرفة الإجرائية، ما يؤكد وجودها الجدلي، القائم على التلاحم التفاعلي، الذي يعد أساس الحركية الحضارية، و الفعالية الثقافية، و منطقها المتحكم فيهما روحا و تطورا.

و بخصوص السؤال بقول احد الحكماء الصينيين :

” السؤال حكمة يتدفق منها شلال نور يخترق سحره و قوته حجاب السديم السميك…” و يقول أيضا : ” لولا السؤال التأملي، الفكري، لبقيت اجهل نفسي و اجهل حركات العالم من حولي الدافعة نحو الرقي و التطور…”.

بناء على هذه الحكمة الصينية المتبثة لقيمة السؤال، و أهميته، نستنتج أن التأسيس لثقافة السؤال المعرفي، العلمي القوي، شرط ضروري للوجود الفكري العربي. إن هو أراد أن يجد لنفسه منفذا  على المسرح الكوني ، حيث يجري صراع حضاري و ثقافي و فكري طاحن،و شرس ، يحكمه منطق البقاء للاقوى و الاذكى.

و انى له ذلك، و علاقته بالسؤال الفكري العلمي، الاب الشرعي لبناء الحضارة ، مأزومة يسودها القطيعة.فهل من سبيل لاصلاحها؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق