ثقافة السرد

قـصـائـد مُـهَـمَــشـة

أحمد غانم عبد الجليل*

مثل قط هرم يتكوَم مخدَر الحواس فوق الأرض الزلقة على بعد خطوات من بيت الغانيات الذي اعتاد ارتياده من حينٍ لآخر, لا يشعر بشيء سوى رطوبة الطين المتسللة إلى جسده عبر ثيابه المهترئة, يرفع رأسه المطوَح بالسكر, مغالباً تثاقل جفنيه المتحجرين, نحو السماء المثقلة بغيوم تعد باستئناف هطول الأمطار, يلفه هذيانٌ لا يبالي بتطفل المارة ولا بسخافات أقوالهم وسخريتهم من رجلٍ فقد قواه وعقله, متماهياً مع كومة الأقذار والمياه الآسنة المحيطة به.
تتشبث يداه بالحائط الذي خلفه ليعينه على نهوضه المؤلم, يثني ويمد ساقيه عدة مرات قبل أن يترنح في سيره نحو منفاه, مضى يبحلق في الظلمة الخفيفة من حوله, وأنوار أعمدة الكهرباء ترتعش أمام ناظريه, لعله يجدها تواصل سيرها إلى جانبه, منتشية الروح, حفيفة الحركة, يكسو وجهها دلالٌ مرح, تعيد عبارات بطل الفيلم في هذا المشهد الساخر وذاك. كانت يدها التي أراد احتواءها بكفه منذ أول جلوسهما في صالة العرض تهتز فوق مسند الكرسي بقوة, وضحكاتها العالية تتوالى مع كل موقف وحركة وكلمة, تعبير وجه وإيماءة رأس داخل الفيلم الكوميدي, مفبرك الأحداث, وكأنها لا تصدر عن تلك المرأة الخانعة تحت خيمة الوجوم أغلب الوقت, همَّ أن يطلب منها محاولة إخفاض صوت قهقهتها, مثيرة انتباه وسخرية الشباب الجالسين على مقربةٍ منهما, يغالب نظراتهم الوقحة الظن أن يده اللعوب لا تمل من دغدغة ثنايا جسدها من تحت العباءة, لكنه لم يشأ أن يقوِض من تفتح زهرة وجهها البرية.
كلماتها العذبة تترامى بخفة في جوف الأزقة الضيقة المؤدية إلى تلك الدار الموحشة, جدرانها المتصدعة تجمعه وامرأة عجوز قليلة الكلام والحركة, مزاجها العكر لا يتغير إلا عند زيارة إبنها الوحيد وحفيديها الصغيرين, منذ رحيل آخر العوائل التي سكنت الدار وتحويل أغلب غرفها إلى مخازن تضم شتى أنواع البضائع التابعة لتجار السوق القريب.
تعاملت معه في الأيام الأولى لوصولها برفقة كهل تستلب جسده الأمراض بتحفظٍ شديد, لم يلبث أن تلاشى جموده لما صار يعينها على إسناده داخل وخارج الدار حتى يركباه سيارة الأجرة, كما ذهب معهما ذات مرة إلى المستشفى لإجراء التحاليل التي أوصى بها الطبيب, وخرج في جوف إحدى الليالي الباردة ليجلب له دواءً, اكتشفت نفاده فجأة, من الصيدلية الخافرة, البعيدة بعض الشيء.
أرهقه ترددها حتى قبلت في حياءٍ جم, تحول بعد ذلك إلى فرحة شع نورها من أغوار خفيةٍ حتى عنها, دعوته لمشاهدة فيلم في السينما القريبة, بمناسبة نشر إحدى قصائده, قرأها فور دخوله الدار أمام سذاجتها المحببة, رغم علمه أنها قد لا تفقه أغلب معاني كلماتها, بحماس شاب في مقتبل العمر, لم يتم النشر له من قبل. اطمئنانها على حال عمها الغاط في نومه بعد تناوله حبة المنوِم, كشأنه كل مساء, ذوَب مثلها في قدح شاي جارتهما المرأة العجوز التي تكاد لا تنفك عن مراقبتهما, كان بمثابة تصريح لخروجهما في ليلةٍ معتدلة البرودة, فيما كانت الرياح تراقص بهدوء عباءتها السوداء أثناء سيرها الوئيد, تخشى السقوط, أو هكذا هجس, أمسك ذراعها وسط الزقاق متعرج الأرض, فأفلتتها بخفة, زمت شفتيها, وأحنت رأسها, ثم سبقته بعدة خطوات, لحقها دون أن يحاول لمسها من جديد حتى وصلا إلى الشارع العام, صاغت الأنوار الساطعة من المحلات المتلاصقة على جانبيه من خمرية وجهها الغامقة قرمزية الغروب, وتضاربت فوق خصل شعره الرمادي وسمرة وجهه الموَشى بالغضون. لفت العباءة حول صدرها أكثر, متوجسةً من خطرٍ لا تدري كنهه, غير أن عينيها راحتا تتطلعان بشيءٍ من الانبهار إلى حركة السيارات والناس من حولهما, صخب مستمر لا يخف ولا يلتقط الأنفاس حتى, رغم أنها قضت شطراً من حياتها في العاصمة, لدى إقامتها في بيت أحد الأقارب, قبل زواجها من إبن عمها الذي غربها عن وهج المدينة الجميل.
انسلت إلى الداخل فور فتحه ضلفة الباب الحديدي الكبير, لحقها سريعاً وجمد حركتها نحو الغرفة المعبأة براوئح الأدوية وأنفاس الكهولة الكريهة, مسكها من معصمها بقوة ألصقت ظهرها بالجدار الخشن وراءها.
دهشة، ترقب، خوف، حبور، رجاء؟ بالابتعاد أم الاقتراب أكثر؟ لم يشأ أن تشغله الحيرة بتفسير ما ترسله إليه عيناها من نظرات تلاشت أمامه تحت ضوء مصباح الرواق الخافت, لما هصرها إليه بشيءٍ من العنف, لا يبالي برهافة جسدها الملفوف, تهاوت العباءة وغطاء الرأس على الأرض, وظهر له فستان بسيط وطويل, بدلاً عند ذلك الثوب الفضفاض غامق اللون الذي ترتديه دوماً, تبرقش خضرته الفاتحة زهورٌ زرقاء, بفتحة صدر مرَبعة, تهدجت أنفاسه بانزلاق نهديها المتكورين تحت ضغط أضلع صدره المضطربة على نحوٍ مباغت, كمن ظفر بكنز أشقاه طول البحث عن مخبئه, استنشق رائحة ذلك الشعر المتواري باستمرار خلف حجاب قد تنفر منه بضع خصلات فاتحة السواد, يتخلله نسيم الأرض البراح في مدينته الصغيرة النائية التي غادرها شاباً لم يبلغ العشرين بعد, مكبلاً بإعالة والدته وأخوته الأصغر منه سناً, يمَني نفسه بالالتحاق بالجامعة ذات يوم, وربما السفر بعد ذلك إلى الخارج, يمضي هناك الحياة التي يستحقها شخصٌ يمتلك مثل ثقافته وموهبته الشعرية المتدفقة منذ أيام صباه.
جسدها الساكن بين ذراعيه كان يهديه طراوةً دافئة ندية, بحث عنها في كل عاشر من نساء تعاقبن على تلك الدار الخربة, أثناء غياب أزواجهن الطويل في جبهات القتال, قبل مغادرتهنَ غرفته على عجل من غير أن تصدر عنهنَ التفاتة نحو جسده الهامد فوق سريره المخلَع. قبَل جيدها الممتلئ ببطءٍ شديد, ثم لغدها وخديها المتجمرين بلفحاتٍ من خجلها, وداعبت شفتها السفلى لذةٌ لم ترشف مثلها من قبل.
أسند رأسه إلى كتفها, كما لو كان يتكئ بكل شقاء عمره المقبل نحو شيخوخته المفزعة على جسدها الممهور بعنفوانٍ لا تفطن إلى شيءٍ منه, لم يود النطق بكلمة ولا استطاعت هي، كتمت تأوهاتها, كما اعتادت أن تفعل مع زوجها, مهما اشتد عصف شهوته بأحشائها العقيمة خلال ليال متباعدة يأباه فيها مزاج زوجته الثانية, أم الولد المدللة.
دفعته برفق, دارت عنه عينيها داكنتي السواد, خابيتي اللمعان, أسندت ذقنها المدببة إلى صدرها, ودلفت الغرفة بسرعة. أمضى لحظات ممزقة عند ذلك الباب المغلق, لا يسمع لها صوتاً من خلفه, ولا يرى ضوءاً يتسرب من تحت عقبه, مر من أمام غرفة المرأة العجوز, صوت شخيرها العالي بعث فيه الطمأنينة إلى عدم مباغتتهما بتمتمات الاستغفار وأدعية طويلة لا يدري سبيلها لعدم نسيان شيء منها, والمسبحة الطويلة البيضاء تتأرجح بين يديها في حنقٍ، قد يقطع خيطها الرفيع فتترامى حباتها فوق عريهما كندف الثلج, يكتم صرخاتها ولعنات أهل الجنة للمنبوذين من رحمة الله، كما لو كان متيقناً من لحاقها به. توصد الباب خلفها بحرص, ترتمي على الفراش, بصمتٍ يلهب غرائزة, أو على الأرض المتربة الباردة, يلف تدحرجهما فوضى الأوراق والوصولات الخاصة بمعاملات أولئك الأغنياء الذين يتولى تعقيب معاملاتهم ودفع الرشى عنهم, مقابل ما يرمون إليه من فتات, بعد تركه وظيفته الحكومية البسيطة في تقاعد مبكر، أبيات شعره المنتثرة هنا وهناك, بعثرة خواطره, كآبة قصائده غير المكتملة, ودواوين شعر مطبوعة منذ زمن في بواطن مخيلته الجموح, بكل رسوم أغلفتها ذات الدلالات المميزة.
يتهاوى في باطن ظلمة كثيفة, تفصل بين فضية شعاع النور المنبعث من الرواق والضياء الباهت المتسلل إلى طرفٍ من الغرفة على استحياء، عبر ذلك الشباك الذي كان يقف عند زجاجه المضبب في الصباح, يرقب رحيلها وزوجها في السيارة التي يعتليها النعش المبتل بزخات المطر المتسارعة, لم يدر ظهره خلال تقهقره البطيء نحو السرير, طالعه اسمه, بأحرفٍ بالكاد تقرأ, أسفل قصيدته المنشورة في زاوية من الصفحة قبل الأخيرة لجريدة الأمس المرمية إلى جانبه, مثل صديق أخرس يحاول مواساته بين صمت الجدران الموجع, يحمل هلع صرخاتها التي دوت في أرجاء الدار, ممزقة أوصال أحلامه بانسياقها إلى مخدع عزلته, هرع نحو غرفتهما, يتخبط بين صناديق البضائع المرصوفة على جانبي الرواق, وحبات العرق تهتز فوق جبينه الحار, وجدها جاثيةً على الأرض, تلطم بحرقةٍ صدرها المكتنز, إلى جانب السرير الذي يرقد عليه عمها, سندها الوحيد أمام قسوة زوجها ودسائس ضرتها الماكرة, وآثار من دمعٍ تحوط عينيه المبحلقتين في جمود لا نهائي نحو السقف, يمد ذراعه الأيسر نحو طاولة قريبة, أصابع يده المتخشبة تلامس الماء المندلق على سطحها الخشبي من قدحٍ لم تتمكن يده من حمله. لم يقوَ على التقدم خطوة نحو الجسد المسجى, فقط صوَب شدوه نظراته نحو ابيضاض شفتيه المتيبستين, يتوسطهما رأس لسانه المدبب كخيطٍ من رماد, بروز عظام وجهه المتهدل نحو عنقه المتهاوي إلى الأسفل, شعيرات لحيته النابتة بغير انتظام, سبابة يده اليمنى المتقوِسة, إلى جانبها تتفرق أصابعه الأخرى على الفراش في استسلامٍ يائس، زلزل الأرض تحت قدمي الشاعر المغمور.
……………………………………….

*أحمد غانم عبد الجليل
كاتب عراقي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق