ثقافة السرد

نقـر الغـرابيب

الأزهر اسـماعيلي*

لا يزال شعوره بالغضب والإهانة يصعد كأمواج البحر الهائج بين فترة وأخرى، رغم مرور يوم كامل.. يحاول التخفيف من وطأته.. حاول ذلك طيلة اليوم: ذهب إلى المقهى.. بقي وحده وقتا طويلا في الركن المعتاد.. انشغل بالمقارنة بين حياة الأحلام المعروضة في مشاهـد مختلفة بألوانها الصافية الآسـرة، وبمظاهر ترفها الطاغي على قناة (Eurosport)، ومشاهد الموت التي يراها مبعثرة في أنحاء المقهى: – السيجارة التي لا تفارق شفتي صاحب المقهى، والذي أحدث تهدّم قواطعه العليا فجوة قبيحة في فمه شوّهت كامل وجهه.  – الأغاني التي لا يتوقف زعيقها المزعج طول النهار متداخلة مع صوت التلفاز في تنافر قبيح تأقلم معه الجميع.- المتقاعد الذي لم يغير موضع جلوسه من أول يوم جاء فيه إلى المقهى مع دخول التلفاز.. مهووس بكرة القدم.. وحتى إن كان ما يُبث شيئا غير المقابلات فهو يشاهد، لكن سرعان ما يغلبه النعاس فيسقط رأسه على أحد كتفيه، كما فعل اليوم.. لقد أصبح الكرسي قبره.- المعلم الذي دخل لتوه.. كان يعرف عادته: يقصد صاحب المقهى.. يتحادثان قليلا.. يتضاحكان..

يعرف أيضا موضوع الحديث: إنه أحد رواد المقهى.. لم يسلم أحد من مرصادهما.. يأخذ من صاحب المقهى الجريدة – لم يره يوما يحمل جريدته هو- يتجه إلى مكانه المعتاد وفي يده قهوته.. يجلس.. يقرأ الجريدة من أول حرف إلى آخر حرف.. يخرج القلم ويشرع في حلّ الكلمات السهمية… لم يجد في كل ذلك ما يسرّي عنه، ويخفف من وطأة شعوره الثقيل.. كان يشيح بفكره عنه كلما وقف أمامه وحاول نخزه.. دخل أصدقاؤه.. شعر بنسمة فرحة ضعيفة تلامس قلبه.. بذل جهدا ليدخل بكل كيانه في الحديث لينسى.. كان يجر أصدقاءه جرا ليخرجهم من المواضيع الجـادة الثقيلة، إلى كل ما يمكنه إخراجه من سيطرة شعوره الثقيل.. كان ذلك ضربة ريح من ضوء منارة، غرق بعدها في العتمة مرة أخرى. عاد إلى البيت لعله يجد فيه ما عز في المقهى، مع يقينه بأنه لن يجده هناك.. ألفى والده في مكانه الذي لم يفارقه منذ قرون، إلى جانبه علبة سجائره وقهوتـه، كأنهما ولدا معه.. كان دخان السجائر برائحته الحادة يحوّل الغرفة الضيقة إلى سجن خانق، ويخدّر كل من فيها..” يا ربي!.. من أين لي بالصبر على هذه الحياة؟!.. متى وكيف أستطيع تحرير نفسي وتحريرهم من هذا السجن العفن قبل أن يقضي علينا جميعا؟!” كان لحظتها يفكر في كومة العظام التي يخرج منها كل ذلك الدخان.. في أخته المصدورة ذات الاثني عشر خريفا.. في.. ابنه.. ابنه الوحيد الذي سيتم بعد أسبوع سنته الثانية.. أحس بهوان فظيع.. أخذ يتضاءل.. يتضاءل، حتى لم يعد يرى نفسه.. سأله والده عن أخيه الذي لم يعد إلى البيت منذ خرج في الصباح الباكر، حتى ذلك الوقت، وقد قطع قرص الشمس البعيد ثلثي المسافة في طريقه إلى مخبئه خلف الجبال. أجاب بلا مبالاة:” لست أدري.. أنا عائد لتوي من العمل.. ثم إنك تعرف بأنه حين يخرج كأن الأرض تبتلعه.”.. أخوه – الذي يليه في الترتيب مباشرة- كاللغز.. كالقنبلة الموقوتة التي يمكن أن يفجرها اجتماع الشباب والطموح والفقر والبطالة في وجه آخر ما يبقي لهم مكانا بين الناس: كرامتهم وكبرياؤهم.. وأتم أخوه لوحة المأساة بأقسى الألوان، ووقعتها حدة نظرات والديه المتسائلة المتهمة.. هرب منها بالسؤال عن الماء، قالت أمه: ” في المطبخ ” كأنها قالت:     ” اغرب عن وجهي “.. ذهب إلى المطبخ الذي يتحول ليلا بعد تغيير الديكور إلى غـرفة نوم، يتكوم فيها كل إخوته وأخواته كبيرهم وصغيرهم.. تناول الإناء وغمسه في الدلو.. انتظر قليلا حتى استaقرت ذرات الصدأ والتراب في قعره، ثم شرب.. شرب كثيرا.. وتذكر بأنه لم يصلّ العصر.. توجه إلى الله بكل كيانه.. صلّى بكل ما استطاع من خشوع.. ودعا الله في سجوده. بسط همه كله بين يدي ربه.. استجار به.. دعاه بذلة وخضوع.. ألحّ في الدعاء.. دعا بصدق.. بإخلاص.. تبللت عيناه بالدموع.. رفع يديه إلى السماء بعد السلام.. وأطال الدعاء.. كانت كلماته تخرج من عينيه ماء طاهرا نقيا يجد ملوحته بين شفتيه.. غطى وجهه بكلتا يديه لحظات وهو متكور على نفسه في موضع صلاته.. نهض وهو يمسح دموعه.. عاد إلى المطبخ.. نضح على وجهه ماء، ثم تنشف، وخرج وهو يحس براحة وأمل.. نعم.. أمل!.. دسّ يده في جيبه ” يا إلهي!.. حتى النصف الأول من الشهر لم يكتمل” لم يجد غير ألف ومائتي دينار.. أعادها إلى جيبه وانطلق.

ولا يزال شعوره بالغضب والإهانة يصعد كأمواج البحر الهائج.. ولا يزال يحاول التخفيف من وطأته.. يقول لنفسه:” لا أستطيع حتى لو أردت.. من أين لي بهذا المبلغ الضخم: مائة ألف دينار؟!.. لو كان بين يدي لبنيت به غرفتين في الطابق الأعلى من بيتنا نستقل فيهما، بدل أن أعطيه رشوة لأحد الجهلة المتسلقين الطماعين الشرهين من أعضاء لجنة توزيع السكنات أو المجلس البلدي، دون أن أضمن حصولي على سكن.. كثيرون قبلي ضيعوا المال والسكن.. لا.. لن أفعل.. ثم.. حتى لو كان ذلك ممكنا.. فلن أفعل.. سأساهم بذلك إذا فيما كان سببا في حرماني من حقي الطبيعي منذ عشر سنوات.. أبدا.. لا أستطيع.. كيف سأربي أبنائي؟!.. ماذا سأقول لهم حين يكبرون ويعرفون؟.. هل سأقول لهم ببساطة وبرود: نعم.. هذا البيت الذي كبرتم فيه حصلت عليه برشوة؟!..لا.. لن أفعل.. ثم هي تعرف ذلك جيدا.. فلماذا الإصرار؟!.. حتى احتجاجها بأن هذا حق، وأن الجميع – دون استثناء- يفعلونه، غير مقبول.. هذا منطق يأكل رأسه ذنبه!.. قلت لها هذا مرارا.. لكنها امرأة.. لا يمكن أن تقتنع بهذا المنطق!.. لست غبيا.. حتى ولو قال الجميع ذلك.. ولو قاله والدها الإمام المتعلم العاقل!.. أعرف بأنني أخرجتها من اليسر إلى الضيق.. لكنها كانت تعرف ذلك جيدا قبل زواجنا.. ثم إنه ليس من حقها أبدا أن تمنعني عن الإنفاق على أبوي وإخوتي.. ليس سوء أحوالنا، ولا وجود أخي حجة لذلك.. لو أتركهم فسيموتون جوعا.. يكفيهم ما هم فيه.. لا.. ليس هذا من الإنسانية مطلقا…”. كان دائما يتمنى أن يشتري من هذا المحل بعض الفواكه التي ينتقيها صاحبه بعناية فائقة، ويعرضها بإتقان..

– ” بكم الموز؟” – مائة وعشرون دينارا” يجيب صاحب المحل.- والتفاح؟ – مائة وستون!. – الكرز؟ – مائة وثمانون!..” يتشجع قائلا:” الأمر يستحق التضحية “..” أعطني من فضلك كيلوغراما من الموز وآخر من الكرز!”.. ” لو يعرف والدي ما أفعله الآن فسيسلبني صفة الرجولة!” يقول ذلك بابتسامة مرة بينه وبين نفسه.

يرتفع موج الغضب الرافض ويزبد، وهو يقترب من البيت.. ” لا.. لا أستطيع أن أتحمّل الإهانات المتراكمة.. لقد فعلتْ ذلك ثلاث مرات متتابعة في ظرف يومين.. يجب أن تعرف بأنني أستطيع تحمّل كل شيء منها ولأجلها بحب وفرح، ما دامت تشعرني باحترامها لي، برجولتي، بأن الأمر بيدي أنا.. لا عن تسلط.. تعرفني من أبعد الناس عن التسلط.. بل كحق طبيعي فطري.. يجب أن تفهم غيرتي.. إنها تقدير لها.. تجعلها جوهرة محظية.. ليست قيدا.. كيف تخرج من البيت دون علمي ودون معرفتي وجهتها؟!.. أعرف بأنها لا تخرج إلا لمصلحة ضرورية.. لكن ذلك لا يمنع عن إخباري على الأقل.. إنها تهينني.. لن أقبل ذلك.. لا أستطيع.. لكن.. لا.. لن نصل إلى ذلك.. أعرف بأنها تحبني.. هي لا تتحمّل طول غياب وجهي عن عينها”… ويرنّ جرس الباب.. تتسارع دقات قلبه.. لكنه يحافظ على مظهره الهادئ.. تفتح أختها.. يتبادلان التحية.. يسبقها بعد أن يسلمها الكيس الذي في يده.. يجد حماته أمام باب غرفة الجلوس.. يسلّم عليها.. يشعر ببرود في صوتها.. يدخل الغرفة.. يجلس.. تتسارع دقات قلبه أكثر.. يقف ابنه أمامه مبتسما له.. يبتسم.. تملأ الفرحة قلبه.. يفتح له ذراعيه.. يضم سربا من طيور الجنة.. باقة من ورود زاهية الألوان.. يحلق في فضاء واسع مفتوح.. يركض في مروج خضراء.. يصعد تلة.. زرقة خفيفة لامتناهية ممتدة في كل الجهات.. لا موج ولا زبد.. يتسع صدره.. يتسع.. يصبح بحجم الكون كله.. يدفن فيه الشمس.. يشعر بالدفء يغمره.. يقبّل الشمس تحت أذنها قبلة طويلة حارة، ثم يداعب شحمتها بشفتيه كما تعوّد أن يفعل دائما.. تدخل.. يسقط في الغرفة.. تحييه.. يرنو إليها بنظرة يجاهد ليجعلها حيادية… لكنها تغلبه فتنعكس صورتها في بؤبؤي عينيه.. تنظر إليه.. تجاهد أكثر منه لتجعل نظرتها حيادية.. لكن صورته تنعكس في بؤبؤي عينيها.. تجلس.. تنظر إلى الأرض.. تراه أمامها.. ينظر في الفراغ.. يراها أمامه.. يلتفت إلى ابنه.. ضحكاته.. تغريده.. يزيد جماله ويحلو.. يتسارع خفق جناحيه وهو يحلق كلما كان أبواه معه.. كأنه يحس بأن الحلقة قد اكتملت.. يشعر بالزهو والفخر والأمان.. هذه هي دنياه كلها.. هذه هي جنته.. ولا يتعب رأسه الصغير الخالي من الأشواك ليسأل: لماذا لا يضحكان مع بعضهما كما يفعلان معي؟.. كلاهما يتمنى أن يستمر هذا المشهد إلى الأبد، مع قتل الدافع إلى ذلك السؤال.. لكنها تقول في نفسها: ليس اليوم.. يلتفت إليها في ثبات: ” هل تعودين إلى البيت؟”. ترد بثبات ووجهها تكسوه مسحة اشمئزاز يكرهه فيها كثيرا حين تكون غاضبة.ز يشعره بأنه غريب عنها غربة مطلقة.. بأنه محتقر.. ثقيل.. بأنه عبد فُرض زوجا على أميرة: ” لا ” !.. ويحبس شيء بقية الكلمات فلا تخرج.. تنسف الكلمة ذات الحرفين اليسيريْ النطق بناءً جميلا بذل جهدا كبيرا لبنائه.. يقف.. يحمل الشمس.. تحرق صدره.. يدفعها  لأمها.. تحتج رافضة.. تشدها الأم برفق.. يتخلص منها ويهرول نحو باب الخروج، وبكاء الابن يمزّق طبلتي أذنيه، والدموع تتلألأ في عينيه.. خارج البيت.. يتنفس بعمق ليردم نبع الدموع الذي يكاد ينفجر منهما.. يسير صوب الغروب، وغربان قاتمة السواد تنقر رأسه بفكرة واحدة.. وتبتلعه زحمة الشارع وفوضاه…

*أديب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق