ثقافة النثر والقصيد

الـشـِّعـْر

ابراهيم مالك*

الـشـَّعـْرُ هـُوَ مـا لا شـَكـْل لـَهُ
فـَهـْوَ لـُغـةٌ زاخـِرةٌ بالألوان
مـُتـَعـَدِّدَةُ الـلـُحـونِ والإيـقـاع
شـَديـدَةُ الـْقـَلـَقِ ” كـَأنَّ الـرّيـحَ تـحـتـي ” !

وَهـْوَ مـُغـامـَرَة
كـَأكـْثـَرَ مـا يـَكـونُ الـتـَّجـْريـبُ
والـتـَّجـَدُدُ بـَحـْثـًا عـن شـِعـابٍ
لـَمـّا تـُراوِدْهـا عـَن نـَفـْسـِهـا عـُيـون
الـشـِّعـْرُ يـا صـاحـِبـي لـُغـَةُ حوارٍ
” أسطرةٍ “، بوحُ عَقْلِ حالِمينَ ونَبْضِهِ ،
مَنْ باتوا يـَخوضونَ غـِمارَ صـَحـْراءِ حـَياة
بـَحـْثـًا عـَن قـَطـَراتِ نـَدىً وظـِلالِ نـَخـيل .

الـشـِّعـْرُ لـَوْحـَةٌ مـوحـِيـَةٌ بـِعـُنـْفٍ ولـيـن
هـِي وَلـيـدُ زَمـَنٍ رَحـَل
آخـَرَ سـَيـأتـي
وَمـا كـانَ بـَيـْنـَهـُمـا مـِنَ انـْدِفـاعـَةِ حـَيـاة .

الـشـِّعـْرُ يـَهـُزُّنا مـِنَ الأعـْمـاقِ
حـينَ نـُحـْسـِنُ الإصـْغـاءَ إلـى بـَوْحِ هـَمـْسـِهِ
يـَصـْدِمـُنـا ويـَتـْرُكـُنا لـِرَجـْفَةِ الـصـَيـْحـَة :
الـله كـَم وَدَدْتُ لـَو رَسـَمـْتـُهُ .

والـشـّاِعـِرُ هـُوَ مـَنْ يـُحـْسـِنُ الـنـَّفاذَ بـِعـَيـْنـَيـْه وَالـْبـَصـيـرة
إلى أشـْيـاءَ عـالـَمـِهِ الـصـَّغـيـرَة
الـْمـُبـَعـْزَقـَة عـِنـْدَ كـُلِّ مُنـْحـَنىً
يـَلـْتـَقـِطـُها بـِحـِسـِّهِ الـْمـُشـْتـَعـِلِ فـَيـُحـيكَ مـِنـْهـا أنـْطـَق لـَوْحـة .

الـشـِّعـْرُ موسـيـقـاهُ نـَبـْضُ دَمـي
أسـْمـَعـُهـا فـي هـمـْسِ الـرّيـحِ وَهـْيَ تـَهـُبُّ
فـي ” نـَغـْنـَغـةِ “ِ طـِفـْلٍ حـيـنَ يـروحُ فـي غـَفـْوَة
وَزَقـْزَقـةِ عـَصافـيـرَ تـَمـْلأ فـَضـاءَ حاكورَتي .

أصـْغـيـْتُ لـوَشـْوَشـةِ النسـائـِمَ
وَهـْيَ تُلامـِسُ بـَتـَلاتِ الـْبـَرقـوقِ الـْمَعـْشوقَة
صـدَمـَتـْنـي بـِسـِحـْرِ وَقـْعـِهـا سيـمْفـونِيـَّةُ الْحـَيـاة
فـَعـَلـَّمـَتـْنـي كـَيـْفَ ” أدَوْزِنُ ” أوْتارَ عودي !

الـشـِّعـرُ نـَسـيـجُ إنـسـانـِيـَّتـي
وَهـْوَ نَشـيـدُ حـَيـاة
بـِه وَفـيـهِ أعـيـش
وَمـِنـهُ أسـْتـَمـِدُّ شـُعـْلـَةَ عـيشـي .

ولأنـَّه نـَشـيـدُ حـَيـاةٍ فـَهـْو يـَتـَجـَدَّدُ مـَعـَها وبها
كـُلـَّما نـبـَضَ قـَلـْب
انـْشـَحـَنتْ عـاطـِفـَة
وانـْبـَثـَقَ حـُلْمٌ وَفـرَّخَ عـُصـْفـور .

الشـِّعـْرُ تـَجـْربـَةُ حـَيـاة
فـَهـْيَ دائـِمـَةُ الـتـَّجـَدُّدِ والـتـَّوالـُد
ضـِفـافُهـا بـِلا حُدودٍ وَهـْيَ خـُروجٌ
عـَلـى الـْمـُكـَرَّرِ العادِيِّ والـْمألـوف .

الـشـِّعـْرُ مـُذ كانَ
وأبـْصـَرَ ما أصاب شـَدْوَ طـائـِرِ الـْقـَفـَص
أوْجـَدَ لـِقـيـثارَتِه فـَضـاءَ شـَدْوٍ لا يُحـَدُّ
واسـْتـَعـارَ لـِريـشـَتـِهِ ألـْوانَ قـَوْسِ قـُزَح .

الـشـِّعـْرُ حـالـَةٌ لـَيـْسـَتْ عـاديـَّة
فـالـشـّاعـِرُ مـِثـْلَ رَسـّامٍ ، هُوَ الذات الأخـْرى
يـَغـْفو ساهـِرًا عـِنـْدَ أقـْدامِ جـَبـَلٍ أجـْرَدَ شاهـِقٍ
فـَيـُبـْصـِر وَراءَهُ عـَوالـِمَ أخـْرى يـُلـَوِّنـُها بـِريـشـَتـِهِ .

وهـْوَ مـِثـْلَ مـوسـيـقـِيٍّ اسـْتـَعـارَ كـَمانَهُ
مـِن عـود رُمـّانٍ تـُداعـِبـُهُ أنـامـِلُ عـاشـِقـَة
لـِيـَروحَ يـَغـْفو طـَويلًا على كـَتـِفـَى مـَعـْشوقـَتـِهِ
وَيـَبـوحَ لـَهـا بـنـَشـيدِ حـُبـِّهـِما .

والـشـّاعـرُ هـُوَ مـَنْ يـَتـْرُكـُنـا لـِصـَدْمـَةِ دَهـْشـَةِ
اكـْتـِشاف الانـْكـِشاف ، فـَنـَراهُ فـي عـُرْيـِهِ
وَقـَد راحَ يـرقـُصُ طَرَبـًا فـي طـُرُقاتِ قـَرْيـَتـِنـا
احـْتـِفـاءً بـِمـَوْلـِدِ حـالـَة فـَرَح .

الـشـِّعـْرُ وَلـيـدُ رَمـْزٍ
كـَثـيـفِ الإيـحـاءِ وَشـَديدِ الـشـَّفـافـِيـَة
كـأشـَد مـا تـَكونُ صـِلـَةُ الـرَّحـْمِ
بـِواقـِعِ مـُتـَخـَيـَّلٍ وَوَمـْضـَةِ عـَقـْل !

فـَفاطـِمـَتي هـِيَ رَمـْزٌ لأكـْثـَرَ مـِنْ رُمـوز
وَهـْي أمـّي انـْغـَرَزْتُ عـَميقًا فـي رَحـمـِها
لـِتـَحـْبـَلَ بـي ، فـَتـَلـِدَني هـُناكَ
عـِنـْدَ ضـِفـافِ ” بـَحـْرَةٍ “ٍ وَحـَيـثُ حـَبـَوْتُ ذات زمـَن

هـِيَ طـائـِري ” لـَخـْضـَرِ الـْجـَمـيل “
تـَرَبـَّصَ بـِه صـَيـَادٌ يـَعـْشـَقُ الـدَّمَ لا الـْلـُحون
يـُحـيـطُ جـَسـَدَهُ بـِلفائـِفَ خـُرافـَةٍ موهمَة
قـَتـَلـَهُ قـَبـْلَ الـْفـَجـْرِ وَ صـُدْفـَةً يـَوْمـَها لـَمْ أمـُتْ .

هـِيَ أنا فـي آخـِر كـُلِّ شـَطـْحـَةِ تـَأمـُّلٍ
وَهـْيَ معـْشوقـَتي الـْحـَيـِيـَّةُ الـصـَّغـيرة
” سـَمـَخي ” ذات الـْجـَدائل الـسـُّمـْر
الـْمـَنـْعـوفـَة بـَيـْنَ رَمـْلٍ ومـاء .

*ابراهيم مالك ـ كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق