ثقافة المقال

كيف تؤلف كتابا؟

منجية إبراهيم*

قال الكاتب الكبير عباس محمود العقاد: (ليس هناك كتاب أقرأه و لا أستفيد منه شيئا جديدا، فحتى الكِتاب التافه أستفيد من قراءته أني تعلمت شيئا جديدا هو ما هي التفاهة؟ وكيف يكتب الكُتّاب التافهون وفيما يفكرون..) وفي ذات السياق قال الدكتور سليمان إبراهيم العسكري في إحدى مقالاته المميزة التي تحمل قراءة نقدية لرواية كتبها الإسرائيلي “عاموس كينان” عنوانها “الطريق إلى عين حارود”: ( هناك نوع من القراءة نخاصمه، فنفوت على أنفسنا فرصة لامتلاك وسيلة من أفعل وسائل إدارة الصراعات). لذلك لم أكن أفوت على نفسي قراءة أي كتاب يقع بين يدي أو أسمع عنه ولكن، عندما بلغني أن الرئيس الأمريكي أوباما أصدر كتابا جديدا عنوانه “خطابٌ إلى ابنتي” يحمل بين طياته عديدا من التوجيهات والوصايا لابنتيه وللجيل الأمريكي القادم.. لم أكن متلهفة كثيرا لقراءته على غير عادتي، فأنا يمكنني أن أخمن معكم فحوى هذا الكتاب وما تحمله هذه الرسائل دون أن أدفع فلسا واحدا… لا بد أن فكرة الكتاب الأولى هي: كيف يصنع المرء من أمريكا بعبعا عالميا اسمه “أُمِّنا الغولة”..ثم يشرح لهم بالكلمة والصورة في إحدى الفصول، كيف يحشر الأمريكيون مناخرهم الطويلة في شؤون غيرهم حتى وإن كانت مصابة بكل أنواع أنفلونزا حديقة الحيوانات، وبعد ذلك يوضح لهم كيف يصنعون من الآخرين دمى وأراجيز يسهل تحريكها كما يشاءون..وكيف تطبطب أمريكا على إسرائيل فتعدّ لها كوبا دافئا من الحليب يساعدها على نوم هادئ بعد كل مجزرة تقوم بها..
وإذا كان أحد منكم لم يقرأ بعد كتاب الأب الروحي للصهيونية تيودور هرتزل لبني جلدته، المعنون بـ “دولة اليهود” يمكنني أن ألخصه لكم في بضع أفكار سريعة: أولها كيف يروّج الصهيوني لمسلسل تلفزيوني سَمِج عنوانه “العداء للسامية”، ثم يطبع منه ملايير النسخ ويوزعها على العالم أجمع دون أن ينسى بأن يهدي مع كل نسخة علبة من المناديل الرقيقة والناعمة.. والفكرة الثانية هي إنتاج فيلم دراميّ بعنوان (ضربني وبكى..سبقني وشكى) والفكرة الأخرى هي كيف يدخل الصهيوني إلى المنطقة العربية برجله اليسرى..
لا يبدو أمر تأليف الكتب صعبا إذا كنت حاكما عربيا، يجب فقط أن تضع في اعتبارك قبل أن تعتلي الكرسي أنه لابد أن” تركب الموجة”، لا تقلق بشأن استخدام ألواح الركمجة، المهم أن تتوفر على مهارات حمل قلم ومجموعة من الأوراق فأن تؤلف كتابا وأنت حاكم عربي لا تحتاج إلى دراسة أبجديات التأليف.
لنبدأ بالعنوان فهو مرحلة هامة جدا وفاصلة، يجب أن يكون خلابا وجذّابا، يمكن مثلا أن يكون العنوان: “كتاب الطّخّْ” (لا، ليس كتاب الطبخ، لم تسقط الباء سهوا مني)..أو يمكن أن يكون: “الكتاب البرتقالي”…حسناً دعنا نختار هذا الأخير لأنه يبدو سهل الهضم على المعدة نظرا لاحتوائه على فيتامين “سي”.
ستشرح فيه لابنك كيف يمكن أن تجبر الشيخوخة على أن تداهمك وأنت لازلت على نفس الكرسي حتى وإن نسجت العناكب شباكها عليكما، وتخبره عن سر الطبخة الرئيسية: كيف تجثم على قلوب الآخرين بأعصاب باردة وأنت تتناول الفودكا و رقائق البرينجلز، وتعلمه كيف يدوس بحذائه المصمم من طرف “جورج أرماني” على حقوق الإنسان ثم يمسح حذائه بمنديل ويمضي، وعلّمه كيف بنفخة واحدة يرسل المئات إلى المحرقة وهو بكل هدوء يمضغ علكاً أمريكيا، وأوصي ابنك بأن يصطحب أصبع السبابة إلى قاعة كمال الأجسام لتدريبه ثم يجلس خلف الشاشات وهو يرتدي بدلة من أزياء فرزاستشي ويضع عطرا باريسيا ثم يلوح للآخرين بأصبعه ذي العضلات المفتولة..وقبل أن يركلك الكرسي الذي أنهَكْتَهُ بالجلوس عليه، لا تنسى أن تكتب في خاتمة الكتاب العبارة الدلالية الشهيرة للحكام العرب: “أنا فهمتكم..أيوه فهمتكم”!

*كاتبة جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق