ثقافة السرد

عن الليل والبحر ـ ـ ـ ـ والبر

إهداء

إلى المثقفة المبدعة والناشطة الرائعة الأستاذة هيام تركي

محمد سعيد سيف*

1
قات أبيض ، رقيق ، رشيق ، أنيق ـ ـ ( جبن ) ، لبن ، بن ، فل ، عسل . . شعر وخمر . . الياسمين . . سكر ، شاي . . النعناع و الماء و الضوء والنار . . غاز طبيعي مسال ، أكسجين مذاب ، نيتروجين ، غاز الأوزون ، ثاني أكسيد الكربون . . ملح الطعام ، ملح الطعام باليود . . مطر ، تراب ، زرع ، نباتات ، حشائش ، زهور ، أشجار ، ورود . . لا لتلويث البيئه . . لا يوجد غبار .
2
لا يوجد قات لونه أبيض . . يوجد شعب أحمد . . يوجد أحمد ومحمود ومحمد . .
تعال يا ولد . خذ . . إنقل بيتنا إلى الطاولة في الباب . . إنقل الباب إلى بحث إلى ( باحث ) محموم عن الحقيقه أيضا و ليس فقط عن الماء و الكلأ والدخان. . إدخل في قراءه للصحراء و البحر و البر ( أو ما تبقى من الصحراء و البحر و البر ، بالأحرى ) .
3
لهاث ، حب ، ضحك ، بكاء ، غناء . . صحيفه ، مجله مصوره . . موسوعة الفنون الجميله . . أنت حر ، إفعل بي ما تشاء ، لكن . . في طريقك إلى البحر ، خذني إلى أول يوم من عمرنا الذي مضى و آخر يوم من عمرنا غدا .
أنت و التعب و أنا تؤمان رابعنا العرق و خامسنا الظمأ ، ( و ما الظمأ ؟ )
لنا لسان و رأس و عينان . . التعب و الحزن و الجوع و الغضب و أشياء أخرى من قبيل الموسيقى و الكتب و المجلات و الصحف و الصور و الرسائل و الأحلام . . القلوب ، القبلات ، الدموع ، المناديل ، الآهات . . آآآآ آه . . ( إن غدا لآت ) .
4
من يطرق بابنا في الثانيه عشره ليلا ؟ . . البحر . . كان البحر صغيرا مدللا يشبهنا عندما كنا صغارا ، قبل أن نكبر و نشيخ ( كما نحن عليه الآن ) . . (قديما ) كان البحر يغمرنا موضوعا قي جيوبنا ، خجولا ، منتشيا ، ليس خائفا و ليس مخيفا لكنه مهضوما ( مثلما نحن الآن ) .
لون القات أخضر مرتفع السعر ، أو الأسعار ، جدا . . يقول أبي : خذني إلى بيتنا في المنحدر يا ولدي . ضعني على قفاي في الفراش و قبلني ثم اقتلني إذا أردت ، و لكن قل لي ، تعال ، خذ ، أجبني . . أين أنت الآن و ماذا تفعل ؟
5
أنا في الخيام ، في الحواري ، الأزقه ، الشوارع ، في القرى و المدن و الوديان و الجبال و البحار ، تركني أهلي هنا في الصمت و الظلام ، أمام هذا الباب الحديدي المصمت ، الثقيل ، المغلق ، أل ( تركه باهضه تستفز الأعصاب ) .
قال الأهل إن وراء هذا الباب الأخرس يوجد الخير و العدل اللذان أبحث عنهما منذ نعومة أظافري . .
من يفتح بابا جدارا كهذا ، و كيف؟ ماذا أفعل ؟ ماذا ، يا أبي ، أفعل ؟
قالت أمي تودعني و هي تبكي :
إبق هنا يا ولدي ، إنتبه ، إهتم بنفسك جيدا ، سنعود إليك خلال أيام .
و قبل أن تتركني أمي و تمضي ، شملتني ، من خلال الدموع ، بنظره حرى ، دافئه ، حنونه ، حزينه و قالت :
لا تبتعد عن هذا المكان يا ولدي ، مهما كان .
و إذا أنا ابتعدت ، يا أمي ؟
تسائلت مطأطئا لها رأسي فراحت أمي تربت على كتفي و كأنها تقول :
أنت من سيفتح لنا هذا الباب بصبرك و صمودك . . . . و إلا . . . .
لم تكمل أمي فتسائلت بشئ من الخوف :
ماذا يا أمي ؟
سيظل هذا الباب موصدا في وجوهنا لزمن طويل سيأتي .
وما العمل يا أمي ؟
أنت أدرى . . مع السلامه يا بني . .
و قبلتني .
6
جاءت سعاد لتعيش معي ، لكي تكون إلى جانبي ، كما قالت ، في هذا الظرف الصعب العصيب من حياتنا جميعا . . طلبت منها أن تتركني و شأني فورا و أن تذهب معهم . . ترددت سعاد قليلا ثم صافحتني و انفجرت تبكي .
7
قل لي يا أبي . . . . أولا ، هل تسمعني ؟
نعم يا بني ، أسمعك .
تسمعني بوضوح ؟
نعم يا ولد . ما هي أخبارك ؟
قل لي ، إذن ، يا أبي . . . .
نعم ؟
إن جدارا حديديا أخرسا مصمتا كهذا الباب اللعين الذي لا يريد أن ينفتح أو يتزحزح عن مكانه ، الذي لم يستطع زحزحته أحد ، و لو كان ” هرقل ” أو ” شمشون الجبار ” ، . . أ أستطيع أنا فعل ذلك يا أبي ؟ !
نعم يا ولد ، تستطيع ، و لماذا لا تستطيع ؟ ! لديك العقل و الذكاء و العلم و العمل . . . الممارسه و التجربه و الخبره بهذه الأمور ، أليس كذلك يا ولد ؟ أرنا إذن كيف يتغلب الإنسان على الصعاب و العراقيل و الظروف التي تعترض تطوره .
و لكن يا أبي . . . .
لم يترك لي أبي فرصه أكبر لكي أتأوه أكثر و أشكو له همي و تعاستي و بؤسي ، فقد قاطعني و قال آمرا بإصرار :
__ إسمع يا ولد ، أريد أن نرى ذلك الليله .
8
أنا مهموم ، محموم ، أهذي . . . . لا . . . . أنا لا أهذي يا أبتي . أنا لم أعد أهذي منذ اندلعت النار في صدري و حولتني إلى بركان ، إلى غليان . . أنا كائن يغلي .
9
غرفتي في منزل والدي . . وقت المقيل . . صديقي ” المولعي ” ، صديقي الذي في باب الغرفه ، الذي في النافذه ، الذي في الزاويه . . يجلس متكئا قبالتي ، ما يكاد يجلس حتى يخرج من بطنه ، بطريقه بهلوانيه ، كيس نايلون منتفخ بأوراق القات يفتحه في لهفه و يبدأ . . . .
ترى ماذا يحدث لصديقي المولعي في لحظات كهذه ، إذ يتألق كالنجم و كأنه على شاشة الساحره الجباره السينما و في التلفون الجوال و في الراديو العالمي و التلفزيون الفضائي و الصحف اليوميه و الفيسبوك و الواتساب و في قلب المستديره و كأنه البطل الحقيقي و ليس الوهمي أو الخيالي . . لحظه . . لدهشتي الشديده ، بعد عشرين دقيقه ، تقريبا ، يختفي من أمام صديقي المولعي ، فجأه ، كيس القات الأول ، الخالي من العيدان ، و أرى في مكانه حزمه كبيره من القات الطويل ” المطوال ” ملفوفه بنوع آخر من النايلون ، إياه !
10
ألو ، نعم . . أنا هنا يا سعاد ، مولع بالنساء كعادتي ، كما ترين ، النساء الصغيرات الجميلات أمثالك يا حبيبتي . . هلو . . من ؟ ماذا ؟ ماذا ستفعلين بي ؟ ! ههه ، ستشربين من دمي ؟ ! أوكي ، أنا موافق يا سعاد ، متى ؟ . . عندما نلتقي !
11
ألو ، نعم . . هذا أنا يا سعاد . . ماذا أفعل هنا ؟ سأذهب إلى الإذاعه بعد قليل و أطلب منهم أن يرسلوا إليك ، عبر الأثير ، إسمي و صورتي و عنواني و مكان و تاريخ ميلادي . . لماذا ؟ ! أنا أكره أمريكا يا حبيبتي ، أمريكا الوحش ، أمريكا الغول الرأسمالي ، تعرفين ذلك جيدا يا سعاد ، كما تعرفين ، كما أعرف أنا تماما ، ذلك العالم الذي يخصنا ، ذلك العالم الجميل الذي ننتمي إليه ، أنت و أنا ، و تنتمي إلينا ، أنت و أنا ، أشياءه و كائناته . . مثل ماذا ؟ تماما يا سعاد . . تماما . . بالضبط . . برافو يا سعاد ، أنت أجمل من ستكتب شعرا حديثا ، شعرا حرا ، قصيدة نثر ، أنت أجمل قصيده في الكون . . ماذا قلت يا سعاد ؟ ستأتين في الغد . . أنا في انتظارك هنا ، أمام الحديد ، في البرد و الجليد !
12
أمام صديقي المولعي في زاويته صنف ثالث من القات في لفافة نايلون زرقاء هذه المره . . البحر ، السماء ، النجوم . . الليل يمضي . . عجبي ! أمام صديقي المولعي يعود منديل النايلون الأول إلى الظهور ، و لكن بنصف كمية القات التي كانت فيه ، تقريبا . . القات الطويل يختفي . . القات الثالث يختفي . . القات الأول يختفي ثانيه و يبدأ قات رابع في الظهور ، قات صغير الورقه جدا ما أن يبدو حتى يختفي ، و هلم جرا ، هكذا دواليك !
13
هلو يا سعاد . . ما إسم البنت التي في التلفزيون ؟ ماذا تفعل هي ؟ ماذا تقول لك ؟ تقرأ الأخبار ؟ ماذا تقول الأخبار ؟ أراها مبتسمه دائما ! رائع يا سعاد ! رائعه جدا هذه البنت قارئة الأخبار بإبتسامتها الجميله الغامضه هذه ، لكأنها ( الجيوكندا ) ، ( الموناليزا ) رائعة ( ليوناردو دافنشي ) الخالده بإبتسامتها الساحره !
14
ألو يا سعاد ، هلو . . إسمعيني جيدا يا حبيبتي . . ذهبت إلى التلفزيون ، الميديا العالمي الفضائي الحضاري و طلبت منهم ، من أجلك طبعا و من أجلي ومن أجلنا جميعا في هذا العالم في هذا العالم الجميل ، عالمنا ، العالم الفقير ، من أجل سواد عيونك أنت بالذات يا سعاد و ليس من أجل أمريكا أو علشان خاطر الأمريكان الأثرياء ، طلبت من التلفزيون الميدياء الفضائي الكوني ، أن يجروا معك لقاءا ساخنا على الهواء . . لماذا ؟ ما هي المناسبه ؟ لحضاريتك ، لرومانسيتك و واقعيتك ، لشجاعتك الأدبيه ، لمواهبك الإنسانيه المتعدده . . أنت تشبهينني كثيرا يا سعاد ، لكن . . إلى متى سنظل نلعب الإستغمايه كما كنا نفعل و نحن صغار ؟ . . لا . . يجب أن نفتح عيوننا على سعتها منذ الآن . . نستيقظ في الصباح الباكر لنذهب إلى الجنه أو النار ، سيان بالنسبه إلينا مادمنا قادرين على السير معا ، جنبا إلى جنب ، يدا بيد ، طوال النهار إلى أن يدركنا الليل ، الظلام و العطش و الجوع و التعب فنلوذ ببعض ، يلوذ أحدنا بالآخر ، إلى أن تشرق الشمس علينا في العراء فتوقظنا و تطعمنا و تسقينا ثم تضمنا إليها في حنان بالغ و تقول لنا : ( إلى العمل ) .
15
رأيت في الأحلام شعلة شاهقة الضؤ تنير طريقنا . رأيت الطائرات و السيارات و السفن و القوارب و الزوارق و الدراجات الهوائيه و الناريه ، قد صارت كلها فضائيه ، رأيت المركبات و المراكب البرجومائيه . . في خضم كل تلك الأحلام و معها ، كنا نستيقظ باكرا كل صباح لنواصل سيرنا خارج الأقواس و الفواصل ، نقرأ ، نكتب ، نرسم ، ندخل في زلازل و مشادات و تجاذبات و معتركات إلى نتعب فنجلس أو نقرفص و نأخذ في الدوران و نظل ندور و ندور إلى أن نتعب و تتعب معنا متاعبنا ، عند ذاك نلمح في الأفق أشياءنا ، أشياءنا الصغيره الشبيهه بنا ، كظلالنا ، تلمحنا في اللحظه ذاتها فنناديها و تنادينا فيكون اللقاء ، العناق ، ساخنا عبر الأثير و على الهواء .
ماذا يا سعاد ؟
ماذا تقول لنا الأشياء ؟
16
قال صديقي المولعي من بين شدقيه المنتفخين بالقات أن الجو حار ثم تراجع و قال :
الجو بارد جدا هذه الأيام .
وافقته في الحالتين بهزه من رأسي . . قال :
الطماطس إرتفع سعرها ثلاثه أضعاف ما كان عليه بالأمس .
وافقته أيضا . . ساد الصمت و بعد دقيقه عاد صديقي المولعي يقول :
__ القات نار هذه الأيام ، صح الكلام ؟
قلت له نعم و فوجئت بقاته يتحول  إلى أوراق صغيره جدا جدا ثم متناهيه في الصغر ثم تلاشت تماما و رأيته يدخل يده في كيس النايلون الأخضر ثم يخرجها فارغه فيدخلها و يخرجها ثانية و ثالثه و بين كل دخول و خروج يتضائل شدقه فيحشوه بالبرتقان الأصفر.. 

ما أخبار العالم ؟
تسائل مقطبا جبينه .
أية عالم ؟
تسائلت بدوري متظاهرا بعدم الإهتمام بسؤاله
العالم العالم .
قال صديقي المولعي مع إشاره من يديه على هيئة كره . إبتسمت رغما عني و عن ما بي من هم و غم و تعب و ألم . قال صديقي المولعي مصوبا إلي عينين تقدحان بالشرر :
متفائل أنت ، ها ؟
ضحكت ، قهقهت ، كركرت و صفعت رأسي عدة مرات . . ثم . . إذا بي أقطب فجأه ، في حين لم يغير صديقي المولعي موقفه مني . قال أنني هزلي و لست جادا في مواقفي و تصرفاتي و آرائي . . ثم . . إذا به ينهض واقفا و ينحني ليتقيأ في كيس دعايه ضخم عليه صور لأبطال كرة قدم دوليين كل ما كان قد مضغه و ابتلعه من قات . سار إلى الباب بخطوتين كبيرتين و اختفى بداخله خارجا و هو يدمدم لاعنا إسرائيل و أمريكا و الدولار
تصبح على خير .
قلت له بصوت حاولت رفعه قدر الإمكان . في هذه اللحظه بدت سعاد في الباب و على وجهها الجميل إبتسامه عريضه تملأ المكان .
صباح الخير يا سعاد .
صباح الخير .
نهضت و رحبت بها بحراره . إبتسمت سعاد أكثر و قالت :
إنصهر الحديد ذاب الجليد .

القاص محمد سعيد سيف/ اليمن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق