حوارات المجلة

الأديب الفلسطيني أنور الخطيب للمجلة الثقافية الجزائرية: بيئة الأدب غير صحية في الوطن العربي لأنها قائمة أولا وأخيرا على المعارف والشللية والمحاباة وتبادل المصالح

شاعر وروائي ومثقف جميل، يعترف ان اللغة الشاعرية تحمي النص الأدبي من زحمة الملل، ومن الرتابة.. من قرأ لأنور الخطيب لا بد أنه تعاطى مع تلك الحميمية المدهشة النابعة من نصه الأدبي، والتي تربطك حينا بالقلب، وفي أحيان أخرى بالأرض، وبالإنسان بكل ما تعنيه الكلمة من هموم ومن غربة، ومن شجن.. في هذا الحوار، سعينا إلى الاقتراب من فضاءات هذا الأديب الجميل، وقد تحدث عن الكتابة بين الرواية والقصيدة، مثلما تحدث عن الثورة البناءة وحتمية المثقف فيها ضمن ما يتاح له.. نترككم مع الحوار كاملا:

 

المجلة الثقافية الجزائرية: لو طلبت منك أن تتكلم عن أنور الخطيب، ماذا ستقول لنا عنه؟

أ.أنور الخطيب: أنور الخطيب إنسان بسيط جدا، نشأ في مخيم فلسطيني في لبنان، وحفر في الصخر كي يتعلم ويشتري الكتب ويقرأ، يعاني كثيرا وهو يكتب، ويكتب كي يحدث توازنا بينه وبين الواقع، لا كي يحقق شهرة، ولا كي يغير العالم، وينشر كتبه وأشعاره كي يشعر بإنسانيته، أصدر حتى الآن 11 رواية و3 دواوين شعرية والرابع تحت الطبع، و3 مجموعات قصصية، ودراستين في النقد والتوثيق الثقافي، نشر كتبه في أكثر من عاصمة عربية، لأنه لا ينتمي لمؤسسة رسمية، ولا يستطيع التنقل بحرية في كثير من الدول، ومن بينها غالبية الدول العربية، وهذا يعوق مشاركاته في كثير من المحافل والمهرجانات.. أنور الخطيب يعاني من غربة مزدوجة، غربة الوطن وغربة النفس المبدعة..

المجلة الثقافية الجزائرية: أنت شاعر وروائي.. دعني أسألك عن العلاقة التي تراها متكاملة بين الشعر والرواية؟

بدأت حياتي الأدبية في كتابة الشعر، ثم انتقلت للقصة القصيرة ثم الرواية، وكان الشعر هو اللغة المشتركة ولا يزال، أكتبه نثرا في الرواية، ويكتبني شعرا في النصوص الشعرية، ولا أتخيل رواية دافئة دون تطعيمها باللغة الشعرية، ولا أرى نصا شعريا غير مطعم بأجواء حكائية، فنحن وفق تكويننا، مخلوقات حكائية شاعرية، والمشهد الفلسطيني الذي كرست له كتبات كثيرة قصصية وروائية وشعرية، هو مشهد الحياة، ولا يمكن أن يخلو من الحكاية والوجدان، من السرد والخيال، وفي بعض رواياتي، مثل روايتي الأخير (سماء أولى ..جهة سابعة) غلبتني اللغة الشعرية دون أن تجرح السياق السردي أو بناء الشخصيات وهيكل الرواية، المهم هو معرفة حدود الشعر وما يحمل، وحدود السرد وما ينقل..

المجلة الثقافية الجزائرية: هل هذا الذي ساهم في رأيك بانتقال العديد من الشعراء إلى الرواية في الفترة الماضية؟

ربما يجدون في الرواية سماء تتسع لرؤاهم، وربما لأن الناشرين يترددون في نشر الدواوين الشعرية، وربما لأن الإعلام أعطى أولوية للكاتب الروائي على الشاعر، لكن المسألة عندي تختلف، فأنا لا أنساق إلى قوانين دور النشر وقناعاتهم، التي لا أدري من أين استقوها، فلا أدري مثلا كيف أصبحت الرواية ديوان العرب، ولكنني أعلم تماما أن دور النشر العربية لا تقوم بدورها المنوط بها، فمعظم هذه الدور وسطاء طباعة لا أكثر، ولا يكترثون للتوزيع، ليس بسبب قلة القراء، ولكن بسبب انعدام المحاولة في التعامل مع الكتاب كسلعة يجب ترويجها وتوزيعها لتصل إلى أكبر عدد من المستهلكين

المجلة الثقافية الجزائرية: سأسألك عن ماهية الشعر في زمن الفيسبوك؟

إن كنت أوافقك بوجود زمن يسمى زمن الفيسبوك، فماهية الشعر لا تختلف كثيرا عن الأزمان الأخرى، سوى باختلاف الوسيلة، وأنا أفضّل تسمية هذا الزمن بزمن الإنترنت، والفيسبوك جزء منه، والشعر هو الشعر في كل زمان ومكان، وكما قال الشاعر الراحل محمود درويش: اقرأ لي وسأقول لك إن كان ما أسمعه شعرا أم لا.. ولكن ما يميز هذه الوسيلة هو حرية النشر والتواصل مع القراء، صحيح أن هناك حجما هائلا من الكتابات، وعددا ضخما من المجاملين، إلا أن المطلوب هو خلق الاحتكاك المباشر بين المبدع والمتلقي، والزمن كفيل بفرز الأصلح، وأنا شخصيا، فتح لي الإنترنت والمواقع التفاعلية، آفاقا واسعة للنشر والاطلاع على إبداعات كثيرين، وأفاجأ يوميا بجماليات ما يكتبه الأصدقاء على الفيسبوك، وأنا محظوظ بمجموعة من الأصدقاء يمتلكون ذائقة عالية، وثقافة واسعة تمكنهم من قول رأيهم بما يقرؤون، وأتلقى ملاحظات أحيانا من خلال رسائل خاصة، واشجع هذه الملاحظات، فكلنا تلاميذ في مدرسة الإبداع.

المجلة الثقافية الجزائرية: لعلي قصدت أن الفيسبوك صنع ثورة حقيقية، بينما القصيدة والكتابة الأدبية صنعتها على الورق.. كيف تقرأ هذه الإشكالية؟

لا يوجد إشكالية على الإطلاق، من حيث أن الفيسبوك لم يخلق ثورة حقيقية كما يشاع، والكتابة الأدبية لم تصنع ثورة على الورق، نحن ما زلنا بعيدين عن مفهوم الثورة، بمعنى أنه لا يوجد لدينا ثورات في الإبداع إلا حين ترتفع نسبة المبيعات من الكتاب الأدبي إلى عشرات الآلاف، ولا توجد ثورة حقيقية حتى الآن على أرض الواقع، لأن واقع ما بعد الثورات لا يزال ملتبسا، نحن إذا أردت في مرحلة مخاض، ولا ندري شكل المولود القادم، ولاسيّما أن صفات النطفة غير واضحة المعالم.

المجلة الثقافية الجزائرية: لكن الذين صنعوا الثورات الراهنة أغلبهم أناس عاديون بالمعنى المجازي، طلبة وأغلبهم في الثانوية وفي الجامعة، في الوقت الذي بقي فيه المثقف منتظرا الوقت المناسب أحيانا لدخول سياق الثورة بعد يوم أو أسبوع أو شهر ! وفي بعض الدول لم يدخلها تماما… ما رأيك؟

المثقف ليس إنسانا انفعاليا، ولا يجب أن يكون كذلك، شانه شأن الإبداع، فأنت كي تكتب رواية عن حدث ما، يجب أن تكون مرحلة هذا الحدث ناضجة، وطبعا الأجمل أن يتنبأ المبدع بشكل المرحلة، وهذا ما حدث في كثير من الروايات أو حتى القصائد، إضافة إلى ذلك، فإن المثقف يؤمن بأن لا مرحلة ثابتة أبد الدهر، والتغيير سمة الحياة، ولهذا فإنه أو المبدع، لا يستطيع أن يجزم بحقيقة ما يراه إلا بعد اكتمال المشهد، وهذا لا يعني انتهازية ما، لأن المبدع الحقيقي إنسان حر، والتزامه بمدرسة فكرية معينة أو بأفكار حزب معين تقيده وتقيد إبداعه، ورأينا كيف أن مبدعين كثيرين انشقوا عن أحزابهم.

المجلة الثقافية الجزائرية: دعني أعود إليك.. من يقرأ لأنور الخطيب الروائي، يكتشف أن اللغة الشعرية تطغى على نصه، إلى أي حد ترى أهمية وجود الشاعر داخل النص الروائي الذي يكتبه؟

وجود الشاعر داخل النص الروائي مثل ضرورة وجود العاطفة في الإنسان، بدون اللغة الشعرية تتحول الرواية إلى جسد معتل، ومهما كان بناء الشخصيات وصفاتهم قاسيا، لا يمكن استبعاد تلك اللمسة الإنسانية، واللحظات الحميمية، والفكر التأملي. ثم أنني أحتاج إلى هذه اللغة حاجتي أن أكون داخل النص، ويجب أن أكون داخل نصوصي، أنا كاتب منحاز تماما، ويجب أن تظهر روحي في ما أكتب، ولغة المبدع هي روحه، شعرية كانت أو ساخرة أو عبثية.

المجلة الثقافية الجزائرية: يبدو الوطن أهم قيمة إنسانية بالنسبة لأبطالك في الرواية، بحيث أننا نشعر أنهم يتعاطون الحياة لأجل وطن يبدو بعيدا وقريبا في ذات الوقت.. هل تشعر أن الوطن اليوم ما يزال مرتبطا بجغرافيته القطرية، أم أنه اتسع ليمتد أبعد من ذلك؟

لأن أبطالي بلا وطن، مثلي أنا، فمن لا يعيش داخل وطنه يفتقد الكثير من أحاسيس المواطن، أن تكون مواطنا يعني أن تكون في وطنك، ووطنك قد يصغر ليصبح قريتك، كما في الحالة الفلسطينية، يتحدثون عن حق العودة إلى فلسطين، ويعنون العودة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، وأنا لا تعنيني هذه العودة، إريد أن أعود إلى قريتي في شمال فلسطين، تلك القرية التي رسمتها لي ذاكرة والدي، ولست في مرحلة إنسانية تسمح لي أن أعتبر العالم كله وطني، لأنه ليس كذلك، أو أن الوطن العربي كله وطني، لأنه ليس كذلك، رغم أنني على المستوى الشخصي، أحلم أن يستقل المواطن العربي في المغرب قطارا يأخذه دون توقف إلى الخليج العربي، وأتمنى كفلسطيني أن أتحرك في هذا الوطن دون نظرات ريبة من أحد، الوطن مرضي يا صديقي، وتزيده المنافي تأزما.

المجلة الثقافية الجزائرية: وما الذي تختزنه ذاكرة أنور الخطيب عن الوطن، اليوم، على مرأى من كل هذه السنوات خارجه؟

أنا ولدت خارج وطني فلسطين، ولا تستغرب حين اقول لك بأنني لا أعرف كيف يشعر المواطن داخل وطنه، هذا إحساس يربكني إلى درجة تدخلني في دائرة التساؤل حول ماهية الانتماء، بالتأكيد أنتمي إلى فلسطينيتي، وهذه الهوية زرعها بي والدي، رحمه الله، الذي أفرغ ذاكرته في ذاكرتي، وكذلك أمي، رحمها الله، من خلال حكاياها التي كنت أستدرجها إليها، ومن خلال جدتي التي كنت أسهر معها حت الصباح دون ملل، ودون ملل كانت تحكي حتى الصباح، وترفق أحاديثها بالغناء الشعبي، الوطن داخلي وأنا خارجه، لكن أريد أن أبوع لك بشيء، لقد سألت أصدقاء كثيرين مواطنين في أوطانهم: كيف يشعرون بأنهم مواطنون؟ لم يزودني أحد بإجابة شافية، والسبب بكل بساطة، أنه يمارس مواطنيته دون أن يدري..

المجلة الثقافية الجزائرية: ألهذا تبدو مليئا بخيبات الأمل إزاء واقع يبدو غير منصف في مجموعتك الشعرية الثالثة “مري كالغريبة بي”؟

وهل هناك خيبة أمل أكبر من أن أكون غريبا، وأشعر بطوابير نمل هذه الغربة ينهشني كل يوم؟ وهل هناك خيبة أمل أن لا أمشي على أرض ثابتة، والسؤال الملح الذي يطرح نفسه في كل لحظة، ما هي المحطة التالية؟ حياة الغريب مجموعة من خيبات الأمل، عاطفية وسياسية واقتصادية، والقلق سيد المواقف كلها، وقد تجسد هذا الموضوع أكثر في مجموعتي الشعرية الأخيرة “مري كالغريبة بي”، إلى درجة أنني ناجيت الله، وأنا أعيش واقعا ليس فقط غير منصف، ولكنه واقع ظالم على صعيد علاقتي بالوطن، يكفي أنني لا استطيع كتابة قصيدة عاطفية إلا ويطل ألم الغربة منها..

المجلة الثقافية الجزائرية: ما نكاد نتلمسه حجم الحزن المخبأ في نصك الأدبي، حتى وأنت تحكي عن الأمل دائما بين السطور.. هل تشعر أن الحياة خذلتك؟

الحياة أعطتني الكثير قياسا إلى أبناء وطني الغرباء، لكن معاناة المبدع تختلف عن معاناة الإنسان العادي، لأن متطلباته تفوق متطلبان الإنسان العادي، فالحزن نتيجة حتمية للغربة، والغربة نتيجة حتمية للإحساس بالحزن الوجودي، أنا أفكر كإنسان وليس كمواطن، والأسئلة التي أتعاطاها لا تقودني إلا إلى الحزن، الحياة خذلتني كوني غريبا، وخذلتني كوني لا أعيش حياة مستقرة عاطفيا، والمرأة التي لا تتمكن من إدراك تكويني تتساقط فورا، أليست هذه نصف الخيبات يا صديقي!

المجلة الثقافية الجزائرية: دعني أسألك الآن كيف يقرأ الأديب أنور الخطيب زملاءه الأدباء في الوطن العربي؟

لا أدعي أنني اقرأ لكل الأدباء في الوطن العربي، لكنني على تواصل مع كثيرين من خلال إبداعاتهم أو من خلال وسائل التواصل المتعارف عليها، لكنني دعني اقول لك، أن بيئة الأدب غير صحية في الوطن العربي لأنها قائمة أولا وأخيرا على المعارف والشللية والمحاباة وتبادل المصالح، وهذا نراه في نوعية حضور المهرجانات والكتابات النقدية ومنح الجوائز..

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف ترى وضع الرواية العربية الراهنة؟

هذا سؤال ضخم يا عزيزي ويستحق دراسة مطولة، لكنني اشعر أن الرواية العربية على الرغم من ازدهارها الظاهري، إلا أنها لا تزال تفتقد إلى شيء جوهري، ربما يتعلق بالجهد المبذول من حيث البحث والتوثيق وذكر المعلومة المعمقة، وهنا يحتاج الكاتب الروائي أن يقرأ في موضوعه، وقد عرف غابريل غارثيا ماركيز الرواية بأنها تحقيق صحفي مطول، وقد قمت بجهد بحثي كبير في روايتي “فتنة كارنيليان”..وهذه صفة الرواية العالمية..

المجلة الثقافية الجزائرية: وما مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟

سأكون صادقا معك، أنا اطلعت على أدب الرواد أمثال الطاهر وطار وعبدالحميد بن هدوقة وكاتب ياسين، واطلعت على بعض كتابات أحلام مستغانمي، ولكنني لم أتواصل كثيرا مع الكتابات التالية، ولكنني أتابع ومن خلال الفيسبوك، نتاجات الشباب الجزائريين، وهم يكتبون بجمالية متميزة.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأ الآن؟

أعيد قراءة رواية عالم صوفي، لأننا في حاجة لقراءة الفلسفة، وأقرأ كثيرا في السياسة والاقتصاد والمجتمع بحكم عملي في الترجمة والإعلام.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تكتب؟

انتهيت من رواية جديدة بعنوان “سناء أولى ..جهة سابعة” وهي مطبوعة الآن في دار فضاءات للنشر في العاصمة الأردنية، وأتعاطى كتابة الشعر بشكل يومي تقريبا..

المجلة الثقافية الجزائرية: كلمة لقراء مجلتنا الثقافية؟

كلمة شكر كبيرة أوجهها لك شخصيا، وإلى اسرة مجلتكم الموقرة، فهي جسر للتواصل الجميل بين طرفي الوطن العربي، وقد لاحظت أنها غير منحازة لتوجه أدبي معين، أو توجه فكري محدد، وإنما تقدم الثقافة بكل أنماطها وأنواعها..فشكرا لكم

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق