ثقافة المقال

حاجتنا للمعاجم العربية العربية

نازك ضمرة*

في كل لغات العالم نجد معاجم لتوضيح ما صعب من مفردات اللغة على ناطقيها ومتحدثيها، وبنفس اللغة، مثل معجم (المنجد) أو  القاموس المحيط في اللغة العربية مثلاً، فاختياري لموضوع المعاجم  هذا اليوم هو بسبب نقص معرفة الكثيرين بالنقاط التالية

أولاً أن كل فرد سيحتاج إلى معجم يبين له معنى مفردة  ما في يوم  ما

وثانيا: عدم  إمكانية وصول المحتاج إلى معجم في الوقت المناسب

وثالثاً: قلة استعمال الناس للمعجم وعدم تعودهم على ذلك في أعمالهم ومكاتبهم ومنازلهم.

 

لم تعد الأمية مقصورة  على عدم  القراءة والكتابة في هذا الزمن، بل هناك  أمية وجهل في فهم مفردات علمية وصحية واجتماعية وثقافية وأدبية ونقدية على سبيل المثال لا الحصر، فكثيرون لا يعرفون عن جسم الإنسان ووظائف اعضائه فهو أمي في علم  الصحة، وآخر لا يعرف عن جهاز الكمبيوتر ولا يعرف كيف يستعمله ومدى الحاجة له، فهي امي في علم  الكمبيوتر والألكترونيات، وثالث لا يعرف عن الفلك والأجرام السماوية وسفن الفضاء والأمطار والرياح والعواصف فهو أمي في علم الفلك، فمن لا يعرف معنى مفردة الشيزوفرينيا مثلاً سيشعر بالحرج إن مرت هذه المفردة ضمن حلقة دراسية أو في جلسة  حوار أو نقاش أو قرأها أثناء قصة أو رواية أو مقال، ففي حياتنا اليومية سنجد الكثير من المفردات نسمعها أو نقرؤها أو نحتاج لها ولا نعرف معناها ولا كيف نفسرها أو نستعملها، وليس أمامنا من منقذ إلا معجم نرجع له لتوضيح ما غم علينا، وغالباً لانجد معجما عربيا يوضح المفردة لنا باللغة  العربية، وتنتهي الجلسة وتضيع المفردة في زحمة  الحياة،  وينسى السائل الكلمة  التي سمعها، أو انشغل بمتابعة أمور حياته  اليومية ولا لوم عليه.

لقد عمل أدباء وعلماء ومختصون في علوم اللغة والعلوم الأخرى طوال حياتهم وما زالوا يعملون،  فأنتجوا معاجم عامة أي لكل العلوم، ومعاجم  خاصة لفروع علمية صحية او  اجتماعية  أو اقتصادية  او عسكرية،  لكن أين تلك المعاجم؟

نعرف أن كل بيت وكل مكتب في الشعوب غير العربية يقتنون معجماً عاماً واحداً على الأقل، لكن  الإنسان العربي في جميع مجتمعاتنا  بلا استثناء لا يفكر بهذه الخطوة،  لا بل وحتى لو بحثت في بيوت معظم الأدباء والكتاب عن  معجم في منازلهم فلا تجده، ولهذه النتيجة أسباب ثلاثة  رئيسية، وهناك أسباب جانبية  أخرى كثيرة، وأهم هذه  الأسباب الثلاثة هي

أولها الناحية  المادية وغلاء أسعر المعاجم، مما يسبب عدم قدرة الفرد على اقتنائها

وثانيا: عدم انتشار المعاجم وعدم  توزيعها جيداً وعدم  التحدث في الإعلام عن ضرورتها، وأن الطبيب والمعلم  والمهندس والأديب والإنسان العادي ذكراً كان أو أنثى، صغيراً أو كبيراً في السن بحاجة لمعجم ولو بشكل مبسط ودون  تخصص.

وثالثاً: عدم وجود طبعات رخيصة للمعاجم وكذلك  معاجم مصغرة للجيب مثلاً لتوضيح المفردات الأكثر استخداماً في حياتنا اليومية، سواء من ناحية عامة أو في تخصص ما، مع التنبيه إلى أن من لم يجد ضالته في ذاك المعجم، فهناك معجم أشمل وأوسع منه أو  معجم أضخم حجماً للفرع العلمي المدروس.

أن مجامع اللغة العربية في كل الأقطار عملت الكثير كما نعتقد، ولكننا لا نلمس أثر تلك الأعمال، ولا إطراء لها أو تظهر آثارها وفوائدها أمام الناس العاديين وربما حتى المثقفين، وفي رأينا هناك أفراد من المختصين بعلوم اللغة العربية وتنويعاتها ومفرداتها وتراكيبها يعملون على إضافة المزيد من المفردات الحديثة، وحسب نوع الصناعات والتخصصات التي تتطور يومياً، لتضيف إلى اللغة الكثير من المفردات الجديدة، نتيجة الاختراعات والتطور الحاصل كل عام، لكن أين سيل هذه المفردات؟ وكيف لنا أن نستخرج معانيها ونعرف مجالات استخداماتها؟ فإن وجدت معاجم توضح تلك المفردات الصعبة أو  قليلة الاستعمال أو  المستجدة والدخيلة  على اللغة فهي في بيوت ومكاتب أقل من 1% من الناس، وهل يكفي معجم  واحد لكل 100 فرد، أومعجم لكل 100 أسرة؟ أو معجم لكل 100 شركة أو  دائرة حكومية أو مؤسسة؟

لهذا اطرح هذه التساؤلات والحيرة  أمام مجامع اللغة العربية وأمام وزارات التربية  والتعليم ووزارة  الثقافة وأمام  دور النشر الكبرى، وأمام  علماء اللغة، والأدباء والمثقفين والتجار، ومن عندهم  الغيرة  على تراثنا ولغتنا وأساس تفاهمنا.

نريد معاجم  رخيصة مختصرة بين أيدي  الغالبية العظمى من الناس، نريد أن يصبح المعجم  ضرورة لكل منزل كما هي حال المعاجم في البلاد التي تتحدث اللغة  الإنجليزية  والفرنسية  والألمانية  واليابانية والصينية، وبحاجة  إلى أن نردف هذه المعاجم  المختصرة بمعاجم أوسع وربما متخصصة حسب العلوم  المختلفة، قد يكون  بعضها متوفراً في مواقع لا نعرفها، لكن الطلب والألحاح هو على وجود تلك المعاجم  في متناول غالبية  الناس من العامة.

وبالتالي نطالب بتوضيح الأسباب عن ظاهرة تقاعس الإنسان العربي وقصوره في اقتناء معجم اللغة العربية كغيرنا من شعوب العالم،  وهل نلوم الغير والأجنبي، ونكتفي بالقول إنهم  يعملون  على تجهيلنا وتخلفنا؟ وما ذا عن  القارئ العربي؟ سواء كان مسلماً أومسيحياً أو يهودياً، كيف سيستخرج معنى مفردة صعبة عليه أثناء قراءة القرآن  غير المفسّرمثلاً؟ إن كاتب هذه السطور يرى أن يقتني كل بيت معجماً باللغة العربية كما يقتني نسخة من القرآن الكريم، بل أرى انه واجب ديني وقومي، ومن يعمل على تحقيق هذه  الفكرة فعمله سيبقى في اعتقادي صدقة  جارية.

وفي الختام لا أدعي أنني تناولت جميع ما يدخل تحت عنوان المعاجم العربية، بل هي إشارات واظهار لهمّ قديم متجدد ومتواصل، ووقصدت إثارة الموضوع للنقاش والحوار أمام المختصين والمعنيين.

*كاتب فلسطيني مقيم في أمريكا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق