قراءات ودراسات

التلقين عند المحدثين

د. عالية سليمان سعيد العطروز

التلقين عند المحدثين
من الحالات النفسية الهامة التي تستدعي الانتباه إليها حالة التلقين، والتي كان من أبرز الأسباب إلى ظهورها هو استعمال النقاد لها كوسيلة لاختبار ضبط الراوي، إلا أن تسمية الباحثة لها بأنها حالة نفسية؛ وذلك لتعدد الأسباب التي كانت تجعل الواحد من الرواة يقبل التلقين. وفيما يلي بيان ذلك:
تعريف التلقين لغة واصطلاحا :
يقال في اللغة: “لقنه الكلام أي ألقاه إليه ليعيده، والممثل على المسرح ذكره بصوت خفيض ما يقوله (محدثه)، ومنها تلقن الشيء والكلام: أي فهمه تمكن منه” .
وأما اصطلاحا: “التلقين بمعناه الأشهر هو أن يقرأ الراوي على بعض الشيوخ ما ليس من حديث ذلك الشيخ، مدعيا بقوله أو بتصرفه أنه من حديث الشيخ. محاولا إيهامه ذلك. أو يقال: هو أن يقرأ الراوي من كتاب عنده أو من حفظه -وهو متعمد في الغالب- على الشيخ حديثا ليس من حديثه على أنه من حديثه. والشيخ بعد ذلك إما أن يقره عليه أي يحدثه به أو ينكره، ويقول: ليس هو من حديثي. فأما إذا أقره فهو إنما يفعل ذلك إما بسبب نسيانه واشتباه الأمر عليه، أو كونه مغفلا، أو كونه قليل الفطنة، مفرطا في إحسان الظن، أو شديد الغفلة، أو كثير الوهم والتهاون، وعديم المبالاة والحرص، أو جامعا بين حسن الظن بالملقن وسوء الحفظ لمروياته، أو بسبب ميله للكذب ورغبته فيه، وعدم تحرجه منه ” . إذا فالتلقين هو عيب يسقط الثقة لمن يتصف به، وقد كانوا يفعلون ذلك بالمحدث تجربه لحفظه وصدقه، وربما لقنوه الخطأ”.
أنواع التلقين وصوره
النوع الأول: من خلال ما سبق ذكره تلاحظ الباحثة أن العلماء يركزون عند الحديث عن التلقين على نوع من أنواعه ألا وهو التلقين الشفهي، والذي أساسه اختبار حفظ الراوي، ومثاله: ما أخرجه الإمام الخطيب البغدادي بسنده إلى أبي داود في عطاء بن عجلان أنه ليس بشيء، قال أبو داود: قال أبو معاوية -محمد بن خازم الضرير-: “وضعوا له حديثا من حديثي، وقالوا له قل، حدثنا محمد بن خازم، فقال: حدثنا محمد بن خازم، فقلت له: يا عدو الله أنا محمد بن خازم ما حدثتك بشيء “.
وصورة هذا النوع من التلقين -كما وضحنا سابقا- أن يلقى الحديث على الراوي مع ادعاء أنه من مروياته عن أحد الشيوخ فيقر بذلك، أو أن يقال للراوي بعد عرض الحديث الذي ليس من مروياته، ويقال له هذا حدثك به فلان، فيقر بذلك.
النوع الثاني: وهو الإدخال في الكتب -كتاب الراوي المتهم بقبول التلقين- . قال أبو حاتم الرازي: “سألني يحيى بن معين عن ابن حميد من قبل أن يظهر منه ما ظهر، فقال: أي شيء تنقمون عليه؟ فقلت: يكون في كتابه شيء فيقول: ليس هو هكذا إنما هو كذا وكذا، فيأخذ القلم ويغيره على ما نقول، فقال بئس هذه الخصلة قدم علينا بغداد فأخذنا منه كتاب يعقوب العتمي، ففرقنا الأوراق بيننا ومعنا أحمد بن حنبل فسمعناه، ولم نر إلا خيرا “.
وصورة هذا النوع أن يدخل في كتاب الشيخ ما ليس منه، ويظهر هنا كيف أن محمد بن حميد كان يتلقن ويغير بكتابه بنفسه بناء على ما يلقن. ومن صور هذا النوع ما ذكره الإمام الخطيب البغدادي في كتابه نقلا أيضا عن أبي حاتم الرازي، حين قال: “دخلت الكوفة فحضرني أصحاب الحديث، وقد تعلقوا بوراق سفيان بن وكيع، فقالوا: أفسدت علينا شيخنا وابن شيخنا، قال: فبعثت إلى سفيان بن وكيع بتلك الأحاديث التي أدخلها عليه وراقه يرجع عنها فلم يرجع عنها فتركته”.
ولذلك يلاحظ أن العلماء شرطوا على صاحب الكتاب في الحديث حفظه لكتابه؛ لأنه المعتمد عليه إذا ساء حفظه، ولهذا أيضا شرط بعض العلماء -كما يذكر القاضي عياض- على المحدث أن يحفظ ما يكتب؛ ليكون قادرا على صون كتابه من أن يدخل فيه ما لا علاقة له به؛ ليسلم المحدث بنفسه من الدخول بالوعيد لمن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أسباب التلقين (تلقين الآخرين)
رغم اتحاد الباعث النفسي الذي أدى لتعدد الأسباب التي دفعت ببعض رواة الحديث إلى أن يلقنوا غيرهم الحديث النبوي، إلا أن الحكم عليه قد اختلف من حالة إلى أخرى، تبعا لما نتج عنه، وفيما يلي بيان ذلك:
السبب الأول: الرغبة في التأكد من حفظ الشيخ. قال ابن القطان الفاسي عند حديثه عن التلقين: “فهو عيب يسقط الثقة لمن يتصف به، وقد كانوا يفعلون ذلك بالمحدث تجربة لحفظه وصدقه، وربما لقنوه الخطأ” .
انتشرت هذه الظاهرة بين أهل الحديث وهي استخدام التلقين كوسيلة للتأكد من ضبط الراوي وحفظه، ورغم نبل الغاية إلا أن هذه المسألة لم تخل من الخلاف حول مدى مشروعيتها، ومن الأدلة على ذلك قول الخطيب في كتابه الجامع: “أنا أحمد بن أبي جعفر، أنا يوسف بن أحمد الصيدلاني، نا محمد بن عمرو العقيلي، نا محمد بن سعيد بن بلج، نا عبد الرحمن بن الحكم بن بشير بن سلمان، قال: سمعت بهزا وسأله حرمي عن أبان بن أبي عياش، فذكر عن شعبة، قال: كتبت حديث أنس عن الحسن، وحديث الحسن عن أنس، فدفعتها إليه فقرأها علي، فقال حرمي: بئس ما صنع، وهذا يحل”.
يظهر من خلال كلام حرمي عدم استحلاله واستيائه لمسألة استخدام القلب للحديث كوسيلة لاختبار الراوي. ولقد ذكر على لسان يحيى بن سيد القطان قوله:” لا استحله وكأنه لما يترتب عليه من تغليط من يمتحنه، واستمراره على روايته لظنه أنه صواب، وقد يسمعه من لا خبرة له فيرويه ظنا منه أنه صواب “.
وقيل حول هذا الموضوع أن التلقين القادح في الملقن هو أن يوقع الشيخ في الكذب، ولا يبين فإن كان إنما فعل ذلك امتحانا للشيخ، وبين ذلك في المجلس لن يضره، وأما الشيخ فإن قبل التلقين وكثر ذلك منه فإنه يسقط.
وللإمام الخطيب مقولة جليّة في هذا الموضوع تبحث في المشكلة، وتشخص لها الحل السليم، حيث قال:” وينبغى لمن أراد استثبات غيره في شيء عرض له الشك فيه أن لا يذكر العارض؛ خوفا من أن يكون خطأ فيلقنه المسؤول ولكن يقول له: كيف حدثت كذا كذا؟ ويذكر طرف الحديث حسب أخبرنا عبد الرحمن بن عبيد الله الحربي قال: انا حمزة بن محمد بن العباس قال: ثنا محمد بن الفضل القسطانى قال: ثنا شيبان الأبلي قال: ثنا أبو هلال عن قتادة قال: إذا أردت أن تغلط صاحبك فلقنه أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن بكير المقرى قال: أنا عثمان بن أحمد بن سمعان الرزاز قال: ثنا هيثم بن خلف الدوري قال: ثنا محمود بن غيلان قال: ثنا وهب بن جرير قال: كان شعبة يجيء إلى أبى وهو على حمار، فيقول: كيف سمعت الأعمش يحدث بحديث كذا وكذا؟ فيقول أبى: كذا وكذا، فيقول شعبة: هكذا والله سمعت الأعمش يحدث به، فيسأله عن أحاديث من أحاديث الأعمش، فإذا حدثه أبى يقول: هكذا سمعت الأعمش يحدث به، ثم يضرب حماره ويذهب أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي قال: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال: سمعت العباس بن محمد الدوري يقول: رأيت أحمد بن حنبل في مجلس روح بن عبادة سنة خمس ومئتين يسأل يحيى بن معين عن أشياء، يقول له: يا أبا زكريا كيف حديث كذا وكيف حديث كذا، يريد أحمد أن يستثبته في أحاديث قد سمعوها، فكلما قال يحيى كتبه أحمد قلت، وكان بعض السلف يبين ما ثبته فيه غيره ،فيقول حدثني فلان وثبتني فلان”.
ورغم كراهية العلماء لاستخدام أسلوب التلقين، إلا أن الأولى -والله تعالى أعلم- هو جواز استخدامه إذا دعت الحاجة لذلك؛ لما يترتب عليه من مصلحه، ولكن بشرط أن لا يتجاوز المحدث الحد باستخدام هذه الطريقة، فالضرورة تقدر بقدرها، وعليه أن يبين الصواب سواء أقبل الراوي التلقين أم لم يقبل .
فالسبب الأول إذاً هو رغبة النقاد باختبار حفظ الراوي والتأكد من ضبطه، وهذا السبب لا عيب فيه؛ لأن الناقد حينها لا يرجو تحقيق شيء شخصي يتعلق به أو بغيره، وإنما هدفه هو حماية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
السبب الثاني : الرغبة في إظهار زلات الشيخ، والتشفي به، وتخطئته. قال قتادة: “إذا أردت أن تغلط صاحبك فلقنه “.
ومما لا شك فيه أن استخدام التلقين لهذا الغرض شيء لا يجوز، لما فيه من هدف الاستهزاء والتقليل فقط من قدر الآخرين، دون أن تكون الغاية منه هي الحفاظ على حديث النبي عليه الصلاة والسلام. فالفارق بينه وبين ما سبق نية فاعله، ولذلك قيل: “وقد يفعل ذلك في الإسناد والمتن اختبارا من فاعله للحفظ من سامعه، وهذا الاختبار يفعله أهل الحديث كثيرا، وفي جوازه نظر لما يترتب عليه من تغليط السامع، ويشمله حديث النهي عن الأغلوطات، إلا أنه إذا أعلّه أهل الحديث لم يستقر حديثا، وقد يقصدون بذلك اختبار المحدث هل يقبل التلقين؟ وممن فعل ذلك يحيى بن معين مع أبي نعيم الفضل بن دكين بحضرة أحمد بن حنبل…” ، فنية الفاعل هنا إن دلت على شيء فإنما تدل على عدم سلامة ذلك الباعث النفسي الذي أثر بالراوي، مما جعله يقدم على تلقين أحدهم رغبة –فقط- بالسخرية منه، دون أن يرتبط ذلك بأي مصلحة .
ومن ذلك ما ذكره الرامهرمزي من طريق يحيى بن سعيد، قال: ” قدمت الكوفة وبها ابن عجلان، وبها من يطلب الحديث مليح بن وكيع، وحفص بن غياث، وعبد الله بن إدريس، ويوسف بن خالد التميمي، قلنا نأتي ابن عجلان نقلب على هذا الشيخ ننظر فهمه، قال فقلبوا، فجعلوا ما كان عن سعيد عن أبيه، وما كان عن أبيه عن سعيد، ثم جئنا إليه، لكن ابن إدريس تورع وجلس بالباب، وقال: لا أستحل وجلست معه، ودخل حفص ويوسف بن خالد ومليح، فسألوه فمر فيها، فلما كان عند آخر الكتاب انتبه الشيخ، فقال من القائل: أعد العرض، فعرض عليه، فقال: ما سألتموني عن أبي، فقد حدثني به سعيد، وما سألتموني عن سعيد فقد حدثني به أبي”.
السبب الثالث: الوضع في الحديث
من أهم الأسباب في ظهور التلقين للرواة وخاصة صورة الإدخال في الكتب هو رغبة البعض في دسّ الكثير من الروايات، إما في سبيل تأييد اتجاه سياسي أو فقهي، أو في سبيل مجاراة حدث عم حولهم. ولا شك في أن هذا السبب من أقبح الأسباب التي أدت إلى ظهور التلقين، وإن يدل على شيء فإنما يدل على نفسية غير مستقيمة لدى صاحبها، مهما كانت الدوافع وراء هذا الفعل، فلا يوجد مبرر مقبول يسوغ الكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن الأمثلة على ذلك ما ذكر عن أحمد بن الأزهر من أنه كان يروي حديثا باطلا في فضائل علي، نقلا إياه من طريق أحمد بن عبد الرزاق عن معمر، وقال الذهبي عنه: إن العلة: تكمن في أن معمرا كان له ابن أخت رافضي أدخل الحديث في كتابه.
السبب الرابع: الرغبة الشديدة في الرواية. قال الإمام سفيان الثوري: “فتنة الحديث أشد من فتنة الذهب والفضة”.
ولقد حمل الشره على الرواية الكثير من الرواة لإتباع أساليب غير محمودة، بل ومن شأنها أن تضعف رتبة أحدهم فيما يرويه، فنرى من بينهم من دلس –سيأتي بيان التدليس لاحقا- ونرى آخرين قد لقنوا شيوخهم الحديث، بل وبعضهم تلقوا هم أنفسهم رغبة منه في أن يعوض ما فاته من مسموعاته عن شيخه، أو أن يبدو هو نفسه متعدد الشيوخ كثير المرويات؛ ليضفي على نفسه رتبة أعلى من رتبته، رغم أنه في حقيقة الأمر إنما يضعف من قيمة رتبة بما فعل، ومما لا شك فيه أن مثل هذا الفعل إن دل على شيء فيدل على عدم سلامة نفس فاعله. ومن الأمثلة على ذلك: عن أبي عوانة قال: “لما مات الحسن، اشتهيت كلامه فسمعته من أصحاب الحسن، فأتيت أبان بن أبي عياش فقرأه علي عن الحسن، فما أستحل أن اروي منه شيئا” .
أسباب قبول التلقين
لا شك أن لقبول أحد الرواة للتلقين سببا يدفعه إلى ذلك، وفيما يلي بيان تلك الأسباب:
1) حدوث خلل في الضبط عند الراوي:
من أوائل الأسباب التي قد تدفع الراوي لقبول التلقين حدوث اختلال في ضبطه لحديث النبي عليه الصلاة والسلام، على اعتبار حدوث تفاوت في ضبطه من زمن لآخر، وهذا في الغالب ما ينصرف إلى وقوع الاختلاط، وكيف أن العلماء قد عدوا قبول الراوي للتلقين دليلا على اختلاطه. ومن الرواة الذين تلقنوا لما كبروا هشام بن عمار بن نصير، قال أبو حاتم الرازي: “صدوق كبير المحل إلا أنه كبر فصار يتلقن”.
وقد يكون الخلل في ضبط الراوي مرتبطا بانتقاله من مكان لآخر، ولا سيما إذا كان الراوي ممن يعتمد على كتابه ولا يحفظ، وعرض عارض لذلك الكتاب فضاع أو سرق منه في ترحاله أو نسيه في بلده ولم يصحبه معه، فمثل هذه الحوادث أدت لحدوث خلل في ضبط بعض الرواة، وهو مما ألحق بالكلام عن الاختلاط. ومن هؤلاء الرواة يزيد بن هارون، قال عنه صالح بن أحمد: “قال أبي: يزيد بن هارون من سمع منه بواسط هو أصح ممن سمع منه ببغداد؛ لأنه كان بواسط يلقن فيرجع إلى ما في الكتب”.
2) الغفلة والخطأ:
ومن أشهر من عرف بقبول التلقين بسبب الغفلة موسى بن دينار المكي، حيث لقنه حفص بن غياث، فقال له: حدثتك عائشة بنت طلحة عن عائشة بكذا وكذا، فقال: حدثتني عنها به، وقال له: حدثك القاسم بن محمد عن عائشة بمثله، فقال: حدثني عنها بمثله ” .
3) قلة حفظ الراوي ومذاكرته للحديث؛ نتيجة لانشغاله بغير علم الحديث النبوي:
إن علم الحديث النبوي كأي علم آخر يحتاج إلى مذاكرة مستمرة؛ ليبقى الراوي محافظا على ضبطه وحفظه، فإذا ما أهمل مراجعة حفظه سيبدأ الخلل بالتطرق لمحفوظه، لا سيما إذا شغله شاغل غير العلم؛ كالعمل بالقضاء مثلا، أو الانشغال بالعبادة وغيرها.
ومن الرواة الذين شغلتهم العبادة عن مذاكرة العلم مما جعله يخف ضبطه فيتلقن محمد بن معاوية النيسابوري، حيث قال فيه أبو زرعة الرازي: “كان شيخا صالحا، إلا أنه كلما لقن تلقن، وكلما قيل له هذا من حديثك، حدث به ” .
4)-عدم صيانة الشيخ لكتابه:
من شروط قبول رواية الراوي أن يكون ضابطا لمروياته ضبط حفظ أو كتاب، ومن شروط الاعتماد على الكتاب أن يكون الراوي حافظا لنسخة كتابه، يصونها من أن يدخل فيها، وأي تساهل من الراوي في نسخته قد يؤدي إلى أن يقع تحت تأثير التلقين، وهذا ما حدث لبعض الرواة الذين ابتلي أحدهم إما بابن سوء أو وراق سوء أو قريب أو صاحب ادخل في كتابه ما ليس منه. ومن الأمثلة على ذلك: الحسن بن دينار، نقل الإمام الذهبي عن ابن المبارك قوله :”أما الحسن بن دينار فكان يرى رأي القدرية، وكان يحمل كتبه إلى بيوت الناس ويخرجها من يده ثم يحدث منها، وكان لا يحفظ”.
من خلال ما سبق ذكره تخلص الباحثة إلى أن عامة الأسباب التي تؤدي بالراوي إلى قبول التلقين إنما مردها إما لإصابة عقلية، أو لتقصير الراوي نفسه في متابعة حفظه وصيانة كتابه، دون أدنى علاقة لأي منها بوضع نفسي معين .
• درجات المتلقنين، وحكم كل منها.
1- درجات المتلقنين:
لا بد من التنبه إلى أن الرواة الذين وصفوا بقبول التلقين ليسوا على درجة واحدة، وإنما هم على درجات تبعا لحال كل منهم، وهذه الدرجات قد أشار إليها ابن القطان، وفيما يلي ذكرها:
1. من يفْطن لما يرْمى بِهِ من التقين ويرده، يوثق.
ومن الأمثلة على ما سبق ما ذكره الخطيب في كتابه بقوله: ” قال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: أريد اختبر أبا نعيم، فقال له أحمد بن حنبل: لا تريد الرجل ثقة، فقال يحيى بن معين: لا بد لي، فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثا من حديث أبي نعيم، وجعل على رأس كل عشرة منها حديثا ليس من حديثه، ثم جاءا إلى أبي نعيم، فدقا عليه الباب، فخرج فجلس على دكان طين حذاء بابه، وأخذ أحمد بن حنبل فأجلسه عن يمينه، وأخذ يحيى بن معين فأجلسه عن يساره، ثم جلست أسفل الدكان، فاخرج يحيى بن معين الطبق فقرأ عليه عشرة أحاديث وأبو نعيم ساكت، ثم قرأ الحادي عشر، فقال له أبو نعيم: ليس من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثاني وأبو نعيم ساكت، فقرأ الحديث الثاني، فقال أبو نعيم: ليس من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالث، وقرأ الحديث الثالث فتغير أبو نعيم وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى بن معين، فقال له: إما هذا وذراع أحمد في يده فأورع من أن يعمل مثل هذا، وإما هذا يريدني فأقل من أن يفعل مثل هذا، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، ثم أخرج رجله فرفس يحيى بن معين فرمى به من الدكان، وقام فدخل داره، فقال أحمد ليحيى: ألم أمنعك من الرجل وأقل لك إنه ثبت. قال: والله لرفسته لي أحب إلي من سفري”.
2. وَمن يَتَلَقَّن وَلَا يفْطن لما لقن من الْخَطَأ، تسْقط الثِّقَة بِهِ إِذا تكَرر ذَلِك مِنْهُ.
يقول ابن رجب: ” ولقد أخذ على يزيد بن هارون أنه لما أضر كانت جاريته تحفظه من كتاب فيتلقن… وحاصل الأمر أن الناس ثلاثة أقسام: حافظ متقن يحدث من حفظه، فهذا لا كلام فيه، وحافظ نسي فلقن حتى ذكر أو تذكر حديثه من كتاب فرجع إليه حفظه الذي كان نسيه، وهذا أيضا حكمه حكم الحافظ، ومن لا يحفظ وإنما يعتمد على مجرد التلقين، فهذا الذي منع أحمد ويحيى من الأخذ عنه”.
3. وَمن شهد عَلَيْهِ بالتلقين لما هُوَ خطأ، وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ مرّة، ترك ذَلِك الحَدِيث من حَدِيثه، ومثال ذلك: ما ذكره ابن حجر في ترجمة أحمد بن سعيد الهمداني بقوله:” د (أبي داود) أحمد بن سعيد بن بشر بن عبيد الله الهمداني، أبو جعفر المصري، روى عن ابن وهب، والشافعي، وأصبغ بن الفرج، وبشر بن بكير وغيرهم، روى عنه أبو داود وذكر صاحب النبل أن النسائي روى أيضا عنه، والبجيري، وابن أبي داود، وفضلك الرازي، وأبو الطيب الرسعني، ومحمد بن الربيع بن سليمان وغيرهم. قال النسائي: ليس بالقوي لو رجع عن حديث بكير بن الأشج في الغار لحدثت عنه، وذكر عبد الغني ابن سعيد عن حمزة الكناني أن أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين هو أدخل علي الهمداني حديث الغار” .
2. وَمن شهد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَانَ يَتَلَقَّن، وَلم نعلم من حَاله أَنه كَانَ يفْطن أَو لَا يفْطن ، هَذَا مَوضِع نظر. قال يَحْيى بن معين: “سماك بن حرب ثقة، وكان شُعْبَة يضعفه، وكان يقول في التفسير عكرمة: ولو شئت أن يقول له بن عباس لقاله، قال يَحْيى بن مَعِين: وكان شُعْبَة لا يروي تفسيره إلاَّ عن عكرمة” .
وقال ابن حجر: “قال ابن أبي حاتم في المراسيل سئل أبو زرعه: هل سمع سماك من مسروق شيئا؟ فقال: لا، وقال النسائي: كان ربما لقن، فإذا انفرد بأصل لم يكن حج؛ة لأنه كان يلقن فيتلقن. وقال البزار في مسنده: كان رجلا مشهورا لا أعلم أحدا تركه، وكان قد تغير قبل موته، وقال جرير ابن عبد الحميد: أتيته فرأيته يبول قائما فرجعت ولم أسأله عن شئ. قلت: قد خرف، وقال ابن عدي: ولسماك حديث كثير مستقيم إن شاء الله، وهو من كبار تابعي أهل الكوفة، وأحاديثه حسان، وهو صدوق لا بأس به” .
ولقد اتفق العلماء على أنه من ضمن الرواة الذين ترد مروياتهم رواية من عرف بقبول التلقين على المعايير السابقة الذكر عند الحديث عن الدرجات، إلا أنه يجدر التنبيه على أنه يستثنى من دائرة الرد لحديث من عرف بقبول التلقين عند العلماء ما يلي:
1) انتقاء التلميذ من حديث شيخه الذي يقبل التلقين: بدليل ما قاله الإمام وكيع بن الجراح: “كنا ندخل على سعيد بن أبي عروبة فنسمع، فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحا طرحناه” . ففي مثل هذه الحالات لا يكون الاعتماد فقط على نوع تلقين الراوي وكيفية تصرفه، وإنما يلتفت إلى من حدث عنه، وهل أخذ انتقاء أم بصورة عشوائية.
2) يستثنى أيضا إذا كان اعتماد الراوي على الأصل المكتوب لديه، فلا يضر الراوي كثرة السهو والتلقين؛ لأنه إذا حدث لا يحدث من حفظه وإنما من كتابه، ولكن بشرط أن يكون حافظا لكتابه من التبديل والتغيير . لذلك حين تحدث العجلي عن عطاء بن السائب، قال: “كان بآخره يتلقن إذا لقنوه في الحديث؛ لأنه كبر وهو صالح الكتاب “؛ لأن تلقينه لا يضر بأصله المكتوب إذا كان حافظا لكتابه.
ورغم دقة تصنيف العلماء، نجد من بينهم من حكم بأن ترد رواية من صح قبوله للتلقين ولو مرة واحدة؛ للقناعة بان العدالة والضبط لا يمكن تجزئتها، حيث يقول ابن حزم رحمه الله تعالى: “ومن صح أنه قبل التلقين ولو مرة سقط حديثه كله؛ لأنه لم يتفقه في دين الله عز و جل، ولا حفظ ما سمع، وقد قال عليه السلام: “نضر الله امرأ سمع منا حديثا حفظه حتى بلغه غيره”. فإنما أمر عليه السلام بقبول تبليغ الحافظ والتلقين هو أن يقول له القائل: حدثك فلان بكذا ويسمي له من شاء من غير أن يسمعه منه” . وقد علل الإمام ابن حزم موقفه، بقوله: إن الذي يقبل التلقين لا يبعد وصفه عن إحدى حالتين وهما : أن يكون فاسقا يحدث بما لم يسمع. أو يكون من الغفلة بحيث يكون الذاهل العقل المدخول الذهن، ومثل هذا لا يلتفت له؛ لأنه ليس من ذوي الألباب، ومن هذا النوع كان سماك بن حرب أخبر بأنه شاهد ذلك منه شعبة الإمام الرئيس ابن الحجاج .
وصرح ابن حزم برأيه فقال: “ومما غلط فيه بعض أصحاب الحديث أنه قال فلان: يحتمل في الرقائق ولا يحتمل في الأحكام… وهذا باطل لأنه تقسيم فاسد لا برهان عليه، بل البرهان يبطله؛ وذلك لأنه لا يخلو كل أحد في الأرض من أن يكون فاسقا أو غير فاسق، فإن كان غير فاسق كان عدلا، ولا سبيل إلى مرتبة ثالثة. فالعدل ينقسم إلى قسمين: فقيه، وغير فقيه؛ فالفقيه العدل مقبول في كل شيء، والفاسق لا يحتمل في شيء، والعدل غير الحافظ لا تقبل نذارته خاصة في شيء من الأشياء؛ لأن شرط القبول الذي نص الله تعالى عليه ليس موجودا فيه. ومن كان عدلا في بعض نقله فهو عدل في سائره، ومن المحال أن يجوز قبول بعض خبره، ولا يجوز قبول سائره إلا بنص من الله تعالى، أو إجماع في التفريق بين ذلك، وإلا فهو تحكم بلا برهان وقول بلا علم، وذلك لا يحل…” .
إن الأساس في هذا الموقف الذي تبناه الإمام ابن حزم إنما يعود لرأيه في تعريف العدالة؛ إذ يعرفها بقوله:” وأيضا فإن العدالة إنما هي التزام العدل، والعدل هو القيام بالفرائض واجتناب المحارم، والضبط لما روى، وأخبر به فقط، ومعنى قولنا: فلان أعدل من فلان؛ أي أنه أكثر نوافل في الخبر فقط، وهذه صفة لا مدخل لها في العدالة؛ إذ لو انفردت من صفة العدالة التي ذكرنا لم يكن فضلا ولا خيرا ” .
فقد جعل تعريف العدالة يشمل أيضا الضبط، وهو الذي دعم رأيه في إسقاط رواية من ثبت عليه قبول التلقين بعامة، رغم أن هذا القول منه مخالف لرأي الجمهور من المحدثين الذين فصلوا ما بين العدالة والضبط، وجعلوا كلا منهما لوحده، مما ساعدهم على تفصيل إحكامهم، مع القدرة على الاستفادة من أكبر قدر ممكن من الروايات، وبمنهج لم يخلو من المنطقية والحرص أكثر، حيث عرفوا العدالة بأنها: ملكة تحمل صاحبها على التقوى، واجتناب الأدناس، وما يخل بالمروءة عند الناس، دون أن يكون لها علاقة بالضبط . وهكذا فإن الحديث عن درجات المتلقنين، وحكم كل منها يوضح أثر هذه الحالة على رواية حديث النبي عليه الصلاة والسلام.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

*أستاذ مساعد بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في الجامعة القاسمية بالشارقة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق