حوارات المجلة

الروائية الجزائرية أمل بوشارب للمجلة الثقافية الجزائرية:

الكتابة في جوهرها عملية أشبه بفعل الخلق الذي لا يمكن أن ينشأ من دون الامتزاج بالآخر

أمل بوشارب موهبة أدبية من الجزائر تعد بالكثير.. درست الترجمة وعملت في التدريس والصحافة ثم انخرطت في غواية السرد ونالت عدة جوائز وحظيت باهتمام لافت من قبل القرّاء والنقاد على حد سواء.. صدر لها مجموعة قصصية واحدة بعنوان (عليها ثلاثة عشر)، وثلاث روايات هي: (سكرات نجمة) عام 2015 و(من كل قلبي) 2016 و(ثابت الظلمة) عام 2018. ضيفتنا كاتبة جادة تعرف ماذا تريد، فكتاباتها تغوص في العمق الإنساني وتبحث بوعي مسبق عن المختلف والجوهري والحقيقي.. المجلة الثقافية الجزائرية اقتربت منها وحاولت فتح نوافذها الإبداعية عبر هذا الحوار:
حاورتها: باسمة حامد

الوطن الحقيقي للجميع هو إنسانيتنا

المجلة الثقافية الجزائرية: دعيني أبدأ بسؤال تقليدي: لو طلبت من أمل بوشارب أن تقدم نفسها فماذا ستقول؟
أمل بوشارب: لحسن الحظ ليس لدي ما أزيده عن نصف السطر التعريفي المطبوع على أغلفة كتبي. (كاتبة جزائرية من مواليد 84 بدمشق ـــــ سوريا).لا أعتقد أن هناك أي معلومات يمكن إضافتها لصنع بيوغرافيا أكثر امتلاء لأي كاتب غير عناصره البدئية.

المجلة الثقافية الجزائرية: ولدت في دمشق وتقيمين في إيطاليا. كيف يمكن اختصار عمر كاتب بين مسافة وطن الأم (الجزائر) وأوطان أخرى؟
أمل بوشارب: فكرة تعدد الأوطان أو تداخلها، وإن كان فيما يتعلق بي حالة ملموسة لا تقبل التجريد. إلا أنني أؤمن أنها العقيدة المشتركة لجميع من يشتغل في الإبداع، حتى وإن تعلق الأمر بكتّاب أتوا من نسل غير مختلط أو مبدعين لم يخرجوا يوماً من أسوار أوطانهم “الأصلية”، إلا أنه لا يمكن إلا أن نلحظ بأن كل الإبداعات الأصيلة -أياً كان مصدرها- لا تشذ عن فكرة محورية وهي أن الوطن الحقيقي للجميع هو إنسانيتنا. أن تؤمن بأنك جزء من العالم ككل، والعالم كله ملكك هو السبيل الوحيد للانعتاق. ذلك أن ملكة الإبداع لا يمكن لها أن تتحرر من دون أن نهفو للتزاوج مع بقية عناصر الكون والانعجان بتفاصيلها. فالكتابة هي في جوهرها عملية أشبه بفعل الخلق الذي لا يمكن أن ينشأ من دون الامتزاج بالآخر.

المرأة في العالم العربي..

المجلة الثقافية الجزائرية: مجموعتك القصصية (عليها ثلاثة عشر) تقارب قضايا المرأة بشكل مختلف وتفكك المفاهيم السائدة حولها.. هل تجدين أن المرأة في وقتنا الراهن أصبحت ضحية الإعلام الذي يروج للجمال الشكلي أم أنها ضحية الثقافة الذكورية المتوارثة التي تساهم هي ذاتها في إعادة إنتاجها؟
أمل بوشارب: في”عليها ثلاثة عشر” حاولت طرح مقاربة ما بعد نسوية لموضوع بدأ الاهتمام به بالانحسار أدبياً بسبب استهلاك مواضيعه من زاوية شبه أحادية أدت إلى تحويل موضوع المرأة في العالم العربي إلى طريق شبه مسدود إبداعياً. لذلك فالتحدي كان يمكن في طرح مقاربة بسيطة تشبه يومياتنا، من خلال وضع ثلاثة عشر امرأة أمام مرايا جوانية تحاول الكشف عن صراعاتهن الداخلية بعيداً عن وضع الضحية المبتذل والمرتبط بالكليشيهات المنتشرة والقوالب المفهوماتية الجاهزة حول هذه القضية. والنتيجة كانت محاولة للإضاءة على مناطق تم التعتيم عليها في خضم حالة الاستقطاب السائدة بين النسوية العربية التي تصطف حالياً في خانة ملتبسة، وممثلي الثقافة الذكورية الذين تم حصرهم ضمن تيار واحد ووحيد، وهي الحالة التي لم تصنع برأيي بيئة صحية للخروج بتشخيص حقيقي يشرح أسباب تدهور وضع المرأة في المنطقة بل ساهم في تشتيت الانتباه عن طبيعة الدور الذي لعبته عناصر تبدو مناصرة للقضية في قلب معادلة القوى الجندرية في منطقة تعد بالأساس من أهم معاقل الماترياركية في تاريخ الحضارة.

القصة والروية يتشاركان رافد السرد..

المجلة الثقافية الجزائرية: روايتك الأولى (سكرات نجمة) أتت بعد مجموعة قصصية وحيدة.. لماذا هذه النقلة السريعة باتجاه الرواية؟ هل هو قلق الإبداع؟ أم قلق الوجود؟ أم ماذا؟
أمل بوشارب: بصراحة أنا لا أشعر بوقع هذه “النقلة” التي لا أرى أنها محفوفة بأي نوع من أنواع القلق. بل أعتبرها انسكاباً طبيعياً بين جنسين أدبيين يتشاركان رافد السرد. والحقيقة أن “عليها ثلاثة عشر” عمل يتضمن ثلاث عشرة قصة قصيرة تكاد ترتبط عضوياً ببعضها البعض إذا ما تمت قراءتها بنفَس واحد، على نحو تتابعي متصل لتجد حلاً لعقدتها جميعاً في القصة رقم 13، لكنها من ناحية أخرى يمكن أن تقرأ كقصص منفردة دون أي ترتيب كأي قصص قصيرة أخرى تتمتع بحقوق وواجبات هذا الجنس الأدبي !هذا كما أن “سكرات نجمة” وإن كانت عملاً سردياً ذا هندسة روائية بحتة إلا أنني اعتمدت في نحت الكثير من مشاهده على تقنيات كتابة القصة القصيرة، بالإضافة إلى صقل شخصياته على نحو لم يكن لأن يتم لو لم أكن ابنة القصة القصيرة بالأساس.

أعمالي حظيت بالاهتمام الأكاديمي..

المجلة الثقافية الجزائرية: وهل أنصفك النقاد والإعلام في الجزائر؟ 
أمل بوشارب: إلى حد كبير نعم. فأعمالي حظيت بالاهتمام الأكاديمي الذي جعل رواية مثل “سكرات نجمة” بعد عام إلى عامين من نشرها فقط تصبح محور مواضيع ماستر في جامعات عدة في الجزائر مثل جامعة بسكرة، الجزائر 2، بويرة، قالمة، وجيجل. بالإضافة إلى إدراج “عليها ثلاثة عشر” في مدونات بحث بريطانية تعنى بالأدب الجزائري والعربي على غرار جامعة بورتسماوث، وبرنستون وستانفورد في أمريكا. هذا عدا عن القراءات الجادة والقيمة التي حظي بها العملان في الصحافة العربية والجزائرية. وهو الأمر الذي دفع ناشري الإيطالي إلى إدراج اقتباسات ضمن إصداري الجديد في إيطاليا، لصحفيين قدموا قراءات هامة في “عليها ثلاثة عشر” و”سكرات نجمة” من على منابرهم الإعلامية من داخل الجزائر وخارجها باللغتين العربية والفرنسية.

(المحلية) وفكرة الانفتاح على بيئات متنوعة

المجلة الثقافية الجزائرية: الكثير من الروائيين الجزائريين اندفعوا في السنوات الأخيرة نحو ثيمة الصحراء.. لماذا تأخر انفتاح الرواية الجزائرية على الصحراء؟ وما الذي حوّل البيئة الصحراوية إلى بؤرة سردية مثيرة للاهتمام برأيك؟
أمل بوشارب: أعتقد أن الفهم المتطرف لمدرسة “المحلية” في الأدب قد أثر كثيراً على فكرة الانفتاح على بيئات متنوعة، وذلك بالرغم من أن انتماء الكاتب الطبيعي لبلد ثري بيئياً واجتماعياً كالجزائر من شأنه أن يمنحه شرعية التنويع في جغرافية تيماته، دون أن يتهم بـ”السرقة الثقافية” أو محاولة الاستثمار في ثقافات لا تعبر عن بيئته. ولاحظي أنني أقول إلى ذات البلد لأن الأمر يصبح أكثر سوءاً إذا كنت كاتبة تتحرك بالأساس ضمن عالم مفتوح لا تحكمه الحدود، لأنك في هذه الحالة تصبحين كاتبة تقع خارج حسابات الأدب كونك لا تعكسين أصالة “حومتك”. والواقع أن فكرة “المحلية” )التي تؤدي إلى العالمية) جعلت الكثير من الكتاب يعيشون هذا الهوس معتقدين أن فعل الكتابة هو أشبه بمهمة (إمبريزاريو) تقتصر وظيفته على تقديم عروض فولكلورية محدودة لجمع من السياح البيض الذين شعروا بالملل من الحضارة، وأن مهمتهم الأساسية ككتّاب ينتمون إلى هذه البقعة من الأرض هو الاستثمار المطلق في تعاسة أحيائهم الشعبية وتحويلها إلى أدب موجه إلى التصدير. لكن يبدو لي حالياً أن هناك تطور طبيعي في الكتابة ينحو باتجاه التعدد والانفتاح على بيئات وجغرافيات مختلفة، ويبقى للنقد في الجزائر أن يقف على هذا التوجه لا أن يواصل على تشجيع فكرة الغيتوهات الأدبية.

يحق للكاتب توظيف مكونات العالم بأسره..

المجلة الثقافية الجزائرية: هل تعتقدين أن الكتابة الروائية التي تسترجع التاريخ وتوظف الأسطورة للتعبير عن قضايا الراهن الاجتماعي والسياسي يمكن لها أن تحدث التأثير المطلوب؟ وفي هذا الإطار: هل يمكن اعتبار النص الأدبي (وثيقة أنثروبولوجية) لإنتاج المعرفة؟
أمل بوشارب: بالنسبة لي الكتابة، واستكمالاً للإجابة عن سؤالك السابق أيضاً، هي عملية حفر في الأعماق قد نحتاج فيها لأدوات تتجاوز ذواتنا من أجل فهمها وأخذ صورة أوضح عنها. الأمر يتطلب منا الكثير من التواضع لندرك بأننا بحاجة للابتعاد قليلاً عن أنفسنا من أجل الاقتراب منها. تماماً كما يفعل خبراء الجيولوجيا الذي يلجأون إلى صور الأقمار الصناعية من أجل فهم المكونات الدقيقة لطبقات الأرض الداخلية، فلولا تلك المركبات السابحة في الفضاء لبقيت الأرض لغزاً كامل مع أننا نقف عليها. الأمر سيان بالنسبة لي عندما يتعلق الأمر باستدعاء التاريخ والاستعانة بالأسطورة في الرواية. وكل ذلك في النهاية يصب في فكرة التناص الكوني، حيث يحق للكاتب توظيف مكونات العالم بأسره وماضيه ومستقبله، علمه وأسطورته من أجل القبض على حالة شعورية واحدة لشخصياته، وهو ما يستدعي من الروائي بالأساس التشبع بمشهدياته السردية، والاندماج بكل تفاصيلها. هذه العملية وإن تمت على نحو منهجي وصادق من شأنها تحويل سرديات الكاتب إلى مرجع أنثربولوجي وأداة منتجة للمعرفة بالضرورة.

الكتابة لليافعين تجربة فريدة من نوعها

المجلة الثقافية الجزائرية: من المعروف أن الكتابة لليافعين ليست سهلة.. فلماذا اخترت التوجه لهم في رواية (من كل قلبي)؟ وبرأيك ما المعايير التي ينبغي للكاتب مراعاتها لجذب هذه الشريحة وحثها على التفكير والاستنباط وإبداء الرأي؟
أمل بوشارب: الكتابة لليافعين تجربة فريدة من نوعها، وأعتقد أنه من المثير لأي كاتب أن يخوضها على الأقل من أجل اختبار منسوب الطفولة في داخله والتحقق من مدى طزاجة أفكاره. عن نفسي، لا أعتقد بأننا نكتب للصغار من أجل أن نعلمهم شيئاً ما، ولكن من أجل أن نحاول تذكر الحياة من وجهة نظر خام، ذلك أن تجربة تغيير المواقع ضرورية لتجديد زاوية رؤيتنا للحياة وتحيينها.

الكتابة النخبوية الصرفة هي نوع من التعالي على الوجدان العام..

المجلة الثقافية الجزائرية: رواياتك تطرح أسئلة معرفية عميقة وتقدم أنماطاً سردية جديدة.. ومن خلال هذا المسار يبدو لي أنك تسعين للاختلاف والتفرد وفي الوقت ذاته تبحثين عن نقطة التقاء بين القارئ العادي والقارئ النخبوي لإيصال رسالتك الإبداعية والإنسانية.. ما تعليقك؟
أمل بوشارب: هي فقط محاولة لعدم النسيان بأن الأدب هو اختراع موجه للشعوب بالأساس، وأن جميع السرديات الكبرى على مر التاريخ وإن سقط اسم مؤلفها فجانب الإمتاع فيها لم يسقط، لأنه العنصر الجاذب الحقيقي لجميع القراء. بل أن ما أسميته القراء العاديين، هم من يشكل المجس الحقيقي لقياس نفيذية الأدب. وبرأيي فإن التعالي على هذا النوع من القراء من خلال التخندق في أشكال نخبوية صرفة هو نوع من التعالي على الوجدان العام، وهو ما لا يمكن أن يصنع برأيي أدباً مستداماً يفترض أنه يأخذ مادته الخام من الجماعة ليعود وينفذ إليها بعد مروره على مصفاة العقل الخلاق.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف ترين مستوى الإنتاج الروائي الكثيف الذي يصفه بعض النقاد بالسطحي في غياب الإبداع السردي واللغوي والجمالي؟
أمل بوشارب: الأكيد أنه لا يمكن أن أدعي بأنني اطلعت على كل الإنتاج الروائي أو حتى نصفه حتى أحكم عليه. لكنني لا أحسد النقاد على وظيفتهم، فمهمة قراءة كل ما تطبعه دور النشر سنوياً وغربلته في سبيل الإضاءة على التجارب المتفردة ليست بالعملية الهينة.
المجلة الثقافية الجزائرية: هذا يقودني إلى سؤالك: لماذا عجزت الرواية

الجزائرية عن المنافسة على جائزة البوكر في رأيك؟
أمل بوشارب: بصراحة لست متابعة كبيرة لأخبار الجوائز الأدبية ونتائجها.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأين الآن؟
أمل بوشارب: حكايات إفريقية لنيلسون مانديلا.

المجلة الثقافية الجزائرية: وماذا تكتبين؟
أمل بوشارب: في هذه الأيام أخصص أغلب الوقت للقراءة، وأحاول أخذ قسط من الراحة بعد عام أتى زاخراً بالنشاطات صدر لي فيه عملان سعدت بأصدائهما سواء في الجزائر أو إيطاليا “ثابت الظلمة” و l’odore. وآمل أن يكلل العام المقبل بأعمال جديدة، مع تمنياتي للجميع بقضاء عطلة نهاية سنة مريحة وسعيدة. وكل عام وكل قراء “المجلة الثقافية الجزائرية” بألف خير وصحة وسلام.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الروائية الجزائرية أمل بوشارب للمجلة الثقافية الجزائرية:”

  1. أمل بو شارب روائية وقاصة تكتب للنشء الجديد. وحوارها مع المجلة حوار صريح عن إبداعاتها الأدبية من الروايات والقصص وما تتضمنها من الموضوعات الاجتماعية الراهنة التي تتعلق بالمرأة والأطفال على حد سواء. وانتاجاتها الأدبية إضافة كبيرة لا في الأدب العربي فحسب بل في الآداب العالمية عن طريق الترجمة. وأتمنى أن أترجم رواياتها وقصصها إلى اللغة الأردية الهندية لكي يتعرف المثقفون الهنود على الأدب الجزائري والقضايا التي تُعالج في الانتاجات الأدبية في يومنا هذا. وعن طريق هذا الحوار علمت أنا بأن بعض الأعمال لهذه الكاتبة الجزائرية اُدخلت ضمن المقررات الدراسية في بعض الجامعات ، فهذا خبر سار ودليل كاف لنضج الأعمال وقيمتها الأدبية والأكاديمية ونجاح الكاتبة في أهدافها كذلك.
    هل يمكنني أن أعرف أيّ حكاية أفريقية لنيلسون مانديلا تقرأين في هذه الأيام؟ ما اسم ذلك الكتاب؟
    بارك الله في أعمال السيدة أمل بو شارب.
    شكروتقدير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق