حوارات المجلة

الروائي الجزائري بشير مفتي للمجلة الثقافية الجزائرية:

الرواية كما أفهمها هي إعادة اختراع الحياة من جديد..

بشير مفتي مبدع جزائري من طراز أصيل، فهو مجتهد مثقف ومختلف.. يكتب القصة والرواية ويعمل بالصحافة والإعلام. تتميز كتاباته بالجمع بين متعة النص وعمقه وطرحه لقضايا كبيرة تشغل المواطن العربي في مكان، ونصوصه دائماً ما تأتي محمّلة بالدهشة والإثارة والعمق الفلسفي بل -وربما- بكل المقومات الجمالية والفنية الجوهرية التي يبحث عنها القارئ عادةً في ثنايا النص الأدبي. من إصداراته القصصية: (أمطار الليل) و(الظل والغياب) و(شتاء لكل الأزمنة)، ومن رواياته: (أرخبيل الذباب) و(شاهد العتمة) و(دمية النار) و(أشباح المدينة المقتولة) و(غرفة الذكريات) وغيرها. المجلة الثقافية الجزائرية حاولت الاقتراب من بشير مفتي الأديب، والمثقف، والإنسان، فكان هذا الحوار:
حاورته: باسمة حامد

رواياتي ليست سيرة ذاتية..

المجلة الثقافية الجزائرية: الذاكرة الجزائرية ذاكرة استثنائية ومحفوفة بالأسئلة، وما نلاحظه أن معظم الروايات الراهنة ما زالت تدور في فلك ثيمة (الحرب، ثورة التحرير)، برأيك: هل يهرب الروائي الجزائري من واقعه أم يلوذ بالتاريخ لفضح تناقضات الراهن؟
بشير مفتي: رواياتي ليست سيرة ذاتية، وأتعجب دائماً من الذين يتصورون ذلك، صحيح أني أختار الشكل الروائي القريب من السيرة لنقل أنه شكل سير ذاتي ولا أدري إن كان المصطلح صحيحاً أم لا؟ وإن كان هذا غير مهم طبعاً، ولكني عادة أخترع قصصاً وذكريات، بل الرواية كما أفهمها هي إعادة اختراع الحياة من جديد، اختراع السيرة والأمكنة والناس والقصص، والتقاطع مع الحكاية الذاتية قليل جداً، وهو إن حدث فهو يدخل بصورة استيهامية، فانتازمية أكثر منها واقعية أي كما حدثت في الواقع..
بالنسبة لثيمة الثورة والتحرير، يصعب عليّ الحديث عن روايات غيري، أما أنا فشكلت حرب التسعينيات أو العشرية السوداء المرحلة الأكثر حضوراً في معظم رواياتي وإن خرجت منها قليلاً في ” لعبة السعادة” و” اختلاط المواسم” وأعتقد أن ذلك الحفر المتواصل في تلك الحقيبة لا يعود فقط إلى أنها مهمة وعنيفة ومؤثرة فحسب ولكنها لأنها جعلتني أطرح أسئلة فلسفية عن الإنسان والشر والعنف والتاريخ والحب والموت، أي في مناخ العنف كيف يمكن أن تعيش، تحب، تحلم وتكره وتقاوم وتنهزم ..إلخ .
أعتقد أن مواجهة التاريخ ليست بالتأكيد هروباً من الواقع وأسئلته الحادة، ثم ليست الرواية أداة حرب نواجه بها أي شيء لا الواقع ولا التاريخ ولا المستقبل، هي شكل من أشكال التعبير عن الذات/ الذوات في حالاتها المتحولة وهي تعيش وتتأمل وتندغم في نهر الحياة الذي يستمر بها أو من غيرها.. هي رؤية للعالم من زاوية ذاتية/ شخصية تقريباً حتى نكون نسبيين ولا ندعي موضوعية كاذبة ليست من خصائص الرواية.

الرواية مغامرة مفتوحة.. والروائي ينطلق من هواجسه..

المجلة الثقافية الجزائرية: ما بين الذاكرتين السردية والتاريخية ثمة مساحة ما تسمح للمبدع في بناء منظومة الوعي.. فما هي أولوياتك حين تبدأ رواية جديدة: كتابة ما لم يُكتب؟ أم تلمّس حياة الهامش؟ أم استدعاء التاريخ بعيداً عن المسلّمات والتزييف؟
بشير مفتي: لم أعد بعد كل هذه السنوات من الكتابة أطرح مثل هذه الأسئلة، أقصد أنني أشرع في كتابة رواية عندما أشعر أن موضوعها اكتمل في ذهني، أو صار قريباً مني وأعرف عنه تفاصيله الكبرى، وحتى هذا الأمر لا آخذه كمسلمة نهائية، لأن الرواية مغامرة مفتوحة فقد تكونين ذاهبة في طريق ثم تتخلين عنه، وتجدين نفسك في طريق آخر، هنا تُفهم الرواية كأرض احتمالات متعددة، كل ما أدريه هو أن العمل يستغرق وقتاً طويلا في التفكير والتدبير وقد تضعين كل هذا على جانب عندما تشرعين في التدوين، نعم تضعيه على جانب وتجدين نفسك ذاهبةً في استغوار طرق أخرى لم تفكرين فيها، شخصياً لا أحب التخطيط المسبق مثلما كان يفعل نجيب محفوظ مثلاً، أترك للعفوية مساحة لكي تأخذ مكانتها في النص الروائي، ثم الشخصيات تتطور مع الكتابة وقد تصبح بفعل دورها في الحكاية مهمة أو تتخلف إلى الوراء وتترك شخصية أخرى تأخذ مكانتها.. وجانب آخر أنا لا أحب رواية البحث في الكتابة، لكن كقارئ فقد أجد متعة في قراءة روايات أمبرتو إيكو، ولكن لا أظن عندي ميل لأن أكتب على طريقته، أعتقد أنه كلام صائب الذي قاله (شكري المبخوت) نقلاً عن كاتب لا أذكره الآن: أنه عندما تكون بحوزتك أجوبة تكتب بحثاً أكاديمياً، وعندما تكون بحوزتك أسئلة تكتب رواية ..
بالنسبة للموضوع والقضايا التي قد تجديها في الرواية هي بطبيعة الحال جزء من الأسئلة التي يطرحها علينا الواقع الذي عشنا فيه وجئنا منه ومن الصعب تجاوز ذلك إلا إذا أردت كتابة رواية فانطاسطيكية أو يوتوبيا بعيدة عن الواقع.

المجلة الثقافية الجزائرية: (اختلاط المواسم) تتقاطع مع الكثير من السرديات العربية الجديدة في تمحورها حول مفردة (القتل) والتي أتت كمحصلة لمناخ عام عنيف ودموي، لكن في زمن الإرهاب ألا يجدر بالأدب –برأيك- التركيز على المفاهيم الحضارية كالحوار والسلام واحترام الآخر؟
بشير مفتي: كما تعلمين الرواية تميل للحديث عن التراجيديات أكثر مما تميل إلى المواضيع التي تحمل تصورات متفائلة بالحياة والعالم، وهذه طبيعة الفن بكامله وتمس كل الفنون والآداب، وليس الرواية لوحدها، أما ما يجب كتابته أو ما لا يجب فسؤال غريب، لأن الروائي لا يستجيب في كتابته لرغبات الغير بل ينطلق من هواجسه وما يلح عليه في الداخل أو ما ينهشه كما يقول (أندريه جيد) ويحاول بعدها التعبير عنه بأدوات الفن التي يملكها ..

ربما تقوم الرواية بدور تنويري ولكن..

المجلة الثقافية الجزائرية: حين قرأت (غرفة الذكريات) و(لعبة السعادة) تحديداً شعرت أن بشير مفتي يحاول حمل القارئ على قراءة التاريخ وفق وعي تام باللحظة الراهنة.. هل تجد أن إصلاح الحاضر يبدأ حتماً من تفكيك الماضي للعبور بالمتلقي إلى مستقبل أفضل ودفعه نحو التفاعل والإنتاج؟
بشير مفتي: أنت تحدثين كمصلحة اجتماعية، والحق أني لا أشعر أن دوري كروائي هو إصلاح أي شيء، ربما هي قراءة الناقد الذي قد تذهب ناحية أهداف معينة، لكن الروائي يكتب موضوعاته دون أن يهتم بذلك، أو هو يهتم ولكن في حدود هامشية، صحيح أن الموضوعات الراهنة تجعل الرواية بالضرورة مرآة تعكس وإن كانت كلمة انعكاس مخادعة وحتى سخيفة، أو تقارب هذا الواقع المثخن بالفواجع والمثبطات والكوابح والصعوبات والأزمات وغير ذلك، ولكن تحميل الرواية فوق طاقتها من فكرة إصلاح الراهن أو غيرها هو أمر ليس من مهامها ولا صلاحياتها، ولكن بطبيعة الحال أحاول الكتابة خارج التاريخ الرسمي، خارج الحقيقة الرسمية المكرسة والمستبدة، وإذا كانت هنالك طابوهات تاريخية فالروائي يفجرها لأنه يتعامل مع المادة التاريخية بحرية كاملة وضمن فسحة الخيال التي تسمح له بنزع القداسة والأسطرة، وربما يساعد القارئ في النهاية على تجاوز تلك الطابوهات، ربما تقوم الرواية بدور تنويري أو ديمقراطي من خلال فسح المجال لتعدد الأصوات والتي بدورها تجعلنا نفكر بطريقة فردية ونسبية، لكن يجب أن يحتفظ الجنس الروائي بخاصيته الجوهرية اللعب والمتعة والتخييل والحكي ..إلخ

منطقتنا لم تعطي قيمة كبيرة للثقافة وعلى الكاتب أن يختار ماذا يريد..

المجلة الثقافية الجزائرية: في حوار سابق معك عبرت عن رغبتك في حصول تغيير إيجابي في الجزائر. لكن كيف ترى دور المثقف في صناعة التغيير ضمن التحولات الجارية في المشهد العربي على صعيد غياب الحريات وانتشار العنف والتطرف والإرهاب؟
بشير مفتي: سأكاشفك بحقيقة أني فقدت قدرتي أو رغبتي في النضال في السنوات الأخيرة، حتى في المجال الثقافي، ربما من فرط ما ناضلت منذ بداية التسعينيات في جمعيات ثقافية كثيرة، وطبعاً لم أنخرط يوماً في أي حزب سياسي، كان هاجسي ثقافي، وتحليلي للأزمة السياسية تحليل ثقافي، ورؤيتي أن الثقافة هي الحل أو هي على الأقل بداية الحل، ولكن بقدر ما كان يبدو لي هذا الأمر بديهياً كان يبدو تحليلاً سطحياً من طرف القوى المؤثرة/ الحاكمة/ المسيطرة على الشأن العالم، ولهذا تترك الثقافة بالمعنى العميق للثقافة في المؤخرة وتعطى لها مهام كرنفالية أو مناسباتية سطحية تجعل الثقافة تتراجع، تضعف، يقل تأثيرها، قلت إما أني غير مدرك حقاً لطبيعة الأزمة، أو أني مدرك وأنه مع ذلك لا أمل في أن تتغير مثل هذه النظرة حتى الآن، وصحيح تاريخياً لم يعطى للثقافة قيمة كبيرة في منطقتنا، وحسب ما جاء في كتاب الراحل سعد الله “التاريخ الثقافي للجزائر” كان المثقفون يشتكون من جحود العامة والخاصة لعملهم، وهذا كان يدفعهم لطريقين لا ثالث لهما إما الكتابة للسلطان أو عن السلطان أو التعفف والزهد والتحول إلى متصوفة مثلما فعل الثعالبي مثلاً، وهو نفس ما حدث بعد الاستقلال أيضاً وربما مثال أبو القاسم يسعد الله نموذجاً لمن زهد في المكاسب والغنائم، وحرص على الخوض في الكتابة والبحث دون أن ينتظر من أحد تكريماً أو اعترافاً ..
كما أن الذي يتفرغ للنضالية والمواجهة يتوقف عن الإبداع والكتابة مثلما حدث مع كاتب ياسين أو حتى مولود معمري، لأنه صعب في الجزائر الجمع بين الحسنيين، وعلى الكاتب أن يختار ماذا يريد حقاً؟ وأن يظل محافظاً على ضميره ولا يدخل في سوق النخاسة والبيع والشراء ويجتهد في حدود ما تسمح به إمكاناته فقط.

نحن الكتّاب نحب فعل التجسس على الغير..

المجلة الثقافية الجزائرية: (خرائط لشهوة الليل) تغوص في الجانب السيكولوجي ما يقودني إلى السؤال التالي: برأيك هل يحتاج الروائي للاستعانة بخبراء نفسيين أو للاطلاع على نظريات علم النفس حتى يستطيع كتابة رواية نفسية ناجحة؟
بشير مفتي: أنا شخصياً طالعت كتب فرويد ويونغ ورايش وجاك لاكان.. لكن ليست قراءة المتخصص بل قراءة الفضولي الذي منذ بدأت علاقته بالقراءة وهو يقرأ كل شيء، أنا أقرأ كتب الفلسفة والتاريخ والعلوم والسينما والمسرح والدراسات النقدية والروايات بشكل أكبر، فهي روافد أساسية وأنا لم أفكر أنها ستفيدني في عملي الروائي، قرأتها من باب الفضول والمتعة، وأحب قراءة مذكرات الممثلين والمخرجين والمهندسين ورجال السياسة..إلخ هي قراءات مفيدة للكاتب على العموم وتثري رؤيته للعالم والحياة البشرية من الداخل والخارج، ولهذا عندما كتبت (خرائط لشهوة الليل) أو معظم رواياتي فيها هذا الجانب البسيكولوجي لم أكن بحاجة للعودة إلى الدراسات، فما قرأته سابقاً يعود من بعيد، وهو محفوظ في مكان من الذاكرة، ولكن لا أحتاج أن أكون عالم نفس لتحليل حياة امرأة، فلقد عرفت وتقاطعت في حياتي مع نساء كثيرات ودائماً كان عندي الشغف لطرح الأسئلة ومعرفتهن من الداخل، كما تعلمين هنالك من يشبه الكاتب بالجاسوس بل هنالك من كتب رواية عن ذلك أظن الكاتب القشتالي (أنريكي فيلا ماتاس( في “طريقة غريبة في العيش”، ونحن الكتاب نحب فعل التجسس على الغير ونرفض بشكل جذري أن يتجسس أي غريب علينا، الفضول لمعرفة الناس حاضر عند كل روائي وهو الذي يمكنه من تتبع خيوط الحكايات هنا وهنالك، ثم شخصية ” ليليا عياش” في الرواية هي عصارة شخصيات كثيرة تتقاطع في صوت واحد وهذه ميزة الرواية تكثيف الشخصية بحيث تجدها بداخلها أكثر من شخص في شخص واحد.

المجلة الثقافية الجزائرية: لفتني أن السارد في هذه الرواية كان امرأة.. هل لديك الفضول لتسليط الضوء على نقاط معتمة في حياة المرأة واكتشاف عوالمها؟
بشير مفتي: أظن هنالك فضول عند الكتّاب للتعرف على المرأة من الداخل مثلما هو الشأن مع مدام بوفاري لفلوبير أو آنا كارنينا لتولستوي ..الشخصيات النسوية تثير فضولنا ..ثم الأدب يسمح بكل شيء حتى التحدث باسم حشرة مثلما فعل كافكا أو أي شيء آخر ..
المبدعون الجزائريون مهمشون في بلدهم..

المجلة الثقافية الجزائرية: (دمية النار) رواية مميزة تساءل الواقع بمضمون فلسفي عميق ولغة أدبية جميلة.. ولعل الحديث عنها كعمل أدبي مميز يثير السؤال التالي: لماذا عجزت الرواية الجزائرية عن المنافسة على جائزة البوكر العالمية؟.. هل السبب مثلاً غياب الإعلام؟ قصور النقد والدراسات الأكاديمية؟ عدم وجود التوزيع الجيد؟ أم ماذا؟
بشير مفتي: هذا سؤال ليس عندي الجواب عليه، وإن كانت الأسباب التي ذكرتها كلها ممكنة أو هي سبب من أسباب ذلك، لكن أحياناً أقول هنالك سوء حظ للجزائريين في بلدهم ..لأنه لا يتم الاعتراف بالمتفوقين ويتم تهميشهم ولهذا لا تنتظرين مكافأة من الخارج والداخل بمثل هذه العدوانية الصارخة التي تشعرك أحياناً أنهم يرغبون لو يتوقف الناس عن الكتابة ويتركون الساحة فارغة منا تقريباً ..حتى بالفرنسية كتاب عباقرة مثل ديب وبوجدرة وآسيا جبار لم ينالوا الغونكور ..لهذا أقول سوء حظ أو قدر الجزائريين غريب نوعاً ما.

هنالك استعلائية مشرقية على النصوص المغاربية.. وأنا مع تجذير الاختلاف

المجلة الثقافية الجزائرية: الناقد الأكاديمي العراقي د. عبد الله إبراهيم أثنى– في أحد حواراته معنا- على الرواية الجزائرية كمدونة نجحت في تمثيل أحوال المجتمع الجزائري الحديث، لكنه انتقد استغراقها في “الإنشاء والإطناب والخطابية المباشرة”.. كيف تعلق على ذلك؟
بشير مفتي: لم أطلع صراحة على هذا الحوار حتى أستطيع معرفة على من يتحدث بالضبط؟ وهل قرأ هذا الناقد كل النصوص الجزائرية، حتى يحكم عليها بهذا الشكل؟! ثم هنالك استعلائية مشرقية على النصوص المغاربية بشكل عام، مع أن هنالك اختلاف كبير في الحساسية والرؤية الأدبية والسياق التاريخي، وأنا شخصياً مع تجذير الاختلاف لأن لكل بلد عربي سياقه الثقافي والتاريخي والسياسي الخاص به، ولا يعقل أن يكون الجميع على نفس الخط من الأسلوبية أو الرؤية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق