ثقافة المقال

الجائزة الإسرائيلية ليست فلسطينية

حسين فاعور الساعدي-الجليل

سمعت في وسائل الاتصال الاجتماعية أن وزارة التربية الإسرائيلية منحت جائزة الإبداع في الأدب لهذا العام (2018) لبعض الأخوة والأخوات من الكتاب العرب. وهي جائزة تمنح كل عام كما يبدو. من بين هؤلاء الأخوة والأخوات من تربطني به علاقة صداقة واحترام متبادل إلا أنني لم أبارك لأحد منهم لسبب بسيط هو أنني أعتقد أن الكاتب او الفنان أو الشاعر إذا حظي برضا السلطة، أي سلطة، فعليه فحص نفسه وإعادة حساباته. وما على أصدقائه إلا تعزيته لهذه المحنة التي حلت به. لماذا؟ لأن الأديب أو الفنان أو الكاتب عندما يقترب من السلطة ويمالحها عليه إما أن يضرب بسيفها أو يتجنب إغضابها أو إزعاجها على الأقل. فمن باب اللياقة لا يمكن الأكل من الصحن والبصق فيه، أو لا يمكن الشرب من البئر ورجمه بحجر.
كل السلطات في العالم تسعى وتحاول تدجين الكتاب واحتوائهم بمختلف الوسائل. إما بواسطة توظيفهم في دوائرها المختلفة وفي وزاراتها أو بواسطة منحهم إجازات التفرغ أو جوائز الإبداع والتفوق، ليس حباً وتقديراً لهم ولإنتاجهم وإنما لوعيها بأهمية الدور الذي يلعبونه في بلورة وتوجيه الرأي العام. فما يهم السلطة، أي سلطة، هو المحافظة على الاستقرار ومنع التغيير أو إبقائه تحت السيطرة. لذلك يهمها جداً احتواء وكلاء التغيير وترويضهم أو استرضائهم إن لم تتمكن من تجنيدهم.

لا أعرف القيمة المادية لجائزة وزارة التربية الإسرائيلية إلا أنها لا بأس بها كما يبدو وهذا هو السبب الذي أغرى الأخوة للقبول بالوقوع في محنتها . فلولا قيمتها المادية لما قبل بها أحد لأننا ما زلنا هنا في اسرائيل نعيش ظروفاً استثنائية رغم مرور أكثر من سبعين عاماً. بعد هذه المدة الطويلة ما زلنا نتحدث بلغتين ولا نستطيع حسم هذه القضية المصيرية التي تمس حياتنا اليومية. هذا الوضع لم نختره، لكننا لم نحاول تجاوزه. ولقيادتنا دور ومصلحة في ذلك.
كان من المفروض على أدبائنا وكتابنا الخوض فيه وحسمه إلا أنهم وقعوا، أو أوقعوا في نفس المطب الذي وقعت وأوقعت فيه القيادة.
العربي الذي يجلس في الكنيست الإسرائيلي لا يستطيع وليس من مصلحته الحديث بلغة واحدة لأنه إذا اختار أن يكون فلسطينياً فسيفقد كرسيه وإن اختار أن يكون إسرائيلياً فسيفقد مصداقيته وكرسيه معاً. فهل أدمنا هذا الانفصام الجماعي الذي نعيشه؟. لقد وصل الأمر بأحد الحاصلين على جائزة وزارة التربية الإسرائيلية أن سماها جائزة فلسطينية. هكذا بكل برود أعصاب وراحة ضمير صرنا نسمي جائزة وزارة الثقافة الإسرائيلية جائزة فلسطينية!!! والأغرب من ذلك أنه قال في معرض تعليقه على نيله الجائزة أنه كتب بحرية مطلقة ودون أن يتدخل أحد في شأنه يعني أنه أو أنها تعيش في دولة ديمقراطية!!! مرة أخرى لماذا؟؟؟ وما الداعي؟؟؟ هل هي إرهاصات التدجين؟ أم هي إسقاطات الترويض؟ كما يبدو من تعود ألا يسمي الأشياء بأسمائها، ولأنه بلع طعم التنافس لنيل المنح والجوائز صار يرى أنه من حقه أن يطالب بنيل المديح والثناء حتى عندما يخطئ.
من المفروض فينا نحن الأدباء والكتاب أن نعرف من نحن وأن نحدد مدى التزامنا بالمبادئ التي ننادي بها أو ندافع عنها. لكننا وقعنا في نفس المطب الذي وقع فيه أعضاء الكنيست العرب عندما يقسمون يمين الولاء للدولة عند تسلمهم الوظيفة، وفي الشارع وبين قطيع جمهورهم يصرخون: نحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني.
في السياسة الباب مفتوح للكذب والدجل بل ويقال لا سياسة دون كذب ونفاق. أما في الأدب فلا مجال إلا للصدق وللصدق فقط. يمكن للسياسي الرقص في أكثر من حلبة لكن ما يجوز للسياسي لا يجوز للأديب.
معظم الأخوة الكتاب هم معلمون في وزارة المعارف الإسرائيلية وهذا بحد ذاته إشكال يحد من حريتهم حتى لو لم يتدخل أحد فيما ينتجون أو يكتبون فالحرية لا تتجزأ. هذا الإشكال يعاني منه كل الكتاب في جميع أنحاء العالم ويمكن أن نسميه أشكال الوظيفة. والسلطات في جميع أنحاء العالم لم تكتفي بالوظيفة لترويض الأدباء فابتدعت الجوائز والإجازات التي جعلت الأدباء يفكرون ويحلمون بالحصول عليها وهذه خطوة أخرى لمزيد من الترويض ولمزيد من لجم الإبداع.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق