قراءات ودراسات

إصابات السمع واللسان عند المحدثين وأثرها في الرواية

د. عالية سليمان سعيد العطروز

إصابات السمع واللسان عند المحدثين وأثرها في الرواية
سبق الحديث في المباحث السابقة عن الإصابات العقلية والإصابات البصرية، لما لها من أثر واضح بمسألة الضبط لحديث النبي عليه الصلاة والسلام. وسيلي الحديث هنا عن نوع آخر من الإصابات العضوية ألا وهي إصابات السمع واللسان. وهنا يأتي السؤال: ما أثر فقدان حاستين هامتين جدا، وهما حاستا النطق والسمع في ضبط الحديث الشريف، هذا ما سيتجلى:

الصمم :
الصمم “هو: انْسِدادُ الأُذن وثِقَلُ السمع، صَمَّ يَصَمُّ وصَمِمَ بإظهار التضعيف نادرٌ صَمّاً وصمَماً وأَصَمَّ وأَصَمَّهُ اللهُ فصَمَّ وأَصَمَّ أيضاً بمعنى صَمَّ ” .
وإن القارئ لبعض المراجع الطبية يلاحظ أن الأطباء يسمّون كل ضعف في الأذن بالإعاقة السمعية، وهو مصطلح واسع عندهم، يشمل مستويات متفاوتة من الضعف السمعي البسيط جدا حتى يصل إلى مستوى الضعف السمعي الشديد جدا أو ما يعرف بالصمم، وهي ظاهرة تنتشر ما بين كبار السن، بوصفها علامة من علامات الكبر في السن. كما قد يصاب بها صغار السن؛ لحدوث خلل في مرحلة النمو .
ومن الاصطلاحات التي تذكر عند الكلام عن الصمم مصطلح الأطرش، ويقصد به: “(طرش) الطَّرَشُ الصَّمَمُ، وقيل هو أَهْوَنُ الصَّمَمِ، وقيل هو مُوَلّدٌ الأَطْرُشُ، والأُطْرُوشُ الأَصمُّ الأُولى في بعض نسخ يعقوب من الإِصْلاح، وقد طَرِشَ طَرَشاً ورجال “. وقيل: “أما الأطرش وهو من يسمع الصوت القوي فالأصح الصحة بخلاف الأصم (ويفتي القاضي)، ولو في مجلس القضاء وهو الصحيح (من لم يخاصم إليه) ظهيرية “. إذن فالصمم هو الإصابة العامة التي يندرج تحتها الباقي، والطرش هو نوع من الصمم، ولا يساويه في المعنى.
– أثر الصمم في التحمل والأداء:
عند الحديث عن أثر الصمم في تحمل الرواي وأدائه للحديث، فإن ذلك يأخذ أكثر من جانب، تبعا لحقيقة الصمم الموصوف به الراوي، فإذا كان الراوي ممن فقد سمعه نهائيا منذ بداية طلبه للعلم فلا شك في أن ذلك سيؤثر في طريقة تحمله للحديث، فلا يجد أمامه إلا طرقا معينة أقواها القراءة على الشيخ، وهذا ما سيؤثر بداهة في طريقة أدائه للحديث باستعماله لصيغ معينة. ومن الأمثلة على ذلك الحسين بن محمد الأصم؛ إذ إن كل ما وجدته من رواياته قد أداه عن منصور بن جعفر الصيرفي بلفظ (قرأت)، ومنها: “عن أبي عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الأصم، قال: قرأت على منصور بن جعفر الصيرفي، قال: قرأنا على عبد الله بن جعفر النحوي، قال: قرأنا على عبد الله بن مسلم بن قتيبة، قال علان الوراق: “عطروا دفاتركم بسواد الحبر”. ففي مثل هذه الحالة يلاحظ أثر الصمم في تحمل الراوي وأدائه. ولكن إذا كان فقدان السمع قد أصيب به الراوي نتيجة للكبر في السن أو لإصابته بمرض معين بعد أن كبر وأنهى مرحلة الطلب للعلم، فلا شك أنه في هذه الحالة لن يكون لهذه الإصابة أثر في كيفية تحمله وأدائه؛ فقد تجاوز الراوي هذه المرحلة.
وأما الصنف الآخر من الذين وصفوا بالصمم، إنما وصفوا بذلك نتيجة لثقل السمع عند أحدهم، ومثل هؤلاء إنما دفعهم ثقل السمع لأن يكون أحدهم بحاجة إلى أن يرفع الشيخ صوته فقط، ومن الأدلة على ذلك: ” حدثني علي بن أحمد المؤدب، نا أحمد بن إسحاق النهاوندي، نا الحسن بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد الله بن أحمد بن أبي صالح الهمذاني، نا زيد بن أبي زيد الهمذاني، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: “أتى رجل الأعمش، فجعل يحدثه، فقال الرجل: زدني في السماع فإني أصم، قال: ليس ذاك لك، فقال: بيني وبينك أول طالع، فطلع رقبة بن مسقلة فأخبراه القصة، فقال للأعمش: عليك أن تزيده، قال: ولم؟ قال: لأنك تقدر أن تزيد في صوتك، وهو لا يقدر أن يزيد في سمعه، فقال الأعمش: ” صدقت “.
وقد يصاحب ذلك حدوث تكرار للسماع، فلم يؤثر ثقل السمع أكثر من ذلك على من أصيب به من الرواة، لذلك نجد الواحد منهم إذا أدى عبر بالسماع، وقد بقي الحال في هؤلاء من حيث ضبطهم للحديث على أصله، بمعنى لم يؤثر ما كان بهم من الصمم بصورة مباشرة بضبطهم بل كل تبعا لما يتمتع به من قدرات.

النتائج:
1. الصمم هو: انسداد الأذن وثقل السمع.
2. أطلق العلماء لفظة الأصم عند ذكرها في تراجم بعض الرواة بصورة عامة دون تقييد ،علما بأن هذه الكلمة ذات مدلول واسع؛ فهي تشمل كل من ضعف سمعه مهما كان نوع ذلك الضعف يسيرا أم شديدا، حتى من فقد سمعه نهائيا.
3. الطرش هو: أهون الصمم؛ وهو الذي لا يسمع إلا الصوت العالي.
4. ليس كل من أطلقت عليه هذه الصفة كان فعلا في سمعه شيء، بل بعضهم كان إطلاقها عليه من باب اللقب.
5. لم تؤثر هذه الإصابة تأثيرا مباشرا في ضبط أحد المصابين بها، بل بقي كل منهم على أصل حاله في الضبط.
6. كان الأثر الذي تركته إصابة الراوي بالصمم ينحصر في طريقة تلقيه للعلم، وبالتالي طريقة أدائه، فعندما يلاحظ أـن أحد أولئك الرواة إذا أراد أن يؤدي الحديث، قال: ( قرأت على فلان)، فهذا مما يدل على أنه تلقى فقط قراءة، وبهذه الطريقة يمكن أن نستنتج أن البديل الصحيح لمن كان فاقد السمع إذا أراد أن يتلقى العلم هو القراءة فقط. بينما لوحظ أن بقية الذين وصفوا بالصمم قد استعملوا لفظ السماع عند أدائهم للحديث، مما يدل على أن أحدهم لم يكن فاقدا تماما لسمعه، وإنما هو على الأغلب مصاب بثقل بالسمع قد أحوجه إلى تكرار السماع ، وأن يرفع له الصوت لكي يسمع جيدا، وقد بقي الحال في هؤلاء على أصله؛ بمعنى لم يؤثر ما كان بهم من الصمم بصورة مباشرة بضبطهم بل كل تبعا لحاله أصلا في الضبط.

اللثغة والرتة:
– مفهوم اللثغة والرتة:

قال ابن منظور:” (لثغ) اللُّثْغةُ أَن تَعْدِلَ الحرْفَ إِلى حرف غيره، والأَلْثَغُ الذي لا يستطيع أَن يتكلم بالراء، وقيل هو الذي يجعل الراء غيناً أَو لاماً، أَو يجعل الراء في طرَف لسانه، أَو يجعل الصاد فاء، وقيل: هو الذي يَتَحَوَّلُ لسانه عن السين إلى الثاء، وقيل: هو الذي لا يَتِمُّ رَفْعُ لسانه في الكلام وفيه ثقل، وقيل: هو الذي لا يُبَيِّنُ الكلامَ، وقيل: هو الذي قَصُرَ لسانه عن موضع الحرف ولَحِقَ مَوْضِعَ أَقْرَبِ الحروف من الحرف الذي يَعْثُر لسانه عنه.”.
وأما الرتة فهي:” ( رتت ) الرُّتَّة بالضم عَجَلة في الكلام وقِلَّة أَناةٍ، وقيل: هو أَن يقلب اللام ياء…وقيل: هي العُجْمة في الكلام والحُكْلة فيه. ورجل أَرَتُّ بَيِّنُ الرَّتَتِ… “.

أثر اللثغة في الرواية:
مما لا شك فيه أن للثغة أو للرتة أثراً واضحاً في نطق الراوي للكلمات؛ إذ إن وجود هذه العلة يجعله يبدل بعض الحروف بغيرها، أو ينطق الحرف على غير صورته، مما يفتح الباب على مصراعيه لوقوع الخطأ، فالتصحيف الذي يقع وإن كان رغما عن الراوي ،يجعل الأمور تشتبه على السامع ،فيروي كما سمع، فيظن عنه أنه روى رواية أخرى، وهذا ما دفع بعلماء الجرح والتعديل لضبط من أصيب بهذه الإصابة من الرواة.إذن فهذه الإصابة رغم أنها قد تركت أثرها على رواية الراوي للحديث ،إلا أنها لم تؤثر في ضبطه أو مستوى الراوي في الرواية، بل بقي كل على أصل حاله؛ من حيث القوة أو الضعف ،دون أن يؤاخذ أحدهم على هذه المسألة؛ لأنها مرتبطة بعيب خلقي لا علاقة للراوي به.
ومن الأمثلة التي توضح ذلك:
1. أخرج الإمام الخطيب بإسناده فقال: “قال: أنا الحسين بن إدريس ،قال :ثنا محمد بن عبد الله بن عمار، قال :كان وكيع سريع اللسان وكان يقول: في كل حديث حدثنا لا يبين الحاء إلا دثنا”.
2. قال يحيى بن معين:” كان شعبة يقول كان عنه الثلب بالثاء وإنما هو التلب”. وقال ابن عبد البر:” ويقال الثلب بن ثعلبة بن ربيعة العنبري التميمي ونسبه خليفة، فقال التلب بن ثعلبة بن ربيعة بن عطية بن أخيف بن كعب بن العنبر ابن عرمو بن تميم سكن البصرة، يكنى أبا اللمقام روى عنه ابنه ملقام ابن التب أنه أتى النبي قال فقلت: استغفر لي يا رسول الله. قال: اللهم اغفر للتلب وارحمه ثلاثا، وكان شعبة بن الحجاج يقول: الثلب بالثاء يجعل من التاء ثاء؛ لأنه كان ألثغ لا يبين التاء”.
3. قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل:” سمعت أبي يقول كانت في أبي يوسف لثغة فكان يحدثنا فيقول: حدثنا مطرف بن طريف الحارثي، وكان ألثغ مطيف بن طييف الحايثي”.

النتائج :
1. اللُّثْغةُ: أَن تَعْدِلَ الحرْفَ إِلى حرف غيره. أما الرتة فهي: عَجَلة في الكلام وقِلَّة أَناةٍ، وقيل: هو أَن يقلب اللام ياء.
2. رغم أن اللثغة والرتة مما يؤثر في نطق المرء للحروف لينطق بالحرف على غير صورته الحقيقية، فيقع الوهم بسبب ذلك عند من ينقل عنه الحديث ،لكونه يسمع الكلمة على غير حقيقتها، إلا أنها لم تترك أثرا في مستوى الراوي من حيث الضبط لأنها تصدر رغما عنه؛ إذ إنها مرتبطة بعيب خلقي لا علاقة له به.
3.لم يحدث أن لقب أحد الرواة بالألثغ أو الأرت، بل من سمي بها إنما كان لإصابة حقيقية بها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

*أستاذ مساعد بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في الجامعة القاسمية بالشارقة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق