ثقافة المقال

إشراقات قصة الكليم موسى عليه السلام مع نبي الله الخضر عليه السلام (2)

الدكتور: سالم بن رزيق بن عوض

الإشراقة العاشرة : الخضر عليه السلام يشترط:

يقول الله تعالى : ( قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء ) أي إذا أبيت إلا اتباعي ومصاحبتي والتعلم ، فلا تسألني عن شيء أفعله مهما كان غريباً أو عجيباً ، أو مخالفاً لك أو لما تراه أنت من الحق ،( حتى أحدث لك منه ذكراً ) حتى أكون أنا الذي يذكره ويبينه ويشرحه لك ، دون سؤال أو إعتراض ، أو طلب تفسير منك . وما أقسى هذا الشرط ليس على نفس نبيى موسى عليه السلام وإنما على نفوس الناس جميعاً لأن العلم الذي تملكه وتفهمه هذه النفوس هو العلم الظاهر القريب علم الأسباب الظاهرة .

والمعنى المخالف لهذا الشرط هو ترك الاتباع والتعلم والمتابعة متى ظهر الخلل أو عدم الوفاء بهذا الشرط ، وتنتهي المقابلة والمصاحبة بذلك .

الإشراقة الحادية عشرة : الكليم موسى عليه السلام يقبل التحدي ليتعلم :

وسكت نبي الله موسى عليه السلام ولم يتكلم وهذا يعني قبوله لهذا الشرط ، وألتزامه به ، والوفاء به قدر المستطاع إن شاء الله تعالى ، وأنطلق الركب في جولة أو جولات في أرجاء الأرض ، القريبة أم البعيدة ، في البحر ، وفي البر على اليابسة ، وفي شورارع المدينة .

الإشراقة الثانية عشر : الجولة البحرية ونبي الله الخضر عليه السلام يبدأ دروسه :

يقول الله تعالى : ( فأنطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ) ، إنطلق نبي الله الخضر عليه السلام مع نبي الله موسى عليه السلام يسيران على الشاطيء فمرت بهما سفينة ، عرفوا نبي الله الخضر عليه السلام فحملوهما معهم بغير نوال أو نول ، وبينما السفينة تسير بهم في عرض البحر إذ عمد الخضر عليه السلام إلى لوح من ألواحها فنزعه أو ثقبه ثقباً ظاهرا بيناً معيباً ، وهنا لم يستطع نبي الله موسى السكوت على الأمر فقال على الفور : ( قال أخرقتها لتغرق أهلها ) هل هذا جزاء اهل السفينة الذين حملونا بغير مال ، تخرق سفينتهم لتغرق أهلها ثم أردف قائلا : ( لقد جئت شيئاً إمراً ) أي لقد أتيت أمراً منكراً عظيماً .

وهنا يلتفت نبي الله الخضر عليه السلام قائلاً لنبي الله موسى عليه السلام : (قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً ) أي ألم أخبرك حين طلبت الصحبة والتعلم والإتباع أن نفسك لن تطاوعك على الصبر معي ، وأنها لن تتحمل ما أقوم به من أعمال وأفعال تراه غريبة وعجيبة وخطيرة وعظيمة على النفس البشرية .

فأنتبه نبي الله موسى عليه السلام وقال : ( قال لا تؤاخني بما نسيت ) أي لا تؤاخذني بم تركت من الوفاء بالشرط الذي بيننا ، قال صلى الله عليه وسلم : (كانت الأولى من موسى عليه السلام نسيانا ) .

ثم قال نبي الله موسى عليه السلام : ( ولا ترهقني من أمري عسراً ) أي لا تكلفني المشقة من أمري ، ولا تضيق علي الأمر ، فإنني أرغب الصحبة والمتابعة والتعلم ولكن لا تشقق على نفسي . أي لا تجعل نفسي تتحمل ما لا تحتمل و وما لا تطيق فيشق علي صحبتك ومتابعتك والتعلم منك .

الإشراقة الثالثة عشرة : الجولة البرية على الشاطيء ونبي الله الخضر عليه السلام يقدم درسه الثاني :

يقول الله تعالى : ( فأنطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله ) أي لما نزلا من السفينة أخذا يواصلان السير ،فوجدا عددا من الأطفال الصغار يلعبون على الشاطيء ، فدعا الخضر عليه السلام غلاما هائاً نظيفاً جميلاً ، فقتله . هنا لم تتحمل نفس نبي الله موسى عليه السلام هذا الأمر الجلل والحدث العظيم فصرخ قائلا : ( قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس ) ، أي كيف تقتل نفساً طيبة طاهرة من الذنوب والآثام بغير وجه حق ، لم تستوجب القصاص على شيء ؟ كيف تزهقها هكذا ؟ ويصيح مرة أخرى قائلاً : (لقد جئت شيئاً نكراً ) ، هذا الأمر منكر لا يرضى الله تعالى به .

وهناك ينظر نبي الله الخضر إلى نبي الله موسى عليه السلام وكأني به يحد النظر فيه ويقول له : ( قال ألم أقل لك إنك لن تسطيع معي صبراً ) وهذا ليس من التأنيب أو التوبيخ في شيء ، وإنما نوع من التذكير لنبي الله موسى عليه السلام القوي الواضح حيث زاد على القول في الحالة الأولى ( لك ) .

وهنا يأتي نبي الله موسى عليه السلام معتذرا ومؤكدا على منحه الفرصة الأخيرة قال الله تعالى : ( قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ) وأردف قائلاً : ( قد بلغت من لدني عذراً ) ، أي لم يعد لي بعد هذا عذر أعتذر به إليك .

الإشراقة الرابعة عشر : نبي الله موسى عليه السلام والدرس الأخير :

يقول الله تعالى : ( فأنطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية إستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما ) دخلا النبيان على أهل هذه القرية أو المدينة ، والتي يعرف أهلها نبي الله الخضر عليه السلام معرفة عظيمة وكبيرة ، فأستطعما أهلها الطعام فلم يطعموهما وهذا أقسى دركات اللؤم في النفس البشرية ، لدرجة أن الضيوف يستطعمونهم فلا يطعمونهم ، يطلبون الضيافة فلا يضيفو ، وبينما هما على تلك الحالة من الجوع الشديد والحاجة إلى الطعام وهما يمشون في شوراع المدينة البائسة بأهلها وقفا على جدار كما قال الله تعالى : ( فوجدا جداراً يريد أن ينقض فأقامه ) فقام الحضر عليه السلام ببناء الجدار وأعاده جديدا ، نبي الله موسى عليه السلام ينظر إليه ولا يتكلم ، فلما فرغ من البناء قال نبي الله موسى عليه السلام : ( قال لو شئت لتخذت عليه أجراً ) أي أنك ترى ما صنع بنا أهل هذه المدينة ، منعونا حتى الطعام ، فلو أنك طلبت من صاحب الدار الذي أقمت له الجدار الأجر على إقامة جداره لسد جوعنا ولم نمد أيدينا إليهم ، وهنا قال الخضر عليه السلام : ( قال هذا فراق بيني وبينك ) أي هذا الإعتراض الذي ذكرته هو الفراق بيني وبين صحبتك ومتابعتك وتعليمي لك ، ولكنني : ( سأنبؤك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً ) أي سوف أشرح وأبين الأعمال التي إعترضت عليها وأخبرك بتفسيرها وتوضيحها لك ، والتي لم تستطع الصبر عليها عند حدوثها .

الإشراقة الخامسة عشر : نبي الله الخضر يفسر خرق السفينة :

يقول الله تعالى : ( أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ، فأردت أن أعيبها ) هؤلاء مساكين هذه السفينة رلأس مالهم يعملون بها وعليها فعملت بها عيباً وذلك لأن : ( وراءهم ملك ) ظالم جبار ( يأخذ كل سفينة غصباً ) أي يسطو على السفن الصالحة والجديدة فينتزعوها من أصحابها بالقوة وقد يقتلوهم

لأجلك ذلك . وقد نسب هنا عيب السفينة لنفسه وإن كان الفعل بوحي من الله تعالى وهو أدب مع الله عز وجل

الإشراقة السادسة عشرة : نبي الله الخضر عليه السلام يفسر سر الغلام :

يقول الله تعالى : ( وأمّا الغلام فكان أبواه مؤمنين ) أي ينشأ في علم الله تعالى هذا الغلام كافراً فيحمل حب والديه له على أن يطيعاه : ( فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً ، فأردنا ان يبدلهما ربهما خيراً منه زكاةً وأقرب رحماً ) أي فأرادنا ان يرزقهما الله تعالى ولداً خيراً منه ديناً وهداية وصلاحاً .

الإشراقة السابعة عشرة : نبي الله الخضر عليه السلام يفسر سر بناء الجدار :

يقول الله تعالى : ( وامّا الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة ) أي الجدار الذي تم بناؤه كان لغلامين في المدينة و ( وكان تحته كنز لهما ) أي تحت الجدار كنز عظيم لهذين الغلامين والسبب في ذلك ( وكان أبوهما صالحا ) ، فهذا الأب الصالح ظاهراً وباطناً ، كان من أرباب الإخلاص والعمل الصالح وتوفير المال الحلال لأولاده ن وقد دفن لأولاده هذا المال تحت الجدار : ( فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمةً من ربك ) .

الإشراقة الثامنة عشرة : نبي الله الخضر عليه السلام يختم هذا التجوال :

يقول الله تعالى : ( وما فعلته عن أمري ، ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً ) أي كل الأعمال والأحداث التي رأيتها وشهدتها والتي لم تسطع عليها الصبر والتحمل ، كلها من أمر الله عز وجل لي ، وما فعلت كل ذلك من عند نفسي أبداً ، وانما من عند الله وبأمر الله تعالى . ( يتبع … )

*الدكتور: سالم بن رزيق بن عوض ـــــــ جدة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق