ثقافة السرد

العياشي

عمار بوزيدي

شاء الله أن أنزلق في حفرة لا يتجاوز قطرها الخمس و الثلاثون سنتيما ؛ هل تصدقون؟ كيف لمثلي أن يمر خلالها ، و لكنني مررت و انزلقت ، يدي المتحررة لم تقوى على تثبيتي ، أظن أنها انخلعت فقوة الجذب و الامتصاص و سرعته لم تمنحاني الفرصة للتشبث ، صرخت يا بُي يا خالي يا علي يا …يا …

ألم في كتفي يا يطاق و ضيق في نفسي لا يحتمل ، ذاك القرص الأبيض صار يتراقص في عيني ؛ سنة تغلبني إلى أن سمعت أصواتا أعرفها ، خالي نعم إنه خالي ينادي علي ، صوته هذه المرة ليس كما عهدته يشخط و يمخط فيّ إنه أكثر حنانا و عطفا الآن ، يا إلاهي و أبي ينادي باسم عرفت أنه اسمي ، إذا الكرناف ليس اسمي رغم أني لم أعرف طيلة عمري من اسمي إلا الكرناف و لحد الساعة لا أعرف له معنى ، ناديته يا بُي فأجابني : آه أحناني ، سال ماء على خدي حارا ، جأرت ، لكن نشيجا حارا من قلب موجوع بجراحات السنين الطويلة ينادي : يا العياشي يا وليدي هاو وش طيّحك ؟ قلت : يا أبي اسحبني اسحبني . اصبر اصبر ، و ألقوا بحبل أضعف من حياتي ، جذبوا الحبل و زاد انخلاع كتفي ألما .

يد رقيقة تمر على وجهي المكدود و إذا بالأنبوب يتسع و كأنني في الهواء معلقا ، فتحت عيني و إذا بحسناء لم أر في حياتي مثلها ؛ تغمرني بصوتها الناعم و تمسك بيدي: تعالى يا العياشي لقد انتظرتك طويلا ، تعالى و لا تخف ، أتذكر تلك الأرنب البيضاء التي أراد أخوك أي يصطادها فهربت إليك و تمسحت كالقط برجلك ؟ تلك هي أنا ، أتذكر تلك الورقاء التي تنوح على نافذتك و تطردها لكن تعود ؟ تلك هي أنا ، أنا معك يا حبيبي أينما ذهبت ، أنا النعجة الزائدة التي تحيّرك في حساب نعاجك ، أنا الملمس الناعم حين تأوي إلى غرفتك المظلمة ، أنا الحسناء التي تمتعك منذ أن احتلمت . فزعت و قلت : دعيني دعيني لن أصحبك . إلتفتت إلى بوجه لم أر أبشع منه في حياتي . لن أتركك يا العياشي . بصوت مزعج ساحبتا إياي إلى الأعماق ، واضعة كفها على فمي تريد خنقي ، و بتجهم : لن يأخذوك مني أنت لي لي وحدي . صرخت و صرخت بأعلى صوتي فخافت و ابتعدت سابحة في فضاء مظلم ، تنظر إلي شزرا .

زلزال عمّ المكان و أصوات كأنّها من الغيب تنادي عليّ ، أزيز يتزايد و يقوى أصرخ أصرخ ، سنخرجك يا العياشي لا تخف و إذا من الثقب شخص ينزل الهوينى إلى فضائي ، رأيتها تسرع و تحوم حوله تقترب من ضوئه . ارجع ارجع لن أسلمه إياكم و هي تصرخ بأصوات غريبة مزعجة .

رأيت عيشة حبي الأول و النور يجللها و ولدان بأجنحة يطيرون حولها ترفع عن وجهها الخمار و عينيها تبرقان كما كانتا تبرقان و نحن صغارا . عيشة ظننت مت ! ظننت أنني لن أراك أبدا .

و تبتسم و غمزة خدها تزيدها بهاء . أنا في جوار ربي أتنعم في الجنة و هؤلاء الملائكة يقومون على خدمتي .

أرى الجنية قد اختفت ؟ .

تريدك لها بعدما سلبتك عقلك .

و لكن من كل هؤلاء ، إنّهم شعب كثيف ؟ .

هؤلاء أحزنهم أمرك و أرادوا المشاركة في استنقاذك .

يجب أن أقدم لهم المساعدة فالبرد شديد و الجوع قاتل .

حملقت في عيني بحنان لم أعهده إلا أيام الصغر حينما ننعزل بخرافنا في سهلنا ، و قالت: ما أطيبك !

نزلت أقدم المساعدة و أوزع الطعام و شباب أنهكه التعب و الحزن باد على وجوههم تقدمت نحو أحدهم و الدمع ملأ خديه ، أعطيته قليلا من الخبز و الماء فامتنع ، بل و بكى و صرخ ، آه لو وفروا لنا الحفارات العملاقة ما كنا ننبش كالأرانب ، رحمك الله يا العياشي ، فضحتنا ، و كشفت عن معدن شعب طيب لو استطاعوا أن يحفروا بأناملهم ما بخلوا .

ضحكت و تعجبت : و كلكم جئتم لأجلي ؟ ليتني عرفتكم من قبل .

ليلة 27/12/2018

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق