ثقافة السرد

معركة شطرنج

أمينة بعامر*

أتمت محاصرة ملِكها، غير أنها لم تخذله، بل شعرت به هو من خذلها. حجتها كانت وجيهة تلك التي تمسكت بها بشدة: “لازلتُ حديثة عهد بالشطرنج”. لم تتقبل بعدُ حقيقة أن الملك في هذه اللعبة لا يموت بل يُحاصَر، فقد أثار حفيظتها ونال استغرابها في الآن ذاته عدم وجود دماء على أرض المعركة، الجنود هنا لا يسقطون مضرجين بدمائهم، ولا تتناثر أشلاؤهم بما يثير رعب النفوس، بل يُنقلون بلطف إلى جانب الحلبة.
ما أثار اشمئزازها أكثر هم الملوك واحتمال النجاة الذي يوفره لهم المربع غير المُسَوَّر، ففي الوقت الذي يُقذف فيه الجنود بعيدا عن أرض المعركة محمَّلين بعار الهزيمة وآلام الموت..، يظل الملِك يساوم على النجاة بحياته، وقد يوقع في النهاية وثيقة استسلام تضمن له بقية حياة هادئة بعيدا عن هذه العلبة الملعونة.
عندما أدركت أن الحرب هنا بلا دماء و أن هذا الملك الذي أفنى جيشه لن يموت، انتفضت على قدميها تهم بالرحيل قائلةً بتذمر: “لن ألعب هذه السخافة مجددا”، تاركة جيش الأعداء مهيمناً على أرضها كنمل مزهو بما ظفر به من سكَر.
مع خصمٍ منتصر وبابتسامة هازئة بلا روحها الرياضية…، فكرت الأخت الصغرى لاحقا أنها ستلعب الشطرنج دائما وأبدا، لا لشيء سوى لإذلال الملِك بالخسارات المتكررة، والثأر للجنود المساكين ولسان حالها يقول: ” أفضل أن أخسر معركة شطرنج على أخسر معركة واقع”. 

*غرداية/الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق