ثقافة المقال

تجليات الجنون والعبقرية !!!

معمر طاهر الشريف

يقال أن أميرا من أمراء عصر ليلى العامرية متيمة قيس بن الملوح احتار في قصة جنون رجل بسبب امرأة، وهل يمكن لهذا الأمر أن يكون صحيحا، فبعث في طلب ليلى، وعندما مثلت بين يديه، وكشفت عن وجهها، زادت حيرة الرجل، لأن جمال هذه المرأة عادي، فكيف يكون داعيا لجنون رجل.
فقال لها : أأنت ليلى ؟
قالت : نعم .
فقال : إني أرى جمالك عاديا، فكيف هام بك المجنون ؟
فقالت له ثانية : نعم أنا ليلى، لكنك أنت لست المجنون أيها الأمير، إذا أردت أن تكتشف جمالي الذي فُتن به المجنون يجب أن تراني بعينيه …..))
سواء أكانت القصة حقيقية وقعت فعلا ، أم أسطورية من نسج الخيال، ما يهمنا فيها هي فكرتها التي تكون قد تكررت عبر الزمن الماضي كثيرا ، وكم ستتكرر من بعد ، بشخصيات مختلفة ، وبيئات متباينة ، لكن جنونها لا زال شامخا يقهر غرور العقل القاصر المحدود ويصرعه.
يجب أن ترى جمال ليلى بعيني المجنون قيس أيها الأمير !

الأستاذ معمر طاهر الشريف

كلنا مجنون بطريقته الخاصة، بشخص ما، بفكرة ما، بعمل ما، بهواية ما، بسلوك ما، بمرض ما. فلماذا نلوم غيرنا على جنونه، في الوقت الذي ندافع فيه عن جنونا الشخصي بشموخ؟
لماذا ندافع دون وعي عن المثال الفريد، والمنوال الأوحد (ما أراه أنا) أو (ما يبدو لي صحيحا) ونود من الناس أن يشبهونا ويطابقونا، ونتمنى أن يكون لنا أكبر عدد من الأتباع، فنكون نسخا متشابهة ؟
تخيلوا معي لو أن الأمير بعث كذلك في طلب المجنون، وأحضره إلى قصره، وأقام على شرف قدومه حفلة فاخرة، وأراه كل ما يزخر به قصره من جوار وحرائر مختلفات الأجناس والألوان والأشكال، أكان المجنون يعيرهن اهتماما، أو يقيم لهن وزنا وهن يرفلن في حريرهن وحُليهن وزينتهن..
ولو أمر الأمير هذه البدوية الحافية ، بلباسها الرث، وهيأتها المعفرة برمال الصحراء، وعصا الرعي تزين يمناها، وقربة الماء تعلو ظهرها أن تتوسط هذا الحشد الكبير من الأميرات والجواري الحسان، أكانت عيني المجنون تستقر على صورة غيرها، أو تحوم على طيف سواها، أو تناجي ملامح أخرى دونها..
وهل إذا ترجى هذا الأمير المجنون بأن يقول شعرا في هذا الجمال الأخاذ الذي زخر به قصره، وانطوت عليه هالات حرائره وجواريه، أكان شيطان شعره سيوافقه ، أكانت سيول الإبداع والعواطف والخيال، ودرر السبك ستتدفق من عمق روحه ومشاعره فتنفجر طافحة، تملأ الدنيا وتشغل الناس، كعهدها في مجاهل الصحراء القاسية الجرداء، عندما يلوح له طيف ليلى ، لا شيء من هذا سيحدث ، سيرى المجنون هذا الحشد الذي جنّ به الأمير شيئا عاديا لا يدعو إلى انفجار ملكة الإبداع ، بل سيراه جمعا مقززا، لأنه مال كثيرا عن الفطرة، وانغمس في غدران التكلف والتصنع فأفسد بساطة الحياة الجميلة .
ولو جمع الأمير كل شعراء عصره، وأمرهم بأن يتفننوا في وصف هذه البدوية، ويكلفوا شياطين شعرهم ما تطيق وما لا تطيق ، فيقولوا، ويكثروا ، ويصفوا ، ويبدعوا، ويصدقوا حينا، ويجاملوا أحيانا ، هل ستحفل ليلى بكلمة مما يقولون ، وهل ستطرب بروي مما ينشدون ، كلا ستعتبره لغوا وسذاجة، لا يرقى كله مجتمعا إلى مصاف كلمة واحدة قالها فيها المجنون أو قافية عذبة منه حركت مكامن وجودها فأعطته قيمته الحقيقية في مجاهل صحراء العرب .
لماذا تطفح حياتنا المعاصرة بصنم المثال الوحيد ، والمنوال الأوحد، فتتحجر صورته في أذهاننا ومخيلاتنا، فيتجمد تفكيرنا عن التطلع إلى ما سواه . ليلى البدوية غدت في حوارها مع الأمير أكبر فيلسوفة ، وأعظم نفسانية ، استحوذت على عقول ونفوس كل من سمع بحكايتها لأنها جسدت الحقيقة ، وكشفت عن وجهها العميق الناصع ، في الوقت الذي عجز فيه هذا الأمير عجزا ذريعا عن الغوص في مجاهل النفس البشرية لاستجلاء بعض ما تنطوي عليه من أسرار. وهو الحاكم المطلق ، المتعلم ، المثقف الذكي المجرب ، والمطلع على أسرار نفسيات الأصدقاء والأعداء وقاهرهم .
لا مطلق في الحياة أيها السادة ولا منوال أوحد، قد يكون في جانب ..في حيثية واحدة من حيثيات التواجد البشري في الحياة ، أما أن يكون مطلقا قلا ، فلماذا نقدس أمثلة بعينها في الوجود ، ونهمل البقية ، أليس هذا إهدارا لكفاءات الحياة التي أرادها الله أن تكون في الوجود .
إذا أردنا أن ننصف الحياة ، وننصف أنفسنا فيها ، فلنبحث عن جذور الحقيقة في كل الربوع ، فهي مبثوثة في مجموعها ، وليست مكومة في مكان واحد ، ولندرس كل الأحوال ، ونتعامل مع كل الحالات ، ونحاول البحث عن مكامن الإبداع ، والعبقرية والتميز فيها ، مهما كانت تافهة ، فقد نجد فيها دررا كنا نظن أنها حكرا تنطوي عليها دوائر المميز فقط ، فلولا جنون المجنون لما أبدع ،وتطايرت أخباره وأشعاره وقوافيه ، وأشغل الناس قديما وحديثا .وقد تكون نيته لم تقصد هذه الشهرة ، والذكر الجميل الذي تعدت أخباره قومه العرب إلى غيرهم من الأقوام . نيته فقط كانت إبراز بعض ما انطوت عليه النفس البشرية من مشاعر الإعجاب والود الصادقة مشاربه ، فاجتمعت البساطة والبراءة والصدق ، لتفرز الإبداع الأعظم .
هنيئا لكل واحد بدرجة جنونه ما لم يتعد على الآخرين، ويقلقهم ، أو يقف أمام أحلامهم حاجزا ، أو يكون سببا في تدمير أمنهم وسعادتهم . أما الجنون العادي المسالم فهو جرعة زائدة من جرعات العبقرية، يجب تعهده ورعايته لئلا يضيع نوره مبددا في دهاليز المنوال الأوحد والمثال الأعظم . واسألوا المجنون قيسا إن شئتم سيوافيكم بالخبر اليقين ، وليلى البدوية ستوثق لكم هذا على عتبات قصر الأمير !
ليتنا نترك المجال واسعا لمن يريد ممارسة جنونه ، ونوفر له الحرية والدعم اللازمين ، والحماية الكافية ، فنشجع مجانين الفكر و العلم والفن والإبداع والتميز، وندعمهم مثلما دعمت حياتنا المعاصرة الآسنة أضدادهم وقدستهم .
وكم من عاقل دافع عن الجنون المبدع لأنه يتعالى بعنجهية عن العقل العادي العاجز : ” إن العبقري شغل بالعلم فكره كله ،فلم يبق منه شيء لفهم الحياة ، فصار عند أهلها مجنونا ” (1)

(1) علي الطنطاوي ، صور وخواطر ص 72

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق