قراءات ودراسات

حراء.. في قصائد شعراء الحجاز

دكتور السيد إبراهيم أحمد

يطلق الحجاز على المنطقة الغربية من المملكة العربية السعودية ومن مدنه الرئيسية: جدة، ومكة المكرمة والمدينة المنورة، الطائف وينبع.
والسؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن: لماذا فصلتُ شعراء العرب والمسلمين عن شعراء أهل الحجاز وكلهم يتناولون موضوعًا واحدًا وهو “غار حراء”؟!
وهو سؤال وجيه ولا شك، وتكمن الإجابة في أن لساكني الحجاز من بنيها الشعراء خصوصيةً في رؤاهم التي تقدمها شعريةُ نصوصهم، والتي تستلهم شاعرية المكان المقدس. غير أنه داخل منظومة هذه الخصوصية يمكن أن تتباين الرؤى، ودرجات الرقي بالنص الشعري والكلمة الشاعرة، من شاعر إلى آخر.
وإذا كانت مكة المكرمة، مهوى أفئدة المسلمين قاطبةً، قد ألهبت خيال الشعراء والكتَّاب في العالم كشفًا عن تجلياتها وعبقريتها مكانًا، فما بالنا بشعراء الجزيرة الذين تفيأوا ظلالها وطنًا أصغر وأكبر!
وعن مكة المكرمة في رؤى المبدعين بوصفها مكانًا له طبيعة خاصة يقول الدكتور منصور الحازمي في دراسته “شِعريَّة المكـان المقـدَّس ـ دراسات في الشعر السعودي”: (أمَّا مكة المكرمة فلا تعني هنا سوى المكان الذي يجمع إلى قدسيته البيئة والموقع والسكان باعتبارها مهادًا طبيعيًا للفكر والأدب).
ولعلّ في مكًّة البيئة والموقع والسُّكان باعتبار هذه الثلاثة إلى جانب قداستها مهادًا طبيعيًا للفكر والأدب في رؤى المبدعين، ما مثَّل رؤية ناضجة ومتكاملة عند كثير من شعراء الحجاز؛ فالشاعر عندما يذكر المكان نشعر أنه يولد شعورًا وإحساسًا لهذا المكان ويضفي عليه خاصية الحيوية والحركة.
إنَّ تجليات مكة مكاناً ومكانة عبقرية في شعر الشاعر المكي حيث تتخذ من المكان المقدّس هويّة حقيقية من حيث الانتماء بشتى مناحيه البيئّية والموقعيّة بل والشخوص الذين يعيشون فيه أهلاً وأصدقاء. إنّ عبقرية المكان تتجلى في كل ما يجمعه المكان قداسةً يكتسبها كل ما ومن يعيشون فيه.
ويمكن أن يتجلى هذا الملمح المهم في حيز عبقرية المكان من خلال قصائد شعراء الحجاز، ولا نستطيع أن نسترسل مع مكة ككل للدلالة على عبقرية المكان، بيد أننا سنقتصر على ما يتصل بغار حراء، ولن أورد كل من كتب من الشعراء الحجازيين كذلك، ومنهم:
الشاعر حسن عبدالله القرشي في قصيدته “في ظلال الغار”حيث يستجلي عبقرية غار حراء، وصحراء مكة، مكانَين أشرقا بالنبيّ بعثةً للنور، وذلك حين يقول:

هِّللي يا بطــاحَ مكـةَ حَقَّـتْ ​​دعوةُ الحقِّ من فتاكِ الرشيــدِ
هزّه الوجدُ حين وافاه (جبـــر​​يلُ) ببشرى ابتعاثِهِ المشــهودِ
وزها البشْرُ من خديجــة ثــرّاً ​​فرعته فرْحَى بقولٍ مجيــــدِ
ثم ألوى ميمماً وجهةالغــــا ​رِ بتكبيرة الإلـــه الحميـدِ
هي لحنُ الأجيالِ أنشودة الخيــ ​ر ورمــز الإلهـام والتشـييدِ
أشرقت بالهدى رحابُ الصحاري من سهولٍ مبسوطةٍ ونُجـودِ

استطاع الشاعر حسن القرشي بلغته الوجدانية الراقية أن يخْتَزَل قداسة المكان وتجلياته مرّةً أخرى من سَعَة بطاح مكة بالمفهوم الفيزيقي والميتافزيقي، إلى ضيق الغار الذي اتسع نورًا بقاصده صلى الله عليه وسلم، تحدوه تكبيرةٌ إلهيةٌ، أسبغ عليها الشاعر في تصويره لها لحنًا للأجيال، وأنشودةً للخير، ورمزًا يجمع بين الإلهام المجرد والتشييد المجسَّد، وهو ما جسده في أكثر من قصيدة له، ومنها قصيدته “مكة” حين دخل عليها واصفًا ما فيها من أماكن عانقت فيها الروح الإيمان ومازالت، فيبدأ بالكعبة المشرفة ثم يثَّني بجبل النور ثم إلى الغار.

من مكة المكرمة ينطلق صوت شعرائها بحبها وتمجيدها لما تحتويه من علامات رائدات في التوحيد، والدين الخاتم الذي شهدت أرضها ميلاد لحظته الوضاءة، وفيها غار حراء الذي يراه الشاعر ناصر بن مسفر الزهراني مَعلَمٌ ظاهر، ورمز باهر، ومورد جميل، ومنهل سلسبيل، ولكن لا يعرف كنهه إلا القليل، فيه أبعاد وأسرار وآماد وأخبار، إنه في مكة أول من يحتضنه الليل، وأول من يقبله النهار، وأول ما تقع عليه أعين الزوار، وتحيِّي هامته الأبرار ويسطع محياه للأخيار، في الله كيف تغفل عنه القلوب وتعمى الأبصار؟! مع أنه أول من وصل الأرض بالسماء، والفناء بالبقاء أنه غار حراء:

هنا انبثاقة أنوار العلوم هنا مهوى قلوبٍ وأرواحٍ وأنظاري
ومن هنا خير من سارت به قدم وخير هادٍ ومبعوث ومختار
هنا أتى الروح للمختار يأمره اقرأ. فما أعظم المقروء والقاري
وعاد يرجف والتفكير في ذهل إلى خديجة يشكو خوف أضرارِ
قالت له لن ترى ضيمًا ولا كدرا لا مكرم الضيف والمعدوم والجار
فقام ينشر للدنيا هدايته وأشرق الفجر من بوابة الغار

يقول الزهراني: (يا الله، يا الله، ما رأيتُ حراء إلا وأحسستُ أن قلبي طار من بين جنبي، ليرفرف على هامة حراء، ويلثم ترابه، ويرتمي على سدة الغار ويقبل أعتابه، ما نظرت إلى شموخه إلا وتذكرت العزة التي رفعنا الله إليها، والقمة التي جذبنا إليها).

من غارها مرت الدنيا بأكملها بلحظة كان منها مولد القيم
بلحظة ما مضى في الكون مذ خلقت أجزاؤه مثلها في الفضل والعظم
(اقرأ) تعطر سمع الكون أحرفها (اقرأ) ومن علم الإنسان بالقلم

حراء على هامته هبطت اقرأ، نزل بها الروح الأمين على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، حراء منه انبعث النور، وتنفس الصبح، وبزغ الفجر، من حراء بدأ التاريخ، وترعرع الزمن، وتألقت الحياة، ووقع نور السماء على بساط الأرض، في حراء تلقى اليتيم “اقرأ” فانفتح دفتر المجد، وسجد قلم التوحيد، وتضوعت منافذ النفوس، وتفتقت روائع العقول، وتألقت رايات العظمة، وبدأت رحلة العدالة:
أي أنسٍ تبثه يا حراء يا ضياء يغار منه الضياء
أي صوتٍ تشدو به في شموخٍ لقلوبٍ يهزهن الحداء

كتب الشاعر حسن محمّد باجودة قصيدته “في غار حِراء” من مَزْدَوَج الرَّجَز، وهو نمط شعري مبني على أساس الأبيات المصرعة بمعنى أنّ قافية الشطر الأول هي قافية الشطر الثاني نفسها، ويستخدم هذا النمط في نظم بعض المسائل العلمية بقصد حفظها، وربما كان هذا قصد الشاعر باجودة من وراء نظمها، ولن نجد لها في هذا المضمار مثيلًا من نمطها، وسأختار منها بعض أبياتها نظرا لطولها:

الرُّوح قد جاءَ إلى حِراءِ إلى حَبيبِ اللَّهِ في الضَّحاءِ
في مَلْبَسِ الشَّيْخِ الجَميلِ الصُّوَرهْ والهَيْئَةِ الجَليلةِ الوَقورة
فَاجَأهُ في مَوْطِنِ العِبادَهْ والخَلْوةِ العَظِيمَةِ السَّعادهْ
فتارَةً عَشْرٌ من اللَّيالي وتارةً شَهْرٌ على الكَمال
قال لَهُ إنّي أَنا جِبْرِيلُ وأنت يا محمّدُ الرَّسولُ
في قُوَّةٍ قد ضَمَّهُ وأَرْسَلَهْ كي يُدْرك الخَيْرَ الّذي قد سيقَ لهُ
قَالَ لَهُ اقْرأْ قال ما أُجِيدُ فَضَمّهُ في قُوَّةٍ تَزِيدُ
قالَ لَهُ اقرأْ مرّةً أَخِيرهْ وغَطِّهُ في آخِرِ الْمسِيرَهْ
قال لَهُ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبٍّ خالقِ لِلْعَبْدِ مِنْ ماسٍ نَقيٍّ دافِقِ
قَدْ نُقشَتْ آيُ الكِتابِ الْمنْزَلِ في صَدْرِ خَيْرِ مصطفىً ومُرْسَلِ

وقد كتب غير من ذكرنا العديد من الشعراء، وسأذكر بعضهم على سبيل الإشارة:
ينسب الشاعر محمد إسماعيل جوهرجي مكة له ويقرنها بالضياء وذلك في قصيدته “مَكَّتِي وَشَلاَّلُ الضِّيَاءِ”، كما تناول حراء الشاعر علي أبو العلا في قصيدته “مكة رحاب الوحي”، وكذلك يحكي الشاعر صالح سعيد الزهراني في مجموعته الشعرية “تضاريس الجلال” حكاية بطاح مكة، بينما لم يزل الشاعر إبراهيم فطاني يسمع لصوت الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يأتي مدويًا من حراء، في قصيدته “صوت من حراء”، في حين يصيح الشاعر إبراهيم أمين فودة في قارئه عبر قصيدته “قصة النور”، لينبهه إلى أن “حراء” لم يزل يتكلم، وعليه أن يصيخ السمع له.
ينقل الشاعر رافع علي الشهري لحظة نزول النور على النور صلى الله عليه وسلم في غار النور، من خلال جغرافية الحدث وتاريخيته وروحانيته في قصيدته “شعاع الوحي العظيم”، كما يتناول الشاعر سعد بن عطية الغامدي غار حراء في قصيدته: “خواطر في ظلال الوحي”، في حين يُقَسِم الشاعر صالح بن علي العمري كلمة “اقرأ” في مسئوليتها بين أمين السماء وأمين الأرض عليهما السلام في قصيدته “نفحات الهجرة”، ثم يتناول في النهاية الشاعر عائض بن عبد الله القرني من خلال قصيدته “محمد في فؤاد الغار يرتجف” تأثير “اقرأ” منذ أطلقها أمين السماء، وأقرها الرسول صلى الله عليه وسلم منهاجًا للأمة، فيقول:
ذابت عيون وأسماعُ وأفئدةُ​​ حُبّاً لمن نوره في الغار مكتنفُ
اقرأ فأنت أبو التعليم رائده​​من بحر علمك كلُّ الجيل يغترفُ
إن لم تَصُغ منك أقلامٌ معارفها​ فالزور ديدنها والظلم والصلفُ
تأريخنا أنت أمهرناك في أنفسنا نمضي على قبساتٍ منك أو نقفُ

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق