حوارات المجلة

الشاعرة المصرية هند الرباط للمجلة الثقافية الجزائرية:

لابد للمثقف الآن أن يقوم بدور فاعل في توجيه المجتمعات، والشعوب العربية قادرة على إعادة صياغة واقعها مهما كان متردياً..

شاعرة جميلة، رزينة، عميقة، مثقفة، تعرف ماذا تقول ومتى تقول، تعيش القصيدة بكل حذافيرها، لهذا يبدو النص الشعري الذي تكتبه كجزء من روحها وكيانها.. في هذا الحوار الذي خصت به الشاعرة هند الرباط موقعنا الثقافي، تكلمت عن القصيدة التي اعتبرتها شكل من أشكال التعبير الإنساني، مثلما تكلمت عن قصيدة النثر، وتكلمت عن الثورة المصرية والعربية التي قالت أنها تعيد اليوم صياغة دور المثقف العربي في سياق التغيير الثقافي والسياسي والاجتماعي، معتبرة ان الثورة لا تتجزأ من حتمية التغيير نحو الأفضل، مثلما تكلمت عن جملة من الأمور المهمة التي تخص الثقافة وعلاقتها بالإنسان، وبالتغيير نحو الأفضل.. إليكم الحوار كاملا:

المجلة الثقافية الجزائرية: لو طلبت من هند الرباط أن تتحدث عن نفسها.. ماذا ستقول؟

هند الرباط: أنا إنسانة حالمة صادقت دموعها وابتساماتها وجعلت من الشعر ترنيمة لذاتها ومهداً لآمالها وأحلامها.

المجلة الثقافية الجزائرية: أنت شاعرة أيضا… دعيني أسألك كيف تفهمين القصيدة؟ وكيف تنظرين إلى تأثيرها في الآخرين؟

هند الرباط: أفهم القصيدة على أنها  شكل من أشكال التعبير الإنساني ، بل هي شكل من أشكال التعبير الفني والجمالي يُعبِّر بها الإنسان عن  قضاياه ونزوعاته، طموحه، وآماله. وعن تأثيرها في الآخرين فهذا الأمر يتفاوت فيه الناس بمقدار تفاوت ثقافتهم وأذواقهم وحسب درجة شعورهم.

المجلة الثقافية الجزائرية: لعل من يقرأ لك يشعر أنه أمام شاعرة تدافع عن قلبها في زمن الحروب والحصار، والثورات المضادة أيضا.. هل تشعرين أن القصيدة الحديثة ما تزال تنبض بذات الأشياء الأولى التي ولد عليها الشاعر؟

هند الرباط: أود أولاً أن أشير إلى الحداثة بمعناها العام، فالحداثة تطوّر فكري ثقافي علمي واجتماعي يعمل على تجديد جذري بناءً على المجهود الذاتي من اكتشافات واختراعات و بحوث والتفتح على الحضارات الأخرى وأخذ منها ما يفيد، ولا تتم الحداثة إلا بتوفر شرطين أساسيين الأول هو التمسك بالهوية ولا يعني ذلك التقوقع في الماضي بل البحث في التراث عمَّا يدعم التقدم، والثاني التفتح العقلاني على الآخر بالاستفادة من تجربته في التحديث والتجديد. وبالنسبة إلى التطلع للحداثة في مجالات الأدب والفن فهو في رأيي أمر مشروع وظاهرة إنسانية صحية، ولقد تحدث الأستاذ الكاتب الجزائري القدير بشير خلف في مقاله القيم “إشكالية الحداثة في القصيدة العربية الحديثة “، تحدث عن ماهية الحداثة وكيف أنها رؤية شمولية بنيوية لقصيدة تشمل في الأساس موقف الشاعر، ورؤيته الفلسفية الفكرية والإنسانية من الوجود. والحداثة الإيجابية تنحو نحو الخير، وتقاوم الشر بكل  صوره، وأنا أعضد رأي الأستاذ العزيز بشير في ضرورة التلازم بين الأصالة والحداثة، وإن مثل هذا التلازم لا يتحقق إلا بفعل الإبداع، لأن الإبداع هو ماهية الفن، والفن شكلٌ ومضمونٌ، فالشكل هو صيغة التعبير، والمضمون هو الموقف. وما تعبير الحداثة في الأدب والفن إلا مرادف لتعبير الإبداع. وكما يقول الأستاذ القدير بشير “إن الدعوة إلى الأصالة فقط تؤدي إلى تقليد التراث، وتكراره وفي ذلك جمود الفن وزواله، والدعوة إلى المضمون فقط يؤدي إلى إخراج العمل الفني عن معناه لكي يصبح بوق دعاية لاتجاهٍ فكري، أو سياسي أو عقائدي”. أرى أيضاً كما يرى المفكر اللبناني الشهيد الأستاذ الدكتور حسين مروة في أن الفنان المبدع لابد أن نلاحظ في إبداعه النزعة الجمالية ،الأداة الجمالية، ثم الأداة المعرفية التي تطور أداة التعبير والصياغة، ثم النبع العاطفي والوجداني الذي يصدر عنه الأدب الإبداعي. وأؤيد كذلك رأي الشاعرة العراقية القديرة نازك الملائكة حين قالت “يعاني الشعر العربي المعاصر من مجموعة إشكالات منها التقليد  وضعف اللغة واستعمال اللغة العامية” وفي هذا الصدد أود أن أقول أنه من أجل الارتقاء بالقصيدة النثرية والشعرية على حد سواء لابد من الحرص على عدة أشياء أولها الارتقاء باللغة من أجل تعميق الوعي الكلمي ومن أجل أن تستعيد لغة الضاد بهاءها ورونقها  مما يساعد على خلق قارئ نوعي مثقف، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال الابتعاد عن الإسفاف والركاكة، وهجر الألفاظ العامية المبتذلة، والعناية بفصاحة اللفظ وجزالته، والتأنق في اختيار اللفظ  لتكون هناك مُلاءمة دقيقة بين الكلمة والأخرى في الجَرْس الصوتي، والحرص على التعبير الموجز في مواضع والمطنب في مواضع أخرى حسبما يقتضي الحال ،هذا إلى جانب وضوح الأسلوب، ودقة المعنى، وترتيب الأفكار.

2- استعادة الثقة بالنفس،  فليس من المعقول أن يكون الشاعر المعاصر امتداداً لتجربة الشعر العربي ما لم يؤمن إيماناً كاملاً بتجربته والإخلاص لها بعيداً عن كل المسميات القديمة وآفاقها لأن البناء القوي يجب ألا يكون على الأساس القديم لأنه في الغالب يكون متآكلاً وقد أضعفه الزمن، وليس من المنطقي أن ننسخ شاعراً عاش في القرن الرابع الميلادي ونجعله في جسد وقلب وعقل شاعر يعيش في القرن الواحد والعشرين ،فكما تتبدل عادات الناس وتتبدل ثيابهم تتبدل الذائقة أيضاً.

3- الانتماء للمكان والمحافظة على هيبة الشعر من خلال موسيقية ما يُكتب فلابد أن يكون الشاعر مسكوناً بالإيقاع فالشعر والموسيقى صنوان فيكون الناتج لوحة فنية جميلة لها لغة متفردة ومجاز غير مألوف.

ملحوظة جديرة بالإشارة: قصيدة النثر لها الحرية المطلقة في النظم فإيقاعاتها ما يأتي الشاعر وتعتمل في نفسه فيظهرها شعرية بإيقاع جماليته وما تصبو إليه نفسه. ومن المهم التلاقح مع الآراء المختلفة ومناقشة هذه الآراء اتفاقاً واختلافاً وعدم مصادرة أي رأي من أجل إتاحة الفرص لفتح نقاش يثري الرؤى ويعمّقها.

المجلة الثقافية الجزائرية: لعلي أقصد هل تستطيع قصيدة أن تحمي مدينة من الحصار، ومن التجويع ومن الترهيب….خارج النص؟

هند الرباط: القصيدة فن إنساني رائد يتيح الفرصة للإنسان كي يلتقي بإنسانيته في مجتمع إنساني يسوده العدل والقانون للخروج من الحصار السياسي والاقتصادي والمجتمعي الضاغط على الفرد والجماعة . والتنمية الإنسانية يقودها البشر لا الوحوش المختبئون خلف أقنعة البشر، وهذه هي فلسفة القصيدة روحياً وحياتياً

المجلة الثقافية الجزائرية: كما أن ثمة ما يسمى بقصيدة النثر التي أثير حولها الكثير من الجدل في الوطن العربي.. ما موقفك منها أولا، وهل تشعرين أن قصيدة النثر كيان استطاع أن يستقل عن القصيدة بمعناها المتعارف؟

هند الرباط: قصيدة النثر هي قصيدة أداتها النثر وهي جنس أدبي يستمد من الحداثة والثقافة أهم مقوماته، وهي ضرورة فرضت نفسها إزاء التطورات الحاصلة في المجتمعات ولم تظهر قصيدة النثر لكي تزيح شكلاً شعرياً سابقاً لها، وإنما ظهرت لكي تصبح إضافة فنية راقية للأشكال الشعرية السائدة، وفي الحقيقة أن وجود شعراء النثر يمثل ظاهرة صحية تشير إلى ربيع الشعر وقدرته على الحضور. .أما عن إجابة الجزء الثاني من السؤال الذي تفضلت به أستاذي العزيز والذي هو مكمِّل للجزء الأول من السؤال تجدر بي الإشارة في هذا المقام إلى أن العصر العباسي الأول كان من أزهى العصور التي تطوََّر فيها النثر تطوراً عظيماً، وقد امتزجت الثقافات الأجنبية وقتذاك من فارسية وهندية ويونانية بالعقلية العربية، فكانت عاملاً قوياً من عوامل ازدهار النثر، ولقد فرض النثر هيمنته الفعلية في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن المنصرم، بحيث أصبح حتى المعارضين الشرسين لهذا النوع الشعري لا يجدون مصطلحاً لغوياً بديلاً عن قصيدة النثر ينعتون به هذا الكائن الجديد الذي فرض حضوره بقوة، ولهذا أرى أن النثر يدل وجوده على استقلالية ذهنية وجمالية، والظواهر الشعرية والفنية على اختلافها كظواهر حية تموج بكل ما يموج به الكائن الحي من دواعي التبدل وضرورات الوجود والعدم. ومن أجل أن تتطور قصيدة النثر يجب أن تسعى إلى أن تكون ظاهرة فنية، ولن يكون لها ذلك، إلا إذا تمكنت بمقدرة كتََّابها من امتلاك أدواتها السليمة معرفياً ورؤيوياًً. فالأدب – والشعر منه بشكل خاص – ليس طريقة خاصة في التعبير فحسب وإنما هو طريقة خاصة في الرؤيا كذلك، والتلاعب باللغة وحده لن يخلق قصيدة النثر، ما لم تنهض الرؤيا لتحرك ذلك النسيج اللغوي والخاص بتشكيلاته المتميزة.وقصيدة النثر ليست كما يعلن البعض أنها سهلة الكتابة، بل هي صعبة الكتابة، وكونها قد تخلت عن الوزن، فكان لا بد من إحلال إيقاع موسيقي داخلي محله، يعمل على شد بنية القصيدة نحو المركز، وخلق علاقات حيوية بين مفاصل القصيدة، لتترك أثرها الواضح على ذائقة المتلقي، ومن هنا فإن كاتب قصيدة النثر يحتاج إلى دراية خاصة بهذا النوع من الجنس الأدبي.

المجلة الثقافية الجزائرية: تصنفين ضمن شاعرات الرومانسية.. كيف تفهمين القصيدة الوجدانية؟ وهل تشعرين أنها استعادت مكانتها في خضم الزخم الكبير داخل القصيدة الحديثة؟

هند الرباط: لقد اعتبرت الرومانسية ذات الشاعر المحور الأساسي الذي تدور حوله التجربة الفنية، وجعلت من الإنسان سيِّد نفسه، وذاتياً إلى أبعد الحدود !! ولذا يأتي الشاعر الرومانسي غنائياً صافياً عميق العاطفة غزيرها متدفق الخيال مرهفاً منجذباً إلى الطبيعة يناجيها مندمجاً فيها ينطقها، يحل فيها وتحل فيه، متأرجحاً بين الحلم والواقع، فالأدب الرومانسي هو أدب العاطفة والخيال والتحرر الوجداني والفرار من الواقع والتخلص من ربقة الأصول الأدبية التقليدية، ولهذا فالصلة وثيقة بين الرومانسية كمذهب جمالي فني والليبرالية كمذهب تحرري، إذ أن كليهما يستهدف التحرر الإنساني. لهذا جنحت الرومانسية إلى استعمال اللغة الرقيقة الشفيفة. والغاية من الأدب الرومانسي هو التوق للجمال والتصوّرات المثالية والاستجابة للمشاعر، وهذه المشاعر تمثل الخير والجمال المطلق، لأنها نابعة من الضمير الإنساني الرافض لشرور المجتمع وأدران النفس البشرية . ومثلما شهد القرن الثامن عشر في أوروبا بزوغ فجر الرومانسية شهد الأدب العربي في مطلع القرن العشرين متغيرات كثيرة دفعت البعض إلى البحث عن مذهب أدبي جديد يخلصه من تقوقع الأدب التقليدي القديم وتحجره، فسلك الفكر العربي أدبياً وثقافياً مسلك الأدب الرومانسي الغربي. وقد غزت الرومانسية الشعر العربي على أيدي شعراء المهاجر الأمريكية كجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ، وإيليا أبو ماضي ، وشفيق المعلوف وغيرهم، وشعراء مدرسة الديوان العقاد والمازني وشكري، ويعتبر الشاعر خليل مطران أبا الرومانسية العربية ولكن جبران خليل جبران هو أول مؤسس للمذهب الرومانسي العربي، فهو أول رومانسي عربي أدباً وحياة ، وقد كانت قبله أصوات خافتة متقطعة في هذا المجال. ولكنه هو الذي نفخ من روحه في هذا المذهب، وأعطى له معالم وخصائص مميزة واتخذه فلسفة في حياته. بيد أن الرومانتيكية في الشعر العربي ما بين الحربين العالميتين لم تكن سوى تقليداً للرومانتيكية الغربية ،أمّا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد باتت تمثل معاناة الإنسان العربي الذي يتمزق وينزف داخلياً من خلال الحضارة الجديدة التي يعيش فيها ويمارسها، فباتت الرومانسية احتجاجاً على الواقع السييء والحياة المؤلمة التي طالما عانى من وقعها الإنسان العربي، وأخذت تعكس ما في داخل الشاعر من آمال وأحلام، وقلق وأحزان وغربة واستلاب. وبينما نجد الشعراء الذين تأثروا بالتيار الرومانسي في فترة ما بين الحربين كخليل مطران، وجبران وغيرهما من شعراء تلك الفترة لم يخرجوا على التقاليد الأدبية الموروثة، ولم يغيروا في شكل القصيدة، ولم يتخلوا عن أوزان الشعر وقوافيه، نجد الرومانتيكية العربية قد تطورت في مرحلتها الثانية فظهر شعراء العراق المعاصرون كالسياب، ونازك الملائكة وبلند الحيدري، ويوسف عز الدين وعبد الوهاب البياتي، وظهر أدونيس وخليل حاوي وأنسي الحاج والماغوط ويوسف الخال في سوريا ولبنان كما ظهر توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم في فلسطين ،ظهر كذلك صلاح عبد الصبور و أحمد عبد المعطي حجازي في مصر. ثم اتسعت دائرة الرومانسية وتشعبت لتشمل جمعاً من جيل الشعراء الشباب في العالم العربي بأسره.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف تتكون لديك القصيدة؟ وهل لديك طقوس قبل وأثناء وبعد الكتابة تحرصين عليها؟

هند الرباط: تتكون لديّ القصيدة وأنا نصف نائمة، نصف يقظى، متأرجحة بين الحلم والحقيقة. ليس لدي طقوس بعينها قبل أو أثناء أو بعد الكتابة لأن الإلهام حين يداهمني، يداهمني بغتة، فأجدني وقد انفردت بقلبي وعقلي ووجداني.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف تقرأ هند الرباط زملاءها الشعراء في مصر وفي الوطن العربي، ومن هم الشعراء الذين تشعرين أنهم أثروا بك كثيرا؟

هند الرباط: المشهد الثقافي في مصر وفي الوطن العربي يحتاج إلى إعادة صياغة كي يسطع نجمه من جديد .وعن الشعراء الذين أثروا بي بعمق الشاعر الفرنسي الرومانسي النبيل ألفونس دي لامارتين، ومن الشعراء الإنجليز لورد بايرون وجون كيتس وويليام وردزورث، الشاعرة الألمانية أولي كوميندا سانتجيرات، الشاعرة السويدية كارين بوييه، أمير شعراء روسيا النبيل ألكسندر بوشكين، الشاعرة الدنماركية الأصل البرتغالية النشأة صوفيا دي ميللو، الشاعران الألمانيان الكبيران يوهان فولفجانج جوته وفريدريش شيلر، أما بالنسبة للشعراء والأدباء العرب الذين أثروا بي ،الأديب المصري الكبير يوسف السباعي ،الأديبة الوجدانية اللبنانية الفلسطينية مي زيادة، شاعر القطرين خليل مطران، الفنان الأديب اللبناني الكبير جبران خليل جبران، الأديبة الجزائرية القديرة أحلام مستغانمي، الشاعرة العراقية القديرة نازك الملائكة، والأديبة السورية الكبيرة غادة السمان.

المجلة الثقافية الجزائرية: العديد من الشعراء توجهوا إلى الكتابة الروائية في الوطن العربي.. هل فكرت في هذا المنحى؟

هند الرباط: مع حبي وتقديري الكبيرين للرواية لم أفكر يوماً في كتابتها، لكنني أعشق قراءتها بالطبع.

المجلة الثقافية الجزائرية: سأسألك ككاتبة، كيف عشت الثورة المصرية، وكيف تعيشين الثورات العربية الراهنة؟

هند الرباط: لم أتفاجأ بالثورة المصرية بل كنت أتوقع حدوثها قبل انبلاجها، لإيماني بما غرسته الأجيال السابقة في الأجيال اللاحقة من وعي نضالي على مر التاريخ، ولقد استعاد المصريون كرامتهم وعنفوانهم بتلك الثورة المجيدة، وسيبقى ميدان التحرير شاهداً وناطقاً بلسان وضمير كل مصري عاشق للحرية والعدالة الإنسانية.ومن أرض تونس الحبيبة انطلقت شعلة كل الثورات الحالية، فتونس الحرة هي المهد الساطع لكل الثورات العربية الراهنة، ولم أتفاجأ بهذا الأمر أيضاً لأن تونس حالة ثورية خاصة في الوطن العربي، وهذا ليس غريباً على شقيقتنا العزيزة تونس، فمنها خرج أبو القاسم الشابي وابن خلدون وغيرهما من الأسماء المتميزة، ولقد عشت الثورتين المصرية والتونسية بكل معاناتها الوجدانية وآلامها الروحية. ورغم أن أهداف الثورة لم تكتمل بعد في تونس ومصر، إلا أن من ينظر بعمق لما حدث سيلاحظ التغيرات الجذرية التي تقع في كلا البلدين، فلقد صار بإمكان الشعبين التونسي والمصري أن يتنفسا هواءاً نظيفاَ وأن يتذوقا طعم الحرية بزوال الفساد والظلم والاستبداد، ولكن تبقى المعركة متواصلة والتحديات مطروحة.

المجلة الثقافية الجزائرية: ثمة من يقول أن الثورات التي نجحت مجازا لم تحقق إلى الآن أبسط مطالب الشعب، وان الثورات المتبقية تبدو “مؤامرة” أكثر مما هي ثورة.. ما رأيك أنت في هذا؟

هند الرباط: أعتقد أن الشعوب العربية قادرة على إعادة صياغة واقعها مهما كان متردياً، فالإرادة القوية تستطيع أن تستأصل شأفة الفساد وأن تزيل كل أشكال الظلم والديكتاتورية. إذاً رياح التغيير تلك من شأنها أن تطهِّر الأرض العربية من كل الأنظمة الفاسدة مهما طال الزمن أو قصر. أما بالنسبة للشق الثاني من سؤالك أستاذي العزيز، فلا أعتقد أن الثورات المتبقية تبدو مؤامرة، لكن لابد وأن تحدث محاولات للسيطرة عليها أو توجيهها من قبل القوى السياسية الخارجية الصهيوأمريكية لخدمة مصالح إسرائيل وأمريكا والغرب بشكل عام. وبرغم كل شيء علينا أن نحيا بروح الأمل والتفاؤل دائماً.فالعبث أو اللامعنى لايمكن أن يكون هو الكلمة الأخيرة في دراما الحياة.

المجلة الثقافية الجزائرية: ما الدور الذي يفترض أن يلعبه المثقف العربي إزاء الراهن في البلاد العربية ككل؟

هند الرباط: الثورات العربية الراهنة تعيد اليوم صياغة دور المثقف العربي في التغيير الثقافي والسياسي والاجتماعي  والذي يفرض نفسه بقوة على المنطقة وشعوبها ، فلابد للمثقف الآن أن يقوم بدور فاعل في توجيه المجتمعات والأشخاص الغارقين في تساؤلات الحيرة والباحثين عن أجوبة كي يأخذ بأيديهم نحو “الخلاص” المعرفي. وهذا يتطلب من المثقف العربي الالتحام بالجماهير، وبالتالي أرى أن التحديات التي تُطرَح على المثقف العربي  اليوم كبيرة، لكن مهما كانت التحديات عليه أن يقوم بدوره على الوجه الأكمل.

المجلة الثقافية الجزائرية: دعيني أسألك الآن: ما مدى اقترابك/ إطلاعك على الأدب الجزائري؟

هند الرباط: اقترابي من الأدب الجزائري حميم منذ البدء في الكتابة، فاحتكاكي  بكتاب وأدباء الوطن العربي أتى قبل احتكاكي بكتاب وأدباء مصريين، حيث أنني أكتب وأشارك في مواقع أدبية عربية فكانت الفرصة أمامي سانحة كي أتعرف على كتاب وأدباء من الوطن العربي بشكل عام ومن الجزائر الحبيبة بشكل خاص، ومما لاشك فيه أن الأدب الجزائري يزخر بأسماء كثيرة قديرة ومبدعة .

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأين؟

هند الرباط: أقرأ الآن كتاب” رحلة إلى الشرق ” الذي وضعه الشاعر الرومانسي النبيل ألفونس دي لامارتين عام 1835م والكتاب عبارة عن مختارات من الرحلة في قرابة سبع مئة صفحة ولقد تعاون على ترجمته الكاتب السوري جمال شحيد والمترجمة اللبنانية ماري طوق، حيث ترجم كل منهما قسماً من الرحلة. يتناول الكتاب أحداث 16 شهراً تجوَّل فيها لامارتين في مختلف بقاع البلدان الواقعة في الضفة الشرقية من البحر الأبيض المتوسط، وفيه روى لامارتين تفاصيل رحلته بكثير من الدقة والرومانسية، واصفاً ذكرياته وانطباعاته عن الشرق وسكانه وأديانه وعاداته وأوضاعه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفي الكتاب عبَّر لامارتين عن قناعاته الدينية والثقافية والسياسية التي يجب وضعها في إطار القرن التاسع عشر. وقد عشق لامارتين الشرق، فرأى أنه أرض المعجزات والرسالات السماوية.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تكتبين؟

هند الرباط: أتممت كتابة ديواني الجديد، ويحمل عنوان “إيقاع الذاكرة ” وهو يحتوي على باقة من الأشعار المنثورة التي تخاطب الوجدان الإنساني.

المجلة الثقافية الجزائرية: كلمة ترغبين في قولها؟

هند الرباط: سعدت وشرفت بالحديث معكم أستاذي العزيز، وفي الختام أبعث لكم ولكتَّاب وقرَّاء المجلة الثقافية الجزائرية العزيزة بجليل امتناني وعميق إعزازي وتقديري، وخالص مودتي واحترامي للشعب الجزائري العظيم ، وكل الحب للجزائر الغالية صانعة التاريخ المجيد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق