حوارات عامة

كاتب الأطفال أحمد العباسي:

((عالمنا العربي يزخر بالعديد من الكتاب المحترفين))

حاوره: محمد المطارقى*

يمتاز بالبساطة المدهشة.. فهو يشعرك حين الحديث معه وكأنما خرج لتوه من أعماق كتاب، من تلك الكتب الرائعة التى تمتلك القدرة العجيبة على اجتذابك، هو نموذج صريح للامتزاج العجيب الذى يجمع بين التواضع والرقى.. الخيال الجامح، والواقع المعاش، هو صنيعة أصابع حانية عند مرحلة تكوينه الأول. كل ما يملكه من العالم خيال طفل متوقد، فكانت معلمته الأولى بالمدرسة أبلة “حنان” التى تجيد موهبة الاستماع الجيد، فكانت المشجع الأول.. ثم كان البيت دافع آخر ممثلا فى أب واع، وأم حكيمة ، وأخت طيبة..هكذا البيت والمدرسة حين يلتقيان معا على هدف مشترك هو الاهتمام والتشجيع بتلك النبتة الصغيرة التى تنبأ ـ على مرمى سنوات قليلة ـ بوجود شجرة كبيرة ، وارفة الظلال، يمكنها أن تثمر روائع من الفن والإبداع.
“أحمد العباسى” يؤكد على أن المبدع الحقيقى يتمثل فى سلوكه، وكلماته وأفعاله كل القيم النبيلة التى تحملها كتاباته.. هو ينحاز نحو الخير والجمال.. يحلم بواقع أفضل.. تتحقق فيه كل الأمنيات الجميلة الحق، العدل، المساواة..وهو يقوم بتقديم رسالته على هذا النحو بصورة تليق بطفل عصرى، وهو يدرك تماما أن ثمة وسائل أخرى تتجاذبه وتعمل على أسره..فقدم لنا عشرات بل مئات القصص والسيناريوهات فى مجلات عديدة.. وصدر له أكثر من رواية ، كما حصل بجدارة على جوائز عدة تؤكد على نجاحه.
شكرا للكاتب والأديب المبدع أحمد العباسى الذى منح طفولتنا البريئة كل هذا الألق، والسعادة المعجونة بالعلم والمعرفة..   وهاكم الحوار:

كاتب الأطفال “أحمد العباسي” كيف كانت طفولته. نشأته.أحلامه؟

“بسم الله الرحمن الرحيم” في البداية بشكر حضرتك على الحوار.. طفولتي عادية العب مع الأصحاب والجيران وغيرها من الأنشطة، إلى أن انتقلت إلى مدرسة أخري، وتحديدا كنت في الصف الرابع، كانت الخطوة الأولى في حياتي، فقد اكتشفت شغفي الشديد بالقراءة، من خلال الأنشطة الثقافية في تلك المدرسة، كل فصل يوجد فيه حبل معلق يضع فيه كل طالب قصة، ويتم تبادلها بين بقية الزملاء، وقراءتها وقت “الفسحة”، أتذكر حينها أنى أنهيت جميع القصص في يوم واحد، وانتقلت للفصول المجاورة للاطلاع على ما لديهم من قصص.
ومع وجود “أبله” حنان، التي كانت تستمع إلينا وتشجعنا جداً على القراءة، وتدعم أي أفكار نقدمها.. التي كانت تسعى لاكتشاف مواهبنا.
قرأت كل القصص، وقررت حينها أن أكتب قصة مثل تلك التي قرأتها، وهنا كان دعم الأستاذة حنان التي اطلعت عليها وأبدت حماس غير عادي، وتشجيع لى بالاستمرار، أضف إليه وجود صديقي وابن عمتي خالد الذي شجعني بكتابه القصة بخطه الرائع كنوع من الدعم، وشاركت بها في مسابقة المدرسة للكتابة، والجميل أنني حصلت على الجائزة، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن والحمد لله لم أتوقف عن الكتابة.

أهم الشخصيات التى كان لها أثر بالغ على تكوينك الإنساني والإبداعي؟
 
أمي حفظها الله وأطال في عمرها، هي مدرستي الأولى حقيقي وليس مجرد كلام كانت تستحسن كل ما أفعل وتشجعني إذا لم يكن به مخالفة بالتأكيد، وكذلك أبي حفظه الله وأطال في عمره، الذي علمني الكثير من فنون الحياة، والأستاذة حنان التي تحدثت عنها، بالإضافة إلى أختي أيمان التي كانت مشروع شاعرة رائعة كذلك سحر التي كانت تقرأ كل ما أكتب وتنقده نقد جيد يضيف لي الكثير.
صديقي الصدوق عمرو طلعت الرسام المتميز فهو أول من أسس معي مجلة في المدرسة، وأول من شاركني النشر كمحترفين في مجلة “علاء الدين” كان ذلك في مرحلة مبكرة قبل إنهاء الدراسة الجامعية.
أما بعد الاحتراف تعلمت الكثير من الأب الروحي لي الكاتب “علي ماهر عيد” الذي أدين له بتعلم فنون الرواية.

لماذا اخترت هذا العالم بالذات ..”عالم الكتابة للطفل”؟

سبب اختياري لمجال الكتابة للأطفال بجانب حبي الشديد لهم، إيماني بمدى تأثير القراءة على الطفل، فأنا مثلا لم “أدخن” بسبب قراءة قصة عن أضرار التدخين فالقراءة تأثر بشكل مباشر في حياة أطفالنا وتنعكس على سلوكياتهم، لذا قررت ان أبدا وأكمل مع عالم الأطفال.

لك رصيد هائل من النصوص الإبداعية، وكذلك السيناريو (الكوميكس) المتميز، والتى تم نشرها فى أهم المجلات المصرية والعربية، من واقع خبرتك كيف يمكن لكاتب الأطفال أن يقدم سيناريو جيد؟

الحمد لله بالفعل لي مئات النصوص التي نشرت داخل وخارج مصر، ومن مميزات العمل في المجلات أنها تشجعك على الكتابة باستمرار.
أما بالنسبة لكتابة السيناريو المتميز فيجب أن يدرك الكاتب أن النص المصور (الكوميكس) ينقسم إلى ثلاثة جوانب، الأول: القصة.. يجب أن يهتم الكاتب بها بقدر اهتمامه بالنص السردي، ثانياً: تقسيم الكادرات أمر مهم للغاية يجب ألا يتركها لخيال الرسام فهي مهمة الكاتب فيجب عليه أن يكتب تصوره بوضوح (ويمكن للكاتب إتقان هذا التقسيم عن طريقة مشاهدة العديد من القصص المصورة وكيفية تقسيمها وميزة تعلم التقسيم أنه لا يحتاج للغة فأنت تطلع على رسوم لا تحتاج للغة) أما الجانب الثالث فهو الحوار والذي يجب عدم الإفراط فيه فكل ما يمكن أن يقوله الرسم يجب ألا تكتبه في بالون الحوار.

شاركت فى إعداد وتحرير عدد من مجلات الأطفال، بجانب إسهاماتك الإبداعية فى العديد منها… رأيك فى المواد التى يتم نشرها.وما هى أهم الأسماء فى نظرك التى استطاعت أن تقدم مواد جاذبة للطفل ومفيدة؟

للأسف الشديد الكثير من المجلات تعتمد على أفكار تقليدية في معالجة القصص وأغلبها يعتمد على الوعظ المباشر وهو ما ينفر منه الطفل، وقد كان لنا في مجلة “تووت” بعض التجارب الناجحة التي كانت غير تقليدية ولاقت استحسان فاق الوصف وهو ما يبرهن على أن الطفل يحب الاختلاف ويمل من التكرار، وتلتها تجربة رائعة في مجلة “باسم” من فريق مميز للغاية.
الكثير من كتاب الأطفال أصدقائي وتربطني بهم علاقة مهنية جيدة، ولهم تجارب مميزة، فلا حاجة لذكر الأسماء، وإن كان رأيي الشخصي أن الفنان معلوف… ظاهرة صعب تكرارها ككاتب ورسام في فن “الكوميكس” وأعتبره رائد هذا الفن في مصر.

ما هى أهم القضايا التى تشغلك دوما، وتحاول تضمينها أعمالك الإبداعية؟

كل ما يبنى شخصية الطفل ويجعله قادر على التفكير والاختيار وعلى طرح الأسئلة أتمنى بحق أن نساهم في بناء شخصية أطفالنا، فهم مستقبل بلادنا، وأهم أسباب نهضة المجتمع
وأمنيتي الحقيقية أن يحب الأطفال القراءة، وتصبح جزء من حياتهم اليومية فطبيب أو مهندس أو معلم يقرأ أفضل مليون مرة، من متخصص لا يقرا.

رواية: (الأيدي الصغيرة تبنى أحيانا) الصادرة عن دار “نهضة مصر للنشر”والتى حصلت بها على جائزة “الملتقى العربي لناشري كتب الأطفال” لفئة كُتاب اليافعين في دورته الخامسة لعام 2018، وذلك ضمن فعاليات “مهرجان الشارقة القرائي للطفل.” ما الرسالة التى تحملها هذه الرواية ؟

تحمل الرواية في طياتها عدد من مشاكل التعليم، وعرضت رؤيتي المتواضعة لتقديم بعض الحلول سواء داخل المدرسة أو خارج أسوارها، فالأطفال حاولوا تغيير أنفسهم ومدرستهم ثم قريتهم ووجدوا أنفسهم يغيرون بلادهم.

ألا تتفق معى بأن مدارسنا لم تعد تهتم بالمواهب الفنية وروح الإبداع والابتكار عند التلاميذ..ولم تعد حريصة على حصص المكتبة والقراءة الحرة، والأنشطة الفنية والثقافية بل والرياضية أيضا مما أدى إلى إفراز أجيال ضعيفة وهزيلة ؟

للأسف الشديد هذه حقيقية والأزمة الأكبر أنها أصبحت تقتل هذه المواهب وتحرص على إخراج قوالب متشابهة.
إهمال الأنشطة داخل المدرسة يؤدي إلى مشاكل أكبر، وهذا ما عرضته في أحد رواياتي فمن خلال الأنشطة الفنية والثقافية يمكن تجاوز مشكلات العنف والتنمر في المدارس، وكذلك اكتشاف المبدعين من طلاب المدارس.

رأيك فى المناهج الدراسية. والنصوص الأدبية التى تتضمنها .. وقدرات المعلم التى تمكنه من الوصول الى التلميذ تاركة أثرا سلبيا .. أو ايجابيا يظل ملاصقا له طوال حياته؟

الرواية والقصة هي الطبق الذهبي الذي نستطيع من خلاله تقديم كل ما نريد إيصاله للطفل في جميع المجالات، ولو أدركنا هذه الحقيقة ستتغير أمور كثيرة في التعليم، هناك تجارب رائعة في تدريس التاريخ مثلاً من خلال الروايات في بعض مدارس دول عربية في لبنان وغيرها من الدول الأجنبية.
فعلينا أن ندرك أنَ أطفالنا جيل مختلف عن الأجيال السابقة، فالطرق التقليدية التي يتبعها المعلم، لن يتجاوز أثرها أكثر من يوم الامتحان، ولن تضع بصمه على شخصية الطفل، على كل المنظومة التعليمية وكل من له صلة بالطفل، أن يطور من قدراته وينمى مهاراته ليتمكن من منح الطفل ما يستحقه من التعليم والرعاية.

ماهى المناطق التى يتوجب على كاتب الأطفال أن يحذرها عند كتابة عمل للطفل. وما هى الطريقة الأمثل للوصول إلى أدب جيد.

لا توجد حدود لفكر وخيال الطفل، والكاتب الجيد هو من يكتب للطفل ولكل ما يدور حوله، الأهم ان تعرض الموضوع بأسلوب بسيط من دون استخفاف، مفهوم وبعيد عن التعقيد، التجديد والتنوع في أساليب العرض، ومن الأمور التي اعتبرها مهمه عدم التعالي على الطفل عند الحديث في أمور تهمه، فالطفل يمتلك قدرات غير عادية ومساحة الخيال لديه تفوقنا بكثير، علينا ان نضعه على أول الطريق، ونسمح لخياله بالتحليق.
أفضل طريقة للوصول لأدب جيد هي الإعداد الجيد للكاتب نفسه فلا يُعقل أن يكون الكاتب لا يقرأ وغير مطلع وليس لديه ثروة لغوية كافية ثم يعتقد أنه يستطيع تقديم أدب جيد. كذلك عدم النظر للكتابة على أنها أمر ثانوي يستطيع أي شخص القيام به.

ما أهم المعوقات التي تحول بين كاتب أدب الطفل، وبين وصول منتجه الإبداعي إلى القارئ المستهدف؟

النشر والتوزيع؛ فالكثير من الكتاب الجيدين جداً قصصهم وإبداعهم حبيسة الأدراج وللأسف بعض دور النشر تطلب من المبدعين مبالغ مالية مقابل نشر أعمالهم وهو شيء غاية في السوء. كذلك عدم التوزيع والتسويق الجيد للكتب، وهذا الإهمال سببه عدم الإدراك الحقيقي لأهمية الكتاب.
أضف إلى ذلك قصور حركة الترجمة من اللغة العربية للغات أخرى وهو ما كان يحدث كثيراً في الستينات.

هل بلغ أدب الطفل فى عالمنا العربي الحد المأمول. أم أن الطريق لا يزال طويلا؟

عالمنا العربي يزخر بالعديد من الكتاب المحترفين، والذين قدموا لأدب الطفل الكثير من الروائع، والكثير منهم حصل على جوائز عالمية، وتم تكريمهم على أعلى مستوى، في مصر مثلا نجد ان أدب الطفل فيها متقدمة للغاية ويمكن ان يرقي للأدب العالمي إذا ما تم ترجمته.
فبعد الاطلاع على الكثير من الروايات العالمية والتي حصل بعضها عل جائزة نوبل والبوكر أزعم أن لدينا قصص وروايات تضاهيها وإن كانت تتفوق عليها في بعض الأحيان، خاصة في مجال روايات اليافعين.

رأيك فى المشهد الأدبي والثقافي الخاص بمجلات الطفل، وما الدور الواجب على الدولة أن تقوم به؟

العالم العربي يحتاج لعشرات المجلات، فالمجلات لها روح خاصة وقادرة على التطور السريع ومواكبة متطلبات الطفل، من خلال التفاعل المباشر الاسبوعي أو الشهري، وكون ان المجلات غير مربحة فإن القطاع الخاص لا يسعى للاستثمار فيها، ومن هنا يأتي دور الدولة، للاهتمام والرعاية بالمجلات وكتب الطفل عموماً من خلال تسهيلات والامتيازات لمن يقوم بمشاريع تهتم بالجانب الأدبي والثقافي عموما وللطفل بشكل خاص، ودعم القصص والكتب، ليكون سعرها في متناول الجميع، فكما تعلم الكتب أصبح سعرها مرتفع للغاية بسبب ارتفاع ثمن خامات الإنتاج، لم يعد هناك قصص منخفضة التكلفة كالتي كنا نشتريها “بمصروفنا”

وأخيرا رسالة تود تقديمها فى نهاية هذا الحوار؟

كثيراً ممن يتربعون على عالم الشهرة سواء في مجال التجارة أو الصناعة او ريادة الإعمال بالإضافة إلى المخترعين والمبتكرين يميزهم جميعاً أنهم حريصين على القراءة، فأتمنى من كل أب و أم أن يحرصوا على ترغيب أطفالهم في القراءة وإن لم يكن هناك قدرة مالية لشراء الكتب والقصص، عليهم بحكايات زمان وحكايات جدتي والتراث، فهي تساعد على تنمية الخيال لدى الطفل، وتكسبه ثروة لغوية كثيرة وتعلمه مهارات حياتية متعددة، فمن غير المعقول أن يهتم الأهل ببناء أجسام أبناءهم ويهملون عقولهم، أن يتخيرون ما يضعوه في بطونهم ولا يتخيرون ما يضعوه في عقولهم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “كاتب الأطفال أحمد العباسي:”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق