الموقع

الفصل 12

ريح قوية تزمجر خارج الدار، تتسرب أنفاسها اللاهثة عبرالشقوق الصغيرة في الأبواب أو حولها أو من النوافذ، أحسها تداهم حواسي وخاصة منطقة وجهي وشفتي وما يظهر من فخذي، أرفع رأسي قليلاً، بل الصحيح أحاول فتح عيني لتأمل حركات أسمعها وأحسها في المنزل، هل وحدي التي أحسّ بهذه الأشياء؟ الطفل المدلل يغفو ببراءة بجانبي، ينام بلا مبالاة وباستمتاع، أتلمسه وأرتب الأغطية على جسده الغض الجميل، بشرته وملامحه تشبه ملامح والده زكي المحجوب وبشرته، أقترب منه وأحاول أن لا أوقظه، أريد أن أضمه إلى صدري كطبيعة كل أم، لكنني وجدته في نوم عميق، اقتربت وطبعت قبلة خفيفة على جبهته، تهدأ هواجسي قليلاً، لكن قلقي لا يتوقف، أحس أنني في نفق طويل لا أدري أين ومتى تكون نهايته، نفق دخلته أو أدخلت فيه. يبدو أن أرواحاً مثيرة تحيط بالمكان، تزداد تيقظاً ونشاطاً مع حركة الريح، ومع العواصف والأعاصير، أسمع دبيب المطر على سطح المنزل وكأن ألف دابة تركض عليه، مع اننا اعتدنا أن يأتينا المطر صيفاً أو شتاء هنا في تكساس، أتضايق من المنزل هذا اليوم، مع انني لا أكره الاستقرار فيه، جهزته وأضفت له كل ما قدرت أنه سيعطيني راحة نفسية، حتى الصورة الكبيرة جداً والتي رسمها زكي بنفسه بارتفاع طول جدار غرفة الطعام حافظت عليها، مع انه رسمها على ورق غير مقوى، والصقها بعرض مترين في مترين وربع ارتفاعاً، اضطر لاستعمال سلم  البيت للوصول لوجه المراة الراقصة وشعرها، واندفاع صدرها، يكاد يتمرد على السوتيان الحامل لهما، أتأملها عشرات المرات كل يوم، في الذهاب للمطبخ والخروج منه، وحين أضطر للنهوض ليلاً لا بد أن أمرّ أمام المرأة المصرية الراقصة فارعة الطول الشامخ في لوحة الجدار، فأراها تهز خصرها ترقص على موسيقى مصرية عريقة، نهداها تزيدان بروزاً وحتى ينتفضان، فأتأمل نهديّ اللتين زاد حجمهما قليلاً مؤخراً بعد بلوغي  الخامسة والأربعين من العمر، لا أشك أنها زيادة الوزن، وبالمقابل انتفخ وسطي وزاد حجم جسمي التفافاً، لم أعد خفيفة الحركة، أعرف أن زكي يحب الوسط النحيف والصدر المنتفخ المشدود، لكن هل توجد مثل تلك المواصفات في كثير من النساء؟ أهي قطط؟ لا نقتني إلا قطة واحدة في البيت، أنا نفسي أكره تربية القطط والكلاب في البيوت، ابنتي الكبرى تحب الكلاب وزوجي زكي أحب القطط، وضيق علينا فاقتنى 6 إناث من حيوانات من الشانشيلا وذكر واحد، كلفته الفاً ومائتي دولارعند شرائها، ومع هذا لم يتردد بدفع المبلغ، ويبدو أن من يكون موفقاً بعمله في السعودية، يستطيع أن يحيا حياة  اقتصادية مريحة وفي بحبوحة، ويميل للتبذير أحياناً، هذا عن فلسطيني مغترب، فكيف بمصاريف السعوديين الأصليين؟؟… ليت الشنشيلا تقوى على العيش في الجو الطبيعي خارج المنزل، لكنها مثل القطة اليابانية التي قبل زكي الولاية عليها، سافرالطالبان  اليابانيان الزوجان وهما يوصياننا بالاهتمام بكروتشي، القطة المدللة، تركوا عندنا بيتها وفرشتها ووسادتها ولحافها وطعامها وألعابها، وفي الوقت نفسه خضعنا كلنا لرغبة ابنتنا كيلي، فاقتنت كلبة لكنني رفضت السماح لها العيش معنا في المنزل، فاشترينا لها بيتاً ثميناً في حديقة المنزل الخلفية وأسميناها (كيلي) على لقب ابنتنا،  أنهى الزوجان اليابانيان دراستهما في أمريكا وعادا لبلدهما، بحثا طويلاً عن أسرة تتكفل بقطتهما، بعد ان أطمأنا أننا سنحسن رعايتها وسنوليها الاهتمام اللائق بها وبالدلال الذي عوداها عليه.

إنها قطة واحدة في المنزل، ولماذا أسمع حركات عجيبة متقطعة؟ هل هي نفسها التي تطارد فئراناً أو حشرات يا ترى؟ أم إنها تخشى الرعد والعواصف، وربما تتسرب شياطين وأنفاس مع هبات الرياح القوية عبر حلق الباب، تدركها وتحس بفطرتها بتقلبات الأجواء، أو انها تحسّ  بقلقي فتحاول طرد تلك الأشباح من المنزل، حتى أطمئن وأربت عليها، كطفلي المدلل الصغير تمتم. كلبتنا كيلي لا تجرؤ أن ترفع صوتها أو تخرج رأسها من مخبئها الخاص بها خلف المنزل في مثل الظروف المضطربة التي تتأجج في رأسي وجسدي.

صحوت من غفلتي متأخرة، تمنيت أكثر من مرةً لو أستطيع أن أشطب كثيراً من السنوات التي مرت من عمري، وحتى وأنا في ريعان الصبا والجمال، ليس لأن نجم زوجي يلمع، ويتفوق حتى على من كانوا أفضل منه مالا وتعليماً، لكنني كرهت تعبئة الأهل والجهل وأمراضاً نفسية متراكمة، كثيراً ما جعلتني أتصرف برعونة وبلاهة في سنوات زواجنا الأولى، كم كنت أحس الحب الصادق في تلكما العينين، كان ينظر لي وكأنني نجمة في سماء عقله، أحتلُّ كل المساحات في قلبه، أحس بذاك النبض وهو يخاطبني ويحاول إيقاظي من غفلتي، إلا أن ظروفي وكبريائي ظلتا تلجمان لساني وتربك عقلي، لا تسمح للساني  بالتحرك بكلمة واحدة تشفي غليله، وأحياناً يبدو ساذجاً، لأنه لو كان كامل الشجاعة والشهامة لحررني وحرر نفسه في الشهر الأول أو الثاني بعد زواجنا، أو لتشدد وقسا عليً، ليته فعل ذلك مبكراً؟؟!!!.. أخطأ في الأيام الأولى لزواجنا، لم أمتلك اللغة والمفردات للتعبير عن التودد له، شرعت أنسج بلوزة صوفية له في منتصف الشهر الثاني لزواجنا، استعداداً لفصل الشتاء، ولأيام البرد في الخريف في مدينة رام الله التي قد لا نستطيع احتمال بردها صيفاً أحياناً، فنضطر لارتداء ملابس ثقيلة، لم نكن نخطط لسفره للسعودية، فبدأنا نحتاط لبرد الشتاء القادم بعد زواجنا، لا أذكر كيف حصل ذلك، كنت أوشكت على إنهاء صدر البلوزة ،                 وفوجئت به يسكب البترول على ما نسجت يداي خلال أسبوعين، ويشعل النار فيه ويلقي بها من خارج النافذة إلى الحديقة، لم تشتعل النار بسرعة في خيوطها، احترت بين البكاء وبين ضحك مجنون، استطعت أن أدور حول البيت بسرعة لإنقاذ ما تعبت فيه، ولأطفئ النار التي بدأت تحرقني وتشتعل في نسيجي ببطء، لم يطل حقدي عليه، فرطت خيوط الأجزاء التي سلمت، وبدأت نفس العمل من جديد، كنت سريعة في النسج، فنسجت ثلاث بلوزات وبألوان مختلفة لزوجي زكي، لتتناسب مع بذلاته  الثلاث التي كان يمتلكها في حينه، الأولى فصلها حين تخرج من الدراسة، والثانية بعدها بسنتين، والأخيرة كانت بذلة عرسنا وبلون كحلي كما جرت العادة أيامها، كان نحيفاً وخفيفاً، ويظهر كأنه لم يكمل الثامنة عشرة من عمره، مع أن عمره كان ثلاثة وعشرين عاماً عند زواجنا، وبرغم أنني كنت أحب الرجل القوي الممتلئ، لظروف تقليدية ولطبيعة أجسام إخواني الذين تربيت بينهم وأنا أصغرهم، وسبب رئيس آخر هو ذلك الأحمر الأخرس، تعلقت به وأحببته دون أن يبوح أي منا بكلمة للآخر، يسرع نبض قلبي فور مشاهدته، ولكم تمنيت أن يطلق الله لسانه.

كان همّ زكي دائماً هو الكمال، في سلوكه وفي أناقته وفي حديثه وفي رغباته وفي تعامله مع الغير، كان يعبد جسدي ويحبه، كاد يصبح عبداً لذلك الجسد، وأقول هذا لأنني كنت أحس بكل عصب فيه يلتصق بجسدي وبأعماقي، لكن ماضي طفولتي جعلتني قليلة الثقة بما أرى منه وما يريده مني، تداعب أنامله كل جزء في وجهي وصدري ورقبتي وما تبقى، ما أجمل نظرات تلك العينين النهمتين، موجة تجتاحني، تحملانني فأغور في أعماقهما، أغرق وأتعرّق لكنني لا أحس بالاختناق، ومع أنني أكره الظلام، كنت أغمض عيني لأعيش الحلم والمتعة التي منحني إياها زكي، والتي أود أن تطول.

لم تفطن فهيمة يوما ما أن تتفوه بحرف واحد تطمئنه أنها سعيدة بالتصاقه وبمداعباته، أو لتبين له أن يطيل التصاقه بها، وحين يطول انتظاره تسمع كلاماً يشبه أحلامه يسألها إن كانت سعيدة ومتجاوبة، أوهل تريد المزيد، وما أصعب أن ترضي فهيمة! ! !.. ..، لم يصدف أن نطقتها مرة واحدة، ما أتعسك أيتها البلهاء! حتى كلمة أحبك لم يصدف أن قلتها له في سنواتنا الأولى، أظل مستسلمة في صمت، راض وسعيدة وعاشقة ومحبة له، لكن المسكين لا يعلم بهذا العشق الصامت المكبوت، ظلت تصر على عدم البوح بما في قلبها، وتعظم المصيبة حين ترى وتحس أنه يزداد بهاء وجاذبية عاماً بعد عام، بل وساعة بعد ساعة، حين تنظر لغيره من الرجال الكثر من أصدقائه، ومن أزواج صديقاتها، يصغرون كلهم بجانبه في نظرها، وكالعادة كانت تسأله رأيه فيها،  واعتادت أن تسمع منه: أنت عاقلة راكزة مسالمة يا فهيمة، وما أتوقعه منك لمحت به لك مرات عدة، والمهم استخدام العقل والمشاعر، وفهيمة تضيف على قول زكي في نفسها قائلة “إنني قوية، صابرة، أخطئ كثيراً، وربما من المفروض أن أتحمل نتيجة أخطائي، وزكي يخطئ ويصيب مثل كل إنسان، لكنه طيب وغير حقود، وسرعان ما يصلح خطأه أو  يعتذر، حتى ونحن مبتعدان”، روح القيادة والصراحة والقوة في نفسه تنطق دائماً، يحبه أصدقاؤه ويعجبون بقدراته وبشخصيته، كانت فهيمة تلمح حسد النساء لها من أهلها ومن الغريبات حين تلتقي بهن، كان يحرص على لقاء أصدقائه في الرياض مرة كل أسبوع، وأحيانا تكون الجلسات مختلطة، أي يجلس الأزواج والزوجات في مكان واحد، أو يجلس الرجال في غرفة ثانية، أو يتم عزل الرجال عن النساء على بعد أمتار قليلة حين نتفق على اللقاء والتجمع في الصحراء على أطراف مدينة الرياض، غرباً على جانب الطريق المتجهة إلى الحجاز، أو شرقاً على الطريق المتجه إلى الظهران وبترول المنطقة الشرقية، ومرات أخرى كانوا يتجهون جنوب المدينة حيث حقول النخيل في منطقة منفوحة، أو شمالاً قرب أسوار مطار الرياض القديم الذي كان يبعد سبعة كيلومترات عن سوق البطحاء في قاع مدينة الرياض، يجلسون على الرصيف العريض المبلط لشارع المطار الجميل المشجر، الرجال يلعبون ورق الشدة أو طاولة الزهر، والزوجات يتضاحكن ويجهزن الشاي ويأكلن المملحات، وكم كنت اعتز بزوجي زكي وهو ديك لامع محترم بينهم، كانت فهيمة تحس بسعادة وراحة حين تجد نفسها وقد جهزت له جميع ما يحتاجه خارج البيت، فحبه لشرب الشاي مع رفاقه وبينما هو يلعب معهم لا يوصف ولا يتوقف، مع انه أثناء وجوده في البيت ومع الأسرة لا يشرب سوى كأس صغيرة من الشاي ونادراً ما تكون اثنتان، أما بحضور أصحابه فما دام هناك شاي أو قهوة حارة فإنه يشرب منها دون انقطاع.

يشارك رفاقه في التدخين أحياناً، كنت أخشى عليه أن يصبح مدمناً عليه مثلهم، أكره الدخان ورائحته، والشيء الوحيد الذي كنت أصارحه به بعد عودتنا إلى البيت، أبين له أن رائحة ملابسه وأنفاسه كلها دخان، لكنني أنسى ضيقي من الدخان في فراشنا، أدفن رأسي في صدره حين يطوقني، وكأنه يحس بما أريد دونما حاجة إلى لغة، يقربني أكثر إليه فالتصق به، أصغر وأتضاءل أمام هذه العواطف الملتهبة، يحرقني،  يدفنني، يخفيني، أذوب وأنفاسي تود أن تتوقف عند تلك الأمواج العاتية حين تغرقني وتحتويني، أزداد استمتاعاً وشروداً وصمتاً وسكوناً، على أمل أن يطول هذا الخرس وذلك الجحيم الذي يستطيع زكي أن يجعلني أحترق به، كثيراً ما قال لي أحب رائحة بشرتك وصدرك ورقبتك، حتى أنه طلب مني مرات عدة أن لا أضع عطراً على رقبتي أو خلف أذنيّ، كان يحب أن أستحم ليلاً وقبل دقائق من دخول السرير، وأن أندس بجانبه عارية حتى يتلمس ويشم كل مكان في بدني دون استثناء، وكثيراً ما قام بحركات غير مألوفة للإنسان العربي التقليدي، لم أكن أصدق أن أي رجل يفعل مثل ذلك، ولم أسمع بذلك من قبل، ولا حلمت به، ومن واقع ثرثرة رفيقاتي القليلات جداً، وبصراحة لم يكن لي صديقات حقيقيات، كنت أشك وأحذر كل إنسان رجلاً كان أم امرأة، ولكن حذري من النساء كان أكثر بكثير.

أما ما حيرني وبشدة، هو كيف استطاع زكي من الحصول على أفلام جنسية وغرامية وعبثية في السعودية في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، بطرق وأساليب لا تخطر على بال أعظم الرجال ذكاء، وفي بلد سلفي متزمت متشدد، وبرغم أنني أعرف مقدار خجله وحرصه على الأدب واللياقة والذوق في البيت وفي المجتمعات، وقد تربى على احترام التقاليد والتمسك بالدين، وكلانا من عائلتين ربطت حياتها بتعاليم الدين الإسلامي والصوفية، وأن العلاقة بين الرجل وزوجته هي سرّ مقدس، وحق يرضى الله عنه بل هو غاية الأسرة وتماسكها وتراحمها وتعاطفها، فيحس الأطفال بهذا الدفء بين والديهم، فيشعرهم ذلك الإحساس بالأمن وبالثقة بالمستقبل، ويجعلهم يركزون على دروسهم وتلوين دروبهم.

في مساء يوم خميس في صيف ما في مدينة رام الله كنا في قلق وتردد، متسائلين كيف سنلون مساء ذلك اليوم، وسنقوم برحلة سيراً على الأقدام طبعاً في أسواق رام الله، وعندما نصل محل ومقهى (ركب) نجلس لنأكل البوظة الطازجة، ثم نعود بعدها متأخرين، لأن مكان سكننا على أطراف المدينة، وحين نخرج نغيب عن بيت أم جريس أربع ساعات على الأقل، نجلس على الشرفة الجميلة في منزل أم جريس، بعد عصر كل يوم إلا إذا خرجنا للسينما أو لمقهى ومطعم (ركب) المعروف ببوظته اللذيذة، وقبل أن يطلب زكي الشاي قمت وجهزت القهوة العربية الحلوة، دعونا أم جريس لمشاركتنا الجلسة، وشربت معنا من قهوتي هذه المرة، خطر ببال أم جريس أن تدخن سيجارة، حسبما كان  يفعل زوجها الغائب والمقيم في أمريكا للعمل والتوفير، واول نتيجة من  سفره إلى أمريكا كانت تلك الفيلا أول علامات نجاحه هناك،

ومع كل هذه الأجواء التي أوجدها زكي لي، واظبت عيناي على الشرود دائماً تهرباً من الكلام والتعبير عما في أعماقي من شك  أو حيرة أو خوف أو إحساس بالغربة، وأنا ابنة عمان ولم أغادرها في حياتي من قبل إلا لساعة أو ليوم لزيارة شقيقتي المتزوجة في مدينة السلط، فوجودي في فلسطين بلد جدي لوالدي وأجداده، كان من المفروض أن يجلب الراحة النفسية إلى عقلي وأعصابي، ولكنني بقيت أشعر بالغربة، وبوحدة وبضيق لنأيي عن حي المهاجرين في عمان.

وبينما بدأنا نرشف قهوتنا وأم جريس تثرثر كعاتها، ألمح غباراً خفيفاً خلف سيارة صغيرة قادمة قبل أن أرى السيارة المتوارية وراء المباني المجاورة، كان الشارع غير معبد في الجزء الأخير منه قبل الوصول إلى الفيلا التي نقيم بها عند أم جريس، والمسافة غير المعبدة لا تتجاوز مائتي متر، وإذا بسيارة أخي تطل، وكأنني على موعد مع القدر وقد كنت أنتظر مثل هذا الحدث، وكأنه سمع ندائي وإحساسي بالتوحد، فلبى ندائي، أحب شقيقي الشاب الظريف شريف، وأتمنى أن أظل ملاصقة له، أتمنى أن لا يتزوج حتى يظل لي، وضيقي من الزواج بزكي كان هو أحد أسبابه، لأنني ابتعدت عنه، هو الإنسان الوحيد الذي أتجلى له وأعشقه، وأستطيع أن أقول له (إنني أحبك، ولا أطيق فراقك)، رحماك يا رب إنه شقيقي وحبيبي الذي أتكلم عنه، رجل محافظ مسلم، ظل دائماً يشدد عليّ للتمسك بالدين وبالأخلاق وبالتقاليد العربية المتزمتة، ولا أفهم الدين ولا الأخلاق ولا العادات إلا كما يريدها شقيقي.

نسيت زوجي زكي وكذلك جارتنا أم جريس، وقفزت صوب السيارة قبل وصول شريف ونزوله، رحبت به وعانقته بحرارة اشتياق الأرض القاحلة للمطر، خرجنا بعدها معه بسيارته وأكلنا البوظة وتجولنا في ساحة المنارة في رام الله، عدنا بعدها وقضينا ساعات انسجام وسهر حتى قرب فجر يوم الجمعة، لم يكن زكي المحجوب ليلتها في الحسبان، وظلت روحي معلقة بأخي الذي لا أريده أن ينام، بل أريد أن أعيد استرجاع أيام سهرنا وانسجامنا في عمان في حي المهاجرين، وحتى على أمل أن نعود لذكريات أيام طفولتنا، وقبل وفود اللاجئين الفلسطينيين، لكنه طلب مني أن أعود إلى زوجي زكي، حتى لا يصحو ويجد أنني ما زلت ساهرة مع شقيقي على الشرفة الجميلة. أفطرنا في العاشرة صباح اليوم التالي وأكلنا الحمص والفول المدمس والفلافل والزيت والزعتر والشاي والجبن، بعدها يحضر شقيقي الآخر مع زوجته من عمان بسيارته الصغيرة أيضاً ، ونستعد للسفر إلى مدينة نابلس شمالاً.

أسمع قرعاً على الباب، آآه صوت ابنتي، عادت من دراستها المسائية،  رحماك يارب وشكراً، أرحتني من قلق هذه الأصوات المزعجة، وزفير الرياح القوية، حتى انني افتقدت قطتنا، اختفت في ركن ما من البيت هي الأخرى خوفاً من  عواصف الإعصار الشديد مصحوباً بأمطار غزيرة هذا اليوم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق