ثقافة السرد

رسيس[1] الشوق

عمار بوزيدي

ومضت السنون و قد استقال فيها قلبي من الحب و جنون الحب ، تسلل فيها الشباب من جسدي و ذوى بريق الأمل في عيني ، بعد وفاة والدي و لحاق أمي به رحمهما الله لم يبق لي مبرر للبقاء في مسعد خصوصا بعد تيسر انتقال عملي إلى الجلفة …و في الزيارة الأخيرة كان منظر مسكن مسعودة في حارة النواورة يعذبني و يلهب نيران وجدي فأنكفئ عنه كسير الجناح مطلقا تنهيدة الأسف المر على الذكريات الجميلة … لطالما لعبنا مع بعضنا في الصبا فسابقنا ظلنا في الليالي المقمرة خصوصا في رمضان و طاردنا فراشات الربيع و هربنا من النحلات القارصة عند إزعاج خليتها و سابقنا الماء في جريانه في الساقية التي كانت تسقي بساتين مسعد العامرة … كنت إذا سبقتها غضبت و جثت مكانها مقطبة حاجبيها تقول : لا أجري معك ، كنت أخاف عليها و لا أرغب أبدا في إغضابها … كانت الشمس قد زالت عن كبد السماء و الحيوانات تستظل بظل الشجر هربا من قيضها و كنا كما يقال (زقايق الڤائلة) نزعج سكينة الأشجار بصرخاتنا و لهونا حتى إذا قطبت و غضبت رأيت مع انسياب الماء في سكون زهرة تبتعد فارتميت في الساقية … خافت .. فزعت .. صرخت منادية علي … وقفت مبللا أحمل لها زهرة الحب فابتسمت كابتسامتها يوم أن أعطيتها ديوان المجنون … عندها قالت : أتراك تجن لفراقي ؟ قلت : و أي قوة تستطيع أن تفرق بيننا فلا أراني إلا أنت و لا أراك إلا أنا قد أفناني الهوى فيك و أضناني الضنى … و أضواني شوقك يا مسعودة … تنهدت و قالت : يا ويح نفسي هذا العام الأخير في الثانوية و لا أرى أهلي إلا و هم يحجبونني عنك … و عن الخروج فلا أراك يا نور عيني و لا تراني ، خصوصا و قد لمحت لي أمي و لا أراك فيمن لمحت … لن أنسى دموعها و تجرئي على لمس يديها مواسيا و وسواس الضغينة بين أسرتينا يخاطرني و خوفي على أبي يقصمني نصفين … كانت يدها رقيقة و دموعها جمرات في دمي. … جريت و جريت مبتعدا عن حارة النواورة أطرد الذكريات من عقلي لكن وجعا في صدري يلهب أحشائي فاستندت على حائط من طوب عريض سكنه يهودي يقال له متى كان شريرا ساحرا، خلفه على سكناه و عمله الطالب سي (متّع بن الشيخ ) ، يقال أنه كان يضع ( يقّش)[2] للنساء اللواتي كن يردن شرا بأزواجهن حتى يمارسن الرذيلة كما يحلو لهن ، أو يفرقن بين زوجين متحابين حسدا و ما أكثر ما يحدث هذا … و لا أظنني إلا ضحية من ضحاياه فقد كان القايد والد مسعودة يتردد عليه و كنا جيرانا لهم و كان والدي يعمل عند القايد في بستانهم الواسع، و شببنا معا ، كانت فائقة الجمال طيبة الخصال مضرب المثل في سواد الشعر على سواد العين الكحيلة هيفاء رهيفة رقت حواشيها حتى استحى الورد من رقتها و عذب مبسمها حتى استحال شهدا ممزوجا بخمر اللذة في قلبي ، غامرت من أجلها وتحملت الصعاب ، و كم من مرة حملني جنون الشباب أن تسورت حائط بستانهم حتى رقيت على شجرة الاجاص لأبلغ سطحهم ، كان فرع الاجاصة بعيدا عن الحائط فما كان مني إلا أن أطلقت تصفيرتي المميزة فيهتز قلبها و تتعللت لأمها بعض التعلل كي تصعد و حين رأيتها تتوشح الخمري كدت أن أسقط لولا تملكي و شدة شغفي …

عمار بوزيدي

– أيها المجنون ما الذي أحضرك إلي حتى أزعجت سكوني و أيقظت من الغفلة فؤادي حتى راح يدق و يدق و يدق يستحثني لأرتقي إليك و يلهب أشواقي الوجلة كي أراك …
– بل أنت من ألهب أشواقي طيفك و حملني أزيز نحلات الحب إليك ، فركبت صهوة الجنون و تسورت حائطكم المملوء زجاجا مكسورا فجرحتني إحداهن حين نزولي ، أنظري

فأريتها كفي ممزوعة تقطر دما … فهالها ما رأت …

– إن رأياك يا حبة قلبي قد أنستني ألم الجرح و تدفق الدم ، بل لو مزقوني إربا إربا و أنا أراك لما شعرت إلا بلذة النظر إليك و حلاوة الأشواق نحوك …
– اسمع أنا قادمة إليك لأداوي جرحك انتظرني …
– لا لا تفعلي يا مجنونة …

نزلت مسرعا و جريت في الأحواض المسقية مهتديا بضوء البدر … و ربما وقعت في وحلها حتى لاقتني عند البوابة الكبيرة … ضحكنا و ضحكنا … و عين ترقبنا من وراء الستائر في شرفة بيتهم …

في الصباح جاء والدي مطرودا شر طردة مكسور الجناح ، لم يفهم سوء المعاملة تلك من ذلك القايد . عرفت و اغتظت لكن كتمت .

ذكرت لها ما جرى و فهمت تلميحات والدتها و أحزنها أن تسوء العلاقة بين أسرتينا … بكت و أحزنني بكاها … غابت بين أزقة النواورة و ما زالت صورة ذهابها لآخر مرة في ذاكرتي.

انتبهت على إثر تربيتة على كتفي من أحدهم و أنا أجول ببصري على بقايا البساتين التي صارت خرابا بعد انقطاع مياه الساقية عنها ، و بقايا أشجار المشمش و الرمان و التين … و حتى الإجاصة لم يبق أثرها ، سألت عن ساكنة هذا البيت فقيل لي القايد مات منذ زمن و ابنته مسعودة تعيش مع أمها في الجلفة بعد مقتل أخيها و زوجها على يد الإرهاب … تنهدت متأسفا و وليت قافلا .

تفاجأت ببنت صغيرة تجري نحوي و أنا في مكتب المدير و أمها في إثرها كانت مسعودة و هذه ابنتها تريد أن تسجلها في التحضيري …

[1] – بقية الهوى
[2] – السحر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق