الخميس , أكتوبر 19 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | التجربة الأدبية الفلسطينية في المعتقلات الإسرائيلية

التجربة الأدبية الفلسطينية في المعتقلات الإسرائيلية

بقلم ناهض زقوت

 

يمثل الأدب الذي كتبه المعتقلون الفلسطينيون في المعتقلات الإسرائيلية صورة حية وواقعية للمعاناة التي مروا بها وعايشوها، ولم يأت هذا الأدب تنفيسا عن لحظة اختناق أو تصويرا للحظات بطولة، إنما عبر عن حالة إنسانية وأبعاد فكرية ونضالية. وتعتبر النتاجات الإبداعية التي تخلقت خلف القضبان، ممتدة الجذور في تاريخنا الفلسطيني، وفي التاريخ العربي والعالمي, فثمة أسماء عديدة كتبت الشعر والنثر وأصحابها يقبعون خلف الزنازين. ومن الأدباء العرب الذين جادت قرائحهم بالشعر والنثر وسجلوا تجربتهم وهم في سجون الأنظمة العربية:

الشاعر أحمد فؤاد نجم (في ديوان الفاجومي) والروائي صنع الله إبراهيم (رواية/ تلك الرائحة)والكاتب شريف حتاتة (سيرة/ العين الزجاجية)وعبد الرحمن منيف (رواية/ شرق المتوسط)وعبد اللطيف اللعبي (رواية/ مجنون الأمل) و فاضل الغزاوي (رواية/ القلعة الخامسة)، الطاهر بن جلون (رواية/ تلك العتمة الباهرة) وغيرهم. أما على المستوى العالمي فنجد أدباء وشعراء مناضلين أمثال: لوركا ونيرودا وناظم حكمت ويوليوس فوتشيكو قد كتبوا إبداعاتهم وهم في سجون العبودية والقهر. وأما في الحالة الفلسطينية فنجد أن النتاجات الاعتقالية تمتاز عمّا سواها من النتاجات العربية والعالمية، بأنها الأغنى والأكثر شمولية وزخما من حيث الكم والكيف بين تجارب الشعوب وحركات التحرر، ويعود ذلك إلى ارتباطها بالقضية الفلسطينية وتحرير فلسطين، وطبيعة الاحتلال الإسرائيلي الذي نتعرض له، فهو الأطول في التاريخ، ولم يبق شعب من شعوب العالم تحت الاحتلال غير الشعب الفلسطيني. ونذكر أن أول كتاب فلسطيني وُضع في أدب المعتقلات هو للكاتب “خليل بيدس” الذي كتب كتابا بعنوان “أدب السجون” أثناء فترة اعتقاله في سجون سلطات الانتداب البريطانية في فلسطين، وقد ضاع هذا الكتاب في زحمة أحداث حرب عام 1948. ومن الشعراء الذين نظموا الشعر في معتقلات الحكم التركي الشاعر الشيخ “سعيد الكرمي”، الذي صدر بحقه حكما بالإعدام واستبدل بالسجن المؤبد بعد الحرب العالمية الأولى، وذلك لمناهضته الحكم التركي ومفاسده. وفي عام 1937 كتب الشاعر الشعبي (عوض) على جدران زنزانته أبياتا شعرية تعبّر عن مدي القهر والألم الذي يعانيه جراء تخاذل العرب عن نصرة فلسطين، وذلك قبل أن تنفّذ فيه القوات البريطانية حكما بالإعدام. كما خلّد الشاعر إبراهيم طوقان الشهداء الثلاثة “عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي” الذين أعدمهم الانجليز عام 1930 عقب ثورة البراق. ومن الشعراء الفلسطينيين الذين كتبوا في التجربة الأدبية الاعتقالية أيضا: محمود درويش، ومعين بسيسو، وتوفيق زياد، وسميح القاسم، وجميعهم دخلوا المعتقل لفترات متعددة.

تعريف أدب التجربة الاعتقالية:

أدب التجربة الاعتقالية هو الأدب الذي كُتب داخل المعتقل ويُعدّ من أصدق أنواع الكتابة سواء كان ذلك على مستوى النثر أو على مستوى الشعر، لأنه وليد تجربة حية صادقة. فالإبداع يولد من رحم المعاناة. ويهدف إلى تصوير الحياة التي يعيشها المعتقل خلف القضبان، من سحق لكرامته إلى الاهانات وحالات التعذيب التي يتلقاها، إلى الحالة النفسية والشعورية التي يعيشها بعيدا عن الأهل والأصدقاء، لينتج أدبا وطنيا مقاوما يمجد النضال ويرفض واقع القيد والاحتلال. لقد اختلفت الاجتهادات حول تسمية النتاجات الأدبية المتخلقة خلف أسوار المعتقلات، يرى فريق من الأدباء والمهتمين بهذا الأدب تسميتها بـ (أدب السجون)، ورأي آخر يضعها تحت اسم (الأدب الأسير)، ورأي ثالث يطلق عليها (الأدب الاعتقالي)، ورأي رابع يرفض كل تلك المسميات ويصنفها تحت (الأدب الفلسطيني المقاوم). وفي رأينا أن ما كُتب في المعتقلات هو تجربة أدبية إبداعية مارسها المعتقلون الفلسطينيون، منهم من تواصل مع الكتابة بعد تحرره، وكثيرون لم يكتبوا كلمة أدبية بعد تحررهم، لهذا تبقى تجربة أدبية إبداعية في المعتقل، لا نستطيع تصنيفها، رغم تمييزها ومكانتها النضالية، إلا أنها تجربة ضمن المشهد الأدبي الفلسطيني العام مثل تجارب عديدة تصنف تحت الأدب الفلسطيني، مثل تجربة الأدب المقاوم، والتجربة النسوية في الأدب.

مراحل تشكيل أدب المعتقلات:

قد يكون المرء غير مبالغ إذا قال أن نحو 85% من أبناء الشعب الفلسطيني على امتداد مساحة الوطن المحتل دخل المعتقل الإسرائيلي، وذاق صنوف العذاب وتشرّب ألم القهر والحرمان،وواجه جلاّده بالصبر والصمود والتحدي، منهم من تحرر، وأكثرهم مازال ينتظر، وبعضهم لقي ربه هو يشدّ على القضبان. ولم يقتصر الاعتقال على الرجال بل طال نساء فلسطين المناضلات اللاتي دخلن المعتقل، وتعرضن للتعذيب والقهر والإذلال، إلا أنهن اثبتن شجاعتهن وصمودهن أمام جلاديهن. ومن أسماء النساء اللاتي كتبن خلف القضبان: ناهدة نزال وزكية شموط وختام خطاب و سعاد غنيم وجميلة بدران وحليمة فريتخ وعائشة عودة. إن المعتقل الفلسطيني بفكره ومحتواه الثوري والنضالي، يشكل الهدف الأساسي للاحتلال الإسرائيلي الذي كرّس كل طاقاته وجهوده في كل المجالات وعلى كافة الأصعدة لتشويش فكره ووعيه وتشويه سلوكه وأفعاله النضالية، من أجل جعله في حالة تشكيك ذاتي، بهدف إحباط توجهاته وتفكيك قدراته الكفاحية والثورية، وذلك كبداية لترويضه وتحطيم إرادته وصموده. ومن الأساليب التي سعى الاحتلال الإسرائيلي لممارستها على المعتقلين الفلسطينيين لتنفيذ مخططاته، هي سياسة الإفراغ الفكري والثقافي، في محاولة لزرع ثقافة مشوّهة بديلة، تعمل على صياغة نفسية المعتقل من جديد وتطويعه وفق إرادتها. لهذا قامت سلطات الاحتلال بإعلان الحظر التام على الثقافة الوطنية والإنسانية، بل على كل وسيلة ثقافية، حتى الورقة والقلم كان المعتقل محروما منهما، ناهيك عن الكتاب. كانت سلطات الاحتلال تعتبر أن امتلاك ورقة وقلما من الأمور المرتبطة بالحضارة والرقي، لهذا لم يسمح الاحتلال بأن يتوجه معتقليه نحو رفاهية الحضارة والرقي، بل عليهم أن يبقوا تحت القهر والإذلال وكتم الأنفاس، فكان لابد للمعتقلين من إيجاد وسيلة للتغلب على مشكلة الورقة والقلم، فعملوا على تهريب أدوات الكتابة من خلال زيارات الأهل أو عن طريق المحامين، كذلك استفادوا من مواسير الأقلام التي كانت توزع عليهم لكي يكتبوا رسائل لذويهم مرة في الشهر، وكان لا بد من إخفاء إحدى المواسير وتحمّل تبعات ذلك من عقاب جماعي، ومن ثم استخدموا هذه الماسورة في كتابة ما يريدون، وبنفس الطريقة تمكنوا من توفير الورق. كما استخدم المعتقلون مغلفات اللبنة والزبدة بعد غسلها وتجفيفها للكتابة عليها.

واستمرت سياسة الحصار الثقافي والفكري من عام 1967 وحتى عام 1970، حيث أدرك المعتقلون خطورة الوضع الذي يعيشون فيه، وإحساسهم بالفراغ الفكري والثقافي، وعدم تواصلهم مع العالم الخارجي، فهم في عزلة مقصودة ومبرمجة. فبدأوا يطالبون بإلحاح ومثابرة بإدخال مواد ثقافية من كتب وصحف ودفاتر وأقلام، وكانت إدارة السجون الإسرائيلية تماطل في تنفيذ مطالب المعتقلين متذرعة بأسباب عديدة، لكن هذه المماطلة لم تثبط عزائم المعتقلين ولم تمنعهم من التواصل في المطالبة بهذا الحق، سواء بالاحتجاج المباشر، أو الإضراب عن الطعام، أو من خلال الاتصال بالصليب الأحمر الدولي، الأمر الذي جعل إدارة السجون ترضخ في النهاية لمطالب المعتقلين، خصوصا بعد الإضراب الكبير الذي عمّ المعتقلات في عام 1970، وبدأ السماح بإدخال الكتب والصحف والدفاتر والأقلام من خلال الصليب الأحمر، إلا أن سلطات السجون وضعت قيودا على ذلك تمثلت في: إخضاعها للرقابة والتدقيق والفحص الأمني و تحديد نوعية الكتب المسموح بإدخالها، وكذلك كمية الأقلام والورق وأخيرا فرضت على كل معتقل أن لا يقتني أكثر من كتاب واحد، وفي حالات كثيرة كانت تقوم سلطات السجون باقتحام غرف المعتقلين ومصادرة الكتب والدفاتر والأقلام كعقاب لهم. ورغم كل هذه الإجراءات والممارسات القمعية التي تمارس ضدهم، إلا أنهم تمكنوا بقوة الإرادة والصمود من إنتاج أدب متميز حمل بصمات التجربة التي عاشوها أو يعيشونها. ولم تأت التجربة الإبداعية لدى المعتقلين دفعة واحدة، بل مرت بعدة مراحل حتى تبلورت وتطورت وأثبتت حضورها ومكانتها في المشهد الأدبي الفلسطيني، وهذه المراحل هي:

المرحلة الأولى ـ البدايات:

وهي مرحلة السبعينات التي نجح فيها المعتقلون في فرض مطالبهم على إدارة السجون الإسرائيلية. وقد استخدم المعتقلون المواد التي حصلوا عليها في برامج تعليمية، حيث يقوم المتعلم من المعتقلين بتعليم عدد من المعتقلين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، مما دفع هذا المتعلم القائم بدور المدرس إلى تحسين مستواه الثقافي والعلمي لكي يكون قادرا على العطاء بالمستوى اللائق، فأخذ في الاطلاع والقراءة في الكتب المتوفرة بين يديه، مما مهد الطريق للانتقال من الدور التعليمي إلى الدور التثقيفي. وهذا التثقيف ارتبط بالمسألة الحزبية والتنظيمية حيث يقوم المثقف ثقافة حزبية بتقديم محاضرات حول حزبه وأدبيات التنظيم، في محاولة للاستقطاب أو زيادة الوعي والمعرفة الحزبية والسياسية لدى أفراد تنظيمه. وفي هذه الفترة شكّلت الرسائل التي يبعثها المعتقل إلى ذويه الكتابة الأدبية الأولى من خلف القضبان، حيث حاول المعتقلون في رسائلهم استعمال ديباجات إيحائية معينة لجأوا إليها للتمويه على الرقيب الإسرائيلي، فكانوا يختارون أبياتا من الشعر أو عبارات من النثر قرأوها ويسطرون بها رسائلهم. وما بين التعليمي والتثقيفي والأسلوب الرسائلي نتج الإبداع الأدبي، حيث لم يكن الأدب معزولا عن التفاعلات النشطة في الحياة الجديدة التي أخذت بالتبلور بين المعتقلين، والأدب كان أكثر التصاقا بواقع المعتقلين من حيث كونه وسيلة للتعبير عما يعتمل في النفس البشرية. وكان التعبير بالشعر البدايات الأولى في إبداع المعتقلين، فهو أسرع الأنواع الأدبية استجابة للتعبير عن المعاناة، لهذا لجأ عشرات من المعتقلين إلى المحاولات الشعرية التي تترجم مشاعرهم وتعبّر عن المكنونهم النفسي . ومن الكتابات التي صدرت وتعبر عن هذه الفترة ديوان شعري مشترك بعنوان (كلمات سجينة)، وقد صدر بخط اليد في معتقل بئر السبع عام 1975. ومن المعتقلين الشعراء الذين نشروا قصائدهم في هذا الديوان: محمود الغرباوي، مؤيد البحش، محمود عبد السلام، عبد الله الزق، وليد مزهر، وليد قصراوي، نافذ علان، وليد حطيني، عمر خليل عمر، مشهور سعادة.

المرحلة الثانية ـ تطور الإبداع وتعدده:

كان تطور الإبداع لدى المعتقلين وتعدد أنواعه سمة فترة الثمانينات، ففي هذه المرحلة اتسعت معارف المعتقلين وتشعّبت ثقافاتهم، بعد السّماح بإدخال الكتب الثقافية المتنوعة، وخاصة الكتب الأدبية التي كان نصيبها من الرقابة المشددة أقل نسبيا من الكتب السياسية، مما أتاح للمعتقلين الاطلاع على نماذج محلية وعربية وعالمية، وكان لهذا الاطلاع تأثيره الايجابي على تطور التجربة الإبداعية لدى المعتقلين. كما لعب المثقفون والأكاديميون الذين اعتقلوا في هذه الفترة دورا أساسيا في التجربة الأدبية داخل المعتقل، حيث ساهموا في توجيه المعتقلين من الكتاب والأدباء نحو آليات وقواعد الشعر والنثر. وقد تمكّن المعتقلون في فترة الثمانينات من تهريب انتاجاتهم الإبداعية خارج المعتقل، واهتمت الصحف والمجلات المحلية بنشر إنتاجهم مما شجعهم على مواصلة الكتابة وتطوير إبداعاتهم. ومن الصحف والمجلات التي نشرت أعمالهم الإبداعية: البيادر الأدبي، والشراع، والكاتب والفجر الأدبي وعبير. كما عملت دور النشر والمؤسسات الثقافية والحزبية على نشر إبداعات المعتقلين في كتب مثل: اتحاد الكتاب، ودار القسطل للنشر، ودار الآباء والبنون للنشر، ودار الزهراء، ومركز التراث في الطيبة، وغيرها. كل هذا ساهم في تطور التجربة الإبداعية لدى المعتقلين، بالإضافة إلى نضوج الحالة الثقافية نتيجة المسيرة التثقيفية الطويلة والشاقة التي خاضها المعتقلون مع أنفسهم في سبيل إبراز ذواتهم للخروج من حالة العزلة التي يسعى الاحتلال إلى تكريس فرضها عليهم. لهذا ارتقى وتطوّر إبداع المعتقلين من الشعر إلى الخاطرة إلى القصة القصيرة إلى النص المسرحي الذي كان يمثل في المناسبات الوطنية داخل المعتقلات، وقد صدرت هذه النصوص المسرحية لاحقا في كتب. وتتوجت إبداعاتهم أيضا بإصدار روايات من داخل المعتقلات، وكانت في أغلبها روايات تسجيلية تحكي واقع المعتقل وظروفه المعيشية، وممارسات السجان السادية تجاه المعتقلين. كما حاول المبدعون المعتقلون توصيل نتاجاتهم إلى أكبر عدد من المعتقلون، وذلك بالتغلب على مسألة النشر غير المتوفرة داخل جدران المعتقل، بالعمل على إصدار مجلات أدبية تضم نصوصا أدبية مختلفة لعدد كبير من المبدعين، وكان يكتب منها بخط اليد أكثر من نسخة وتوزع على المعتقلين، ومن هذه المجلات: “الملحق الأدبي” لمجلة “نفحة الثورة”، ومجلة “الصمود الأدبي” في معتقل عسقلان. ومجلة “الهدف الأدبي” في معتقل عسقلان صدرت عام 1981، وأشرف على تحريرها كل من: منصور ثابت، وعبد الحميد الشطلي، ومحمود عفانة. ومجلة “إبداع نفحة” صدرت عن اللجنة الثقافية الوطنية في معتقل نفحة، وأشرف على تحريرها كل من: فايز أبو شمالة، سلمان جاد الله، معاذ الحنفي، محمود الغرباوي. ومجلة “صدى نفحة” التي أسسها عام 1989 كل من المبدعين المعتقلين: معاذ الحنفي، وسلمان جاد الله، وفايز أبو شمالة. وكتب على صفحاتها: عبد الحق شحادة، محمود الغرباوي، هشام أبو ضاحي، هشام عبد الرازق، زكي أبو العيش، منصور ثابت، ماجد أبو شمالة، سمير المشهراوي، وغيرهم. وقد نشرت دار القسطل للدراسات والنشر بالقدس نسخة من مجلة “إبداع نفحة” كما هي بخط اليد عام 1990، وضمت قصائد شعرية وقصص قصيرة وخواطر وزجل شعبي، ومن المبدعين المعتقلين الذين نشروا على صفحاتها: سليم الزريعي، محمود الغرباوي، هشام عبد الرازق، معاذ الحنفي، حسام نزال، كمال عبد النبي، مؤيد عبد الصمد، هشام أبو ضاحي، بسام عزام، وليد خريوش، عبد الناصر الصيرفي، ماجد الجراح، فايز أبو شمالة، سمير طيبة، سمير قنطار، زكي أبو العيش، سعيد عفانة، محمود الكبسة، أشرف حسين، عبد الحق شحادة، وجبر وشاح. ومن الأعمال الأدبية الإبداعية التي نشرت في هذه الفترة: ديوان “درب الخبز والحديد” لعدنان الصباح (1981)، وديوان “أيام منسية خلف القضبان” لمحمد أبو لبن (1983). والمجموعة القصصية “الطريق إلى رأس الناقورة” لحبيب هنا (1984)، والمجموعة القصصية “ساعات ما قبل الفجر” لمحمد عليان (1985). ورواية “زنزانة رقم 7” لفاضل يونس (1983).

المرحلة الثالثة ـ الانتفاضة:

شهدت هذه المرحلة زخما وتنوعا في إبداع المعتقلين وتطورا كميا في النتاجات الإبداعية، بل كانت هذه الفترة هي الأغزر في تاريخ الحركة الاعتقالية في مجال الإنتاج الأدبي ونشره في الخارج، فقد تحول الأدب من ممارسة هواية وثقافة جمالية إلى مشاركة نضالية في أحداث الانتفاضة وزخمها الثوري. وشهدت هذه الفترة زيادة ملموسة في عدد الكتب التي صدرت للمبدعين المعتقلين، وأولت دور النشر والمؤسسات الثقافية والمجلات والصحف عناية خاصة بأدب المعتقلات. ومن الكتابات التي نشرت في هذه الفترة: ديوان “فضاء الأغنيات” للمتوكل طه (1989)، وديوان “المجد ينحني لكم” لعبد الناصر صالح (1989)، وديوان “الجراح” لهشام عبد الرازق (1989)، وديوان “أوراق محررة” لمعاذ الحنفي (1990)، وديوان “حوافر الليل” لفايز أبو شمالة (1990)، وديوان “ترانيم خلف القضبان” لعبد الفتاح حمايل (1992)، وديوان “رغوة السؤال” للمتوكل طه (1992)، وديوان “لن أركع” لعمر خليل عمر (1993)، وديوان “اشتعالات على حافة الأرض” لخضر محجز (1995). وقصص “سجينة” لعزت الغزاوي (1987)، وقصص “ستطلع الشمس يا ولدي” لمنصور ثابت (1992)، وقصص “صحفي في الصحراء” لحسن عبد الله (1993). ورواية “تحت السياط” لفاضل يونس (1988)، ورواية “شمس الأرض” لعلي جرادات (1989)، ورواية “رحلة في شعاب الجمجمة” لعادل عمر (1990)، ورواية “شمس في ليل النقب” لهشام عبد الرازق (1991)، ورواية “قهر المستحيل” لعبد الحق شحادة (1992).

المرحلة الرابعة ـ ما بعد قيام السلطة:

لقد أثر الوضع السياسي الذي أفرزه اتفاق أوسلو وما نتج عنه من تغيرات لمفهوم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تأثيرا كبيرا على الإنتاج الأدبي والإبداعي لدى المعتقلين الفلسطينيين في المعتقلات الإسرائيلية. إذ حدث تراجع في الكتابة الأدبية والإبداعية، وغاب الزخم الذي شهدته السبعينات والثمانينات، ويعود ذلك إلى شعور المعتقل بالإحباط واليأس، فقد كان يعتقد أن ما خطه بقلمه المغموس بالقهر والألم سوف يشكّل حافزا لمزيد من النضال والكفاح، إلا أن ما جاء به اتفاق أوسلو من تراجع في أولويات الصراع، كان له تأثيره على نفسية الأديب المعتقل، فأخذ يسعى نحو أولوياته الذاتية، وثمة من تواصل مع الكتابة داخل المعتقل وهم قلة. وشهدت هذه الفترة كتابات متعددة في أدب المعتقلات كتبها معتقلون سابقون تحرروا بموجب اتفاق أوسلو، بعضها كُتب داخل المعتقل مثل: رواية “قمر سجين وجدران أربعة” لمعاذ الحنفي، كتبها في معتقل نفحة بين عامي 1989 و1990، ونشرها في غزة عام 2005. وروايتي “عاشق من جنين” لرأفت حمدونة. كتبها في معتقل نفحة، ونشرها في غزة عام 2003، و”الشتات” كتبها في معتقل بئر السبع، ونشرها في غزة عام 2004، ورواية “ستائر العتمة” لوليد الهودلي. كتبها في المعتقل، ونشرها بعد تحرره عام 2003. وثمة كتابات كتبت داخل المعتقل وهربت إلى الخارج ونشرت مثل: روايتي ظل الغيمة السوداء ( ـ )، وعلى جناح الدم (2006) لشعبان حسونة، كتبهما في المعتقل الذي يقضي المؤلف فيه حكما مدى الحياة. وثمة كتابات كتبت خارج المعتقل، كتبها معتقلون بعد تحررهم تسرد شعرا أو نثرا تجاربهم ومعاناتهم داخل المعتقل، منها: ديوان “رفيق السالمي يسقي غابة البرتقال” لمحمود الغرباوي (2000)، وديوان “من وراء الشبك” لمؤيد عبد الصمد (2000)، ونصوص (رمل الأفعى ـ سيرة كتسيعوت أو أنصار 3) للمتوكل طه (2001). وقصص “ويستمر المشهد” لمنصور ثابت (2003). ورواية “البطاط / تمرد شطة58” لسلمان جاد الله (2004), وسيرة “أحلام بالحرية” لعائشة عودة (2004)، ورواية “شمس الحرية” لهشام عبد الرازق (2008). إن ما أشرنا إليه من نماذج إبداعية لأدباء المعتقلات الإسرائيلية، هي على سبيل التمثيل وليس الحصر، فثمة كتابات عديدة وكثيرة لأدباء لم نذكرها لضيق مساحة الدراسة.

القضايا التي تناولها أدب المعتقلات:

إن واقعية ما تطرحه التجربة الإبداعية في المعتقلات، تعكس حقيقة الواقع الذي عاش فيه المعتقل الفلسطيني، وتكشف بشكل فعّال عن المُثل العليا الوطنية السياسية والاجتماعية، وعن المضمون المعتقلين النضالي والإنساني . وقد حاول الأدباء المعتقلون جاهدين من خلال نتاجاتهم الإبداعية، أن يكونوا صادقين مع تجربتهم أوفياء لها، يسجلونها بصدق وأمانة، لأنها تعكس ما في دواخلهم من مشاعر وطموحات وتحديات وروح عالية، وتمسكا بالهدف السامي الذي اعتقلوا في سبيله. لقد شكلت قساوة الاعتقال بما كان فيها من كبت نفسي وتعذيب جسدي، تربة خصبة لتفجر الطاقات الإبداعية، كردّ فعل طبيعي ومنطقي على ممارسات القمع. وهذه التجربة الإبداعية كان لها تأثيرها على المعتقلين من حيث تعزيز صمودهم وتحديهم لممارسات السجان، كما ساهمت في خلق الظروف المناسبة وتهيئتها لتربية الإنسان الفلسطيني وتجذير انتمائه وتصليب إرادته وتمكينه من بناء الذات الوطنية التي تؤهله لكسب معركة الصراع التي يخوضها ضد الاحتلال. وقد تناول المبدعون المعتقلون في كتاباتهم الأدبية، قضايا مرتبطة بظروف اعتقالهم، وبتفاعلهم مع الأحداث الخارجية خصوصا في مرحلة الانتفاضة، ومن القضايا التي عبروا عنها:

ـ تسجيل واقع المعتقل ورسم صورة للسجان وممارساته ضد المعتقلين، من تعذيب وضرب على أماكن حساسة، وخنق بالكيس في الرأس، وكتم الأنفاس، وتعصيب العينين، والشبح، والهز العنيف بعد تقييد اليدين للخلف، وخلع الأظافر، وتحطيم الأسنان. في سيرتها الذاتية (أحلام بالحرية) التي قدمتها الكاتبة “عائشة عودة” لتجربتها في الاعتقال، وصفت حالات التعذيب التي مورست ضدها، حيث تناوب عليها المحققون الإسرائيليون بعدة أساليب من التعذيب في التحقيق، ويمكن تلخيصها كالتالي: الصفع على الوجه، الضرب على الرأس، ضرب الرأس في الحائط، شد الشعر إلى أعلى، الركل بالأقدام، الضرب بالكفين على الأذنين، الضرب بالكرباج على مختلف أنحاء الجسد، شتائم ومسبات بذيئة، الإهانة والإذلال، الحرمان من الطعام، الحرمان من النوم برش الماء وبتسليط ضوء قوي على الوجه، الوقوف فترة طويلة والوجه إلى الحائط والذراعان مرفوعتان، دلق الماء البارد بعد جولة من الضرب، الحرب النفسية بالتهديد بالشلل والعمى، التهديد بإحضار أفراد العائلة، التهديد بالاغتصاب، وتعرية الجسد أمام المعتقلين.

ـ تناول قضايا متعلقة بالحياة العامة خلف القضبان مثل: المواجهة والتحدي والحرمان والصمود والانتماء و الحنين للأهل والأبناء والأصحاب. كذلك الحديث عن النضالات والإضرابات داخل المعتقل. ورفض القيود والتمرد عليها وكسر طوق العزلة التي يسعى الاحتلال لفرضها على المعتقلين.

ـ لم يقتصر انشداد المعتقلين على مصيرهم الشخصي، وعلى الوجع والقهر الذي يعانون منه، بل تفاعلوا مع أبناء شعبهم في نضالاتهم ضد الاحتلال بالكتابة والإبداع. كما تفاعلوا مع الأحداث الوطنية الكبرى: اجتياح لبنان، مذبحة صبرا وشاتيلا، الاعتداء على المخيمات في لبنان، الانتفاضة وغيرها. وأكدوا أيضا على مسألة انتمائهم لعروبتهم ووطنهم العربي الكبير.

ـ وعبّر المعتقلون عن أحلامهم بالليل التي تمتزج فيها المشاهد بين القيد والانطلاق، حيث يظل المعتقل القابع خلف القضبان مشدودا إلى العالم الخارجي، مدينته وقريته ومخيمه وأهله، وجميع من ارتبط معهم بذكريات، وتبقى الحرية هاجسه وأمنيته التي تعشّش في أعماقه.

ـ يُعد السجن القابع فيه المعتقل من أكثر الموضوعات التي تناولها الأدباء المعتقلون، ومجالا خصبا لإبداعاتهم، وذلك لما انطوى عليه من تعذيب وقهر وحرمان وذل ومهانة، وكذلك لما انطوى عليه من بطولة وتحدٍ وإرادة وإصرار وثبات ورباطة جأش وتضحية وعطاء. لهذا كتبوا عن: مساحة السجن الضيقة والزنازين الانفرادية وغرف السجن وما تحتويه من رطوبة وعفن وسكون ووحدة وقلق وظلام وقتامة ووصف لأسوار السجن والشبك والقضبان والسقف. بالإضافة إلى تناول أقبية التحقيق وما يدور فيها من ممارسات سادية وعنصرية ضد المعتقلين، وكذلك وصف أدوات التحقيق والتعذيب.

وقد قدم الروائي فاضل يونس في شهادة روائية تسجيلية بعنوان (زنزانة رقم7)، وصفا دقيقا للسّجن وما انطوى عليه من عذاب وقهر وحرمان، حيث يذكر عملية نقل المعتقلين من معتقل إلى أخر وما يرافق هذه العملية من تعذيب ووحشية وقسوة ، كما يوضح مدى الظلم والاهانة والإذلال الذي يواجهه المعتقل لمجرد أنه لم يقل للسجان يا سيدي.

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب “البعد السياسي للإستشراق في فكر إدوارد سعيد”**

أسعد العزوني* قال د.محمد هاشم البطاط من العراق ،أن النبي محمد “صلى اله عليه وسلم”هو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *