ثقافة المقال

إضاءةٌ على الإعلام الجديد

كتب | مهند العراوي

يُطلق مفهوم “الإعلام الجديد” الحديث نسبياً على الأدوات والوسائل الإعلامية الجديدة التي استحدثت بفضل الثورة التكنولوجية في المعلومات والاتصال، حيث أتاحت هذه الثورة لأي شخص في أي مكان في العالم أن يتعرف على كل ما يجري على سطح الكرة الأرضية خلال بضع دقائق، هذا ما جعل عبارة “العالم قرية صغيرة” قديمة لتحل محلها “العالم جهاز صغير بحجم كف اليد”.

ليس هذا فحسب بل أتاح الإعلام الجديد لأي شخص أن يقوم بنشر أخبار وتقارير وصور ومقاطع مسجلة عن أي حدث من الأحداث الدائرة، سواءً كان حدثاً سياسياً أو ثقافياً أو اجتماعياً أو رياضياً، وذلك عبر مساحات متاحة مثل “الفيس بوك والتويتر” وغيرها من المواقع التي تتيح للمستخدم العادي إنشاء المدونة (blog) الخاصة به، والتي يستطيع  من خلالها نشر أي مادة بضغطة واحدة، ليصبح النشر متاحاً للجميع بعد أن كان مقتصراً على الصحفيين، لذلك فقد أعطي الإعلام الجديد أسماءً مثل الإعلام الجماهيري والإعلام البديل.

من الملاحظ أن حركة التدوين في البلاد العربية تتسع يوماً بعد يوم، وذلك وفق الإحصائيات الأخيرة والتي ذكرت أن 38% من مستخدمي الانترنت في الوطن العربي يهتمون بالمدونات ويطالعونها بشكل مستمر، كما تذكر دراسات أخرى أن 87% من المدونات السياسية تعمل تحت أسماء مستعارة، وذلك خشية من التعرض للأذى من قبل الأجهزة الحكومية، خاصةً وأن الدراسات تشير إلى أن الاهتمام الحكومي بالمدونات في الوطن العربي هو أمني محض.

خلال السنوات القليلة الماضية استطاعت حركة التدوين والتي يسيطر عليها الشباب بنسبة كبيرة أن تحدث تغييرات ملموسة فيما يخص قضايا تهم بلدانهم ومجتمعاتهم، حيث أثمرت هذه الحركة الجديدة عن استقالة ساسة وقادة في عدة دول، وتحريك قضايا تهم الرأي العام كما وأجبرت الحكومات في الكثير من الأحيان على اتخاذ إجراءات لتخفف من الضغط الناتج عن هذه حركة التدوين، وفي حادثة تدل على قوة هذا الإعلام قدم السيناتور الأمريكي “ترينت لوت” استقالته عام 2002 وذلك بعد هجوم شنه عليه مدونون (bloggers) نتيجة لتصريحات عنصرية أدلى بها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

ومؤخراً  قام عدد كبير من المدونين المصريين جلهم من الشباب بإنشاء حملة إعلامية كبيرة على الحكومة المصرية عبر المدونات المختلفة والمواقع الاجتماعية، وذلك رداً على مقتل شاب مصري على أيدي ضباط من الشرطة، وبالفعل استطاع المدونون تنظيم مسيرات ومظاهرات حاشدة للتعبير عن رفضهم لهذا العمل وللمطالبة بمعاقبة الفاعلين من رجال الشرطة، حيث دفعت هذه التحركات الشعبية الحكومة المصرية لعرض ضباط الشرطة للمحاكمة.

بعد هذه الإضاءة على الإعلام الجديد وتجاربه خلال الفترة الأخيرة، يتضح لنا أن “الإعلاميون الجدد” استطاعوا تبني قضاياهم بشكل جيد وإيصال صوتهم إلى أصحاب القرار، وتحقيق ما لم يستطع الإعلام الرسمي تحقيقه في بعض الأحيان.

في قطاع غزة بتنا نشهد حركة تدوين جيدة نسبياً، وذلك من خلال ازدياد عدد المدونين، إضافة إلى عقد دورات وورش عمل لتعليم الشباب كيفية استخدام الإعلام الجديد والأسس الصحيحة للتدوين.

وكون القضية الفلسطينية من أهم القضايا على الساحتين العربية والدولية كان لزاماً علينا كشباب فلسطيني إعطاء اهتمام اكبر إلى التدوين، وتفعيل هذه الأداء القوية والسهلة والسريعة لخدمة قضايانا الوطنية وإيصال صورة واضحة عما يحدث في فلسطين من اعتداءات إسرائيلية مستمرة على الشعب الفلسطيني.

واختتم مقالي هذا بدعوة المؤسسات الإعلامية الحكومية والغير حكومية إلى إيلاء اهتمام اكبر لهذا النوع الجديد من الإعلام، والعمل على إخراج كادر قادر على التعامل معه واستخدامه في خدمة القضايا المختلفة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق