ثقافة السرد

لقطات من زمن الحرب

قصص قصيره وقصيره جدا

محمد سعيد سيف

فلاش
ناس لم تقتلها القذائف و الرصاص فهي تحيا و لكن كأن لم تعد تحيا
إنها الحرب تترك حيثما حلت جرحا ما ، نزيفا ما، وجعا ما، إعاقة أو فاجعه
1
أبحث عن ظل، أنا الباحث عن ظل و لا شئ آخر ـ هذا حالي و هذه حالتي بعد أن لم يعد لي ما أفعله منذ قامت الحرب فانتزعت مني عملي ومدينتي وأجبرتني على النزوح إلي هنا، إلى هذا الركن القائض من سطح البيت الريفي الذي ولدت فيه ـ
ما أن ترتفع الشمس في السماء حتى أهب واقفا في مكاني وأبدأ في التطلع حوالي بحثا عن ظل، عن الظل العزيز، الظل الذي لم يعد ظلا كما كان في الماضي عندما كنت طفلا صغيرا ألهو وألعب وأجلس تحت الأشجار

2
تعبان
كلمه واحده فقط تخرج من فمه و لا أحد يسمعها ـ رجل متعب تعب حقيقي ، أنهكته الحرب وامتصت قواه ثم ألقته مزقا بين جدران غرفته يحاول في إعياء لملمة أنفاسه ـ
كان بالأمس متحدثا لبقا يشد إنتباه سامعيه و يثيرهم ـ
إقتحم المسلحون بيته وأحالوه إلى ركام بعد أن فتحوا فمه عنوة وانتزعوا من بين فكيه جوهره
تعبان
تعبان فقط، لا يقول غيرها وإن أراد أن يقول تخرج من فمه مكسره، حروف وألفاظ وأصوات، أصوات موجعه ” بفتح الجيم وكسرها “

3
تكلمت دماءه لساعات طويله وهي تغادر جسمه الصغير
آه يا زينب
أنا هنا تحت الأنقاض والعالم كله فوق خارج هذا العالم
آه يا زينب
دمي يركض في الحجرات ، يتدلى من السقف على الجدران
ما هذا اليوم يازينب ؟ في أي شهر نحن وفي أي عام ؟
هل تسمعينني يا زينب ؟
يازينب يا زينب
أين أنت ألآن ؟
كانت زينب تناديه بدورها من مكان آخر تحت الأنقاض، نفس الأنقاض، هذه التي كانت بالأمس فقط بيتا صغيرا جميلا أشبه بالعش المصنوع من العشب ، كان عشا للحب يضم قلبين عاشقين بضين
كانت رومانتيكيه وهو رومانسي
تناديه قائله
يا صغيري المدلل
كانا يحلمان بطفلهما الأول

4
إستيقظت مذعوره بعد منتصف الليل عقب نوم خفيف مشحون بأحلام صفراء خانقه نفضت ما علق منها في رأسها و نهضت متدافعه في روبة النوم ـ
لم تتوقف في مكان محدد داخل غرفتها أو خارجها ـ وجدت نفسها تركض بقدمين حافيتين وشعرها يتطاير حول وجهها في الشوارع المقفره ـ بدت المدينه منكفئة على وجهها نائمة مستيقظه ، المدينه المنكوبه ، يالهول ما تحدثه الحرب من دمار و خراب و ضياع !
قلبها يتفتت بين ضلوعها دقاته المرتفعه تصرخ في الصمت و الظلام، الظلام الكثيف المخيف الذي يلف الأمكنه ـ
الهواء أين الهواء ؟ أين الأكسجين ؟ المستشفى أين هي المستشفى؟ بالأمس كان المستشفى هنا ، في هذا المكان و كان هناك أيضا ، في أمكنه عديده ـ
أين اختفى المستشفى الذي فيه ترقد أمها؟ أين سرير أمها ؟ أختها المريضه و صديقتها الممرضه؟
أسئله ، أسئله، أسئله
تتلقفها أزقه خرساء موحله موحشه

5
ورده بجانب ورده ـ ـ رجل و إمرأه يتجاذبان، غير بعيد من الوردتين، أطراف الغرام ـ مطر يهطل بغزاره و يغمرهما مع الوردتين ـ لماذا لا ينهضا و يسرعا إلى أقرب مكان لا يصل إليه المطر؟ ألأنهما يريدان أن يحدث لهما هذا، أن يبللهما ماء المطر؟ أم لأن الوردتين لا يمكنهما الذهاب معهما بعيدا عن المطر المنهمر؟ إنهما سعيدان كثيرا هكذا ـ لكن، ماهي طبيعة العلاقه الغراميه بينهما يا ترى ؟ أهو زوجها ؟ أهي خطيبته ؟ حبيبته ؟ صديقته ؟ أم أنهما كل هؤلاء معا على أية حال ما أهمية أسئله أو تساؤلات كهذه ؟ لا شئ، في الحقيقه ، أكثر من الفضول البرئ أو حب الإستطلاع البشري الذي أخذ يتحول إلى حركه مشاكسه من جانب أولاد الحاره الذين تركوا أماكنهم فوق سور الحديقه القديمه المهجوره و راحوا يتسللون بهدؤ داخل المشهد ـ
المطر ينهمر ـ تتوهج الوردتان ببهاء أكثر متلقفتين قطرات المطرر ـ الرجل و المرأه يغرقان كتلة هلامية على هيئة ورده ، ورده ثالثه كبيره تملأ المكان ـ يكتم الأولاد أنفاسهم و يتوغلون داخل المشهد مشكلين معا وردة رابعه ـ الورده الخامسه كانت هناك ألآن ، بارتفاع سنبله طايرت حباتها في الهواء رصاصتان ـ ـ ـ ـ ـ ـ
هنا ينام عاشقان

*القاص محمد سعيد سيف/ قاص من اليمن. 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق