ثقافة المقال

قوقو جرجيس، علامة ثقافية ومدرسة فنية

د. رضا الأبيض

تشتهر مدينة جرجيس بالجنوب الشرقي للبلاد التونسية بموقعها الجغرافي المتميّز. فهي شبه جزيرة تربطها بجزيرة جربة قنطرة رومانية، وتزدهر فيها غراسة النخيل والزياتين، وتحتوي مواقع أثرية وتاريخية مثل شماخ وزيان..
ومما تشتهر به جرجيس على مستوى التراث اللامادي فرقة قوقو Gougou للفنون الاستعراضية. وهي فرقة تأسست سنة 1966 ، وعرفت بلوحاتها الفنية وطنيا وعالميا.

ليس لعبارة ” قوقو” Gougou معنى واضح، ولكنه قد يكون كلمة افريقية قديمة من الكلمات التي تحاكي الأصوات. ويرى قائد الفرقة الحالي السيد حسين جرتيلة أنها حرّفت للتلطيف، وقد تعني ” القنبري” . والقنبري اسم لا يحدّد نوعا مميّزا من الآلات ” بل هو تعميم لمجموعة كبيرة من الوتريات المعروقة المتداولة بشمال إفريقيا وصحرائها والمناطق المحيطة بها من الجنوب وفي اتجاه الغرب.” ( المؤدب، 2016)، يعود استعماله في البلاد التونسية إلى فترات قديمة، وراج استعماله حديثا خلال القرن التاسع عشر.
تستعمل فرقة قوقو في أداء لوحاتها الغنائية والراقصة الآلات التقليدية مثل الدربوكة والطبلة والزكرة والبندير. وحافظت على جذورها من خلال الإيقاعات والأزياء التي يرتديها أعضاؤها مثل الجلوالي والفرملة والشاشية والنوّارة ..
لقد نشأت هذه الفرقة في جرجيس نشأةً عائلية، ثم تحولت إلى “مدرسة” تحتضن الهواة وتصقل مواهبهم. ولقد توارث العضوية في الفرقة الابن عن الأبِ ..

تشتغل الفرقة في المهرجانات والأعياد والمناسبات الوطنية، وتساهم في تنشيط الحياة الفنية في سلسلة من النزل في جرجيس وجزيرة جربة خاصة. وامتدّ نشاطها على مستوى وطني، وعُرفت عالميّا خاصّة بلوحة الرقص بالجرار ( القلال) التي كان يؤديها السيد عبد المجيد جرتيلة، والتي ورثها عنه الآنَ ابنُه.
وتتمثل هذه اللوحة في الرقص بأكثر من اثنتي عشرة قلة على الرأس؛ حتّى أنّ المساعدين يستعينون بسلالم لوضع الجرار الواحدة فوق الأخرى على رأس الراقص…
وتمثل هذه اللوحة واسطة عقدِ لوحات أخرى كثيرة ذات إيقاعاتٍ محفزة على حالات شبيهة بـ” التخميرة الصوفية “.

يتشارك عناصر الفرقة في أداء مختلف الأدوار في لوحات فرجوية متتالية غنائية وراقصة تتشكل منها ” سهرة قوقو”. ومن أشهر لوحات قوقو إضافة إلى رقصة الجرار، لوحة الزقارة بالعصيّ . وتعني الزقارة المبارزة والخفة في الحركة . وهي لوحة مثيرة، إيقاعاتها إفريقية، وتحتاج إلى تركيزٍ شديد.
ومن الأغاني التي تؤديها الفرقة أغان تراثية أصيلة تونسية وليبية، ومنها ” المحرّف”، أو الشخصي الذي يكتبه شعراءُ الفرقة مثل السيد حسين الذي جمع بين كتابة الشعر وتلحينه وأدائه..
وبسبب التحولات التي تشهدها تونس منذ 2011 على المستوى الاقتصادي، وتراجع أعداد السياح تعيش الفرقة التي ارتبطت أعمالها بالسياحة خاصة ، أوضاعا يمكن وصفها كما قال أحد أعضائها بكونها صعبة.

ولذلك، ولمّا كانت هذه الفرقة تمثل أحد رموز التراث المحليّ والوطني فإنه من الضروري أنْ تفكر الجهات ذات الصلة مثل وزارة الثقافة والولاية والبلدية في السبل التي تحافظ بها على هذه الفرقة وعلى استمراريتها باعتبارها علامة ثقافة ومدرسة فنّية، وذلك بدعمها ماديا، ودفع وزارة الثقافة إلى إدراج عروضها ضمن برنامج ثقافي وسياحي وطني..
إن مثل هذه الفرق الفنية بلوحاتها التراثية والفلكلورية، وعروضها المتميّزة تمثل قيمة رمزية وطنية بل إنسانية تحتاج إلى من يساعدها على الاستمرار في ظل التحديات الجديدة.

مراجع:
جرتيلة ،حسين : حوار على موجة أف أم
https://www.youtube.com/watch?v=hBFoNx-8bvY
المؤدب، أنيس، 2016 : « الڨنبري تلك الآلة التي ماتت في تونس مرّتين »، المركز التونسي للنشر الموسيقولوجي
http://ctupm.com/ar/the-guinbri-twice-disappeared-instrument-in-tunisia
Gougou Zarzis Jongleur de Jarres
https://www.musicjinni.com/mljgqUQD8Vr/Gougou-Zarzis-Jongleur-de-Jarres.html

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق