ثقافة المقال

الإله يموت….

عقيلة مراجي *

من طريف ما حدث في المشهد النقدي الأدبي العربي، ذلك السعي خلف كل المنجزات الغربية على سفاهة بعضها وجرأة البعض الآخر، وملابسات بعض الأفكار الهدامة والتي تضرب بعرض الحائط كل مبدأ عقائدي …ونحن كالأعمى الذي يتبع رائحة الأتان ليصل إلى البيت، إلا أن الأتان تأخذه إلى اصطبل الأحمرة (أكرمكم الله)…
فمنذ أن اتصل النقد العربي بالنقد الغربي اتصالا مبنيا على الانبهار والتكريس لمبدأ الإله فإن النص العربي لم يعد عرابا للمجتمع ولم يعد مرآة ولم يعد رسالة بل أصبح تطريزا لكلمة الغرب، كذلك لم يعد النقد عرابا للأدب على حد قول منظر النظرية الدكتور عبد الرزاق عودة الغالبي، بل أضحى في غالب أحيانه رصفا للمصطلحات الغربية التي تشكل أزمة للنقد وفرض المنهج على النص، طبعا هذا لا ينطبق على كل النصوص بل نحن نعالج الأمور بوصفها ظاهرة مهيمنة،
لكن قد بدأ يتضح في الآونة الأخيرة أن هناك سعي حثيث لتجاوز هذه الأزمة، وانطلقت أصوات واعية تعلن أن “الإله يموت” ولنضرب على سبيل المثال جهود الدكتور عبد الرزاق الغالبي مع الذرائعية، والتي أقل ما يمكن أن يقال عنها مبدئيا أنها تتصف بالوعي ، الوعي بطبيعة النص الأدبي من حيث الجنس واللغة، والوعي بطبيعة النقد ووظيفته، وما قدمه الباحث التاريخي منير الكلداني في نظريته النقدية التي تستهدف تلقي النص العربي بالنقد الشمولي، ولعل الرابط بين النظريتين هو الشمولية والسعي لعلمنة النقد..وتخليصه من الانطباعية والذاتية..وأنها تنطلق من خصوصية النص العربي لغة وتشكيلا ومرجعية..وهذا ما أسقطه أولئك الذين لهثوا خلف النظريات النقدية السابقة من البنيوية حتى مناهج ما بعد الحداثة …
هذه الجهود تبشر فعلا بمستقبل للنقد الأدبي العربي، لأنها على الأقل تنطلق من الوعي بما تقدمه…سواء من الناحية الاصطلاحية أم المرتكزات التي تتكئ عليها…
وما يؤكد فعلا على أن النظريتين على درجة من العلمية انطلاقهما من نظرية الأدب التي سعت لوضع حدود للأدب وللنص، وانطلقت من ذلك التعدد والتباين في تعريف الأدب والنص الأدبي لتبرهن في النهاية أن تلك التعددات تشكل في مجملها تكاملا وليس تعارضا ..ومن هنا نجد أن النظريتين لا تهملان الكاتب بوصفه منتجا ولا المرجع بوصفه مصدرا ومؤثرا ولا النص بوصفه رسالة وجمالية ولا القارئ بوصفه مستهلكا منتجا …
كما أن كلا النظريتين لا تعلنان القطيعة والعدائية مع المناهج النقدية السابقة بل تنظر إليها من حيث أنها تراكم معرفي يؤسس بطريقة أو بأخرى للمشروع النقدي الجديد ويؤصل له
وقد يكون هناك بعض الأصوات التي لم تكشف عن نفسها بعد…لكن في الأحوال كلها “الإله يموت” وهذا في حد ذاته منجزا ، حيث يؤكد الكثير من الباحثين أن مراحل التي يمر بها الأدب أو النقد هي مرحلة الانبهار ثم التقليد ثم التكرار ثم التشبع ثم التحول، وفكرة الإله يموت تمثل مرحل التحول في النقد الأدبي العربي.
*استوعاب المرحلة مفتاح تجاوز المحنة:
– يشعر الكثير من العرب بالدونية فيسرعون إلى إعلان عدائية مع كل جهد عربي أصيل ويرجع هذا الأمر إلى تخوف العربي من أفول نجمه إذا ما ابتعد عن المنجز الغربي، وهذا طبيعي في البداية وليس بالأمر المنكر، لكن يجدر بنا بذل جهد لتقبل الأنا كما نتقبل الآخر، وأن نؤمن بأن الأنا العربية تملك من العبقرية ومن الشياطين ما يؤهلها للإنجاز العلمي والمبني على الموضوعية، والإبداعي المبني على الخصوصية العربية…
– الجديد لا يخيف إلا من حيث أنه انفتاح على الإخفاق والسقوط..، لكن لو أننا نؤمن أن كل النظريات الغربية سقطت سقوطا حرا وأخفقت إخفاقا على رأسها البنيوية ومع ذلك قدمت لنا إرثا معرفيا كان سببا في ولادة الكثير من النظريات النقدية التي قدمت للأدب الكثير … لتجاوزنا مخاوفنا،فالإخفاق لا يجب أن يكون كابوسا..فلنؤمن بالإخفاق كما نؤمن بالنجاح ، الأمر لا يختلف عن الموت والحياة…فالموت هو دائما بداية حياة جديدة…
– من هذا المنبر أدعو أولئك الذين ينقبرون في برجهم العاجي أن يحطموا قوقعتهم ويخرجوا إلى الواقع، وأن يقبلوا على دراسة التجارب الجديدة قصد التطوير والتعديل..
والذي لا يؤمن بما أقوله فلينظر إلى ما يتبناه من نظريات وليبدأ في تعداد سلبياتها …..
أعتذر على الإطالة، وللحديث بقية
تحياتي للقارئ الواعي

*كاتبة وباحثة جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق