حوارات عامة

حوار مع جوليا كريستيفا: جاك ديريد، جاك لاكان، تيل كيل، رحلة الصين*

ترجمة: سعيد بوخليط

*جوليا كريستيفا: أحبَّ فيليب سوليرز ترجمة ديريدا وكذا تقديمه لكتاب هوسرل: أصل الهندسة (1962) ،فتوطد التعاون بينهما ابتداء من سنة (1965). أصدر سوليرز في مجلة “تيل كيل”العديد من مقالاته خلال فترة لم يكن إبانها ديريدا معروفا خارج أسوار فضاء الجامعة: “الكلام المهموس”، “صيدلية أفلاطون”، الصادرة ثانية بين طيات عناوينه الأخرى:”الكتابة والاختلاف “، “التشتت ”.لقد ألهمتني كتابات ديريدا تلقينا فلسفيا حقيقيا. هكذا تطورت الصداقة في خضم القراءة: الاستمتاع بنقاشات خلال جلسات عشاء في ريس أورنجيس حيث يقطن ديريدا وزوجته مارغريت وأبنائهما. أو في باريس،عند بول تيفونان، المؤتمِنة المذهلة عن مسودات أنطونين أرتو والناشرة لها، وقد ذهبنا معا إلى الكويت سنة 1971،قصد حضور مؤتمر دولي، حول :”الثورة العربية، رأس حربة، الثورة العالمية”، على خطى جان جينيه الذي كنا نتردد عليه كثيرا خلال تلك الفترة. سرعان ما سقطت الأوهام : نناقش بيان الحزب الشيوعي لماركس وإنجلز، بينما يتعفن الشيوعيون داخل السجن في دمشق وبغداد،حيث استُقبلنا أيضا، ثم انعدام وجود أي امرأة ضمن هؤلاء ” الثوريين” أقطاب البترول…لقد أتى ديريدا بدوره إلى “جزيرة ريRé “… هل الاحترام الذي فرضته كتاباته، خلقت بيني وبينه حاجزا، كي أتجنب الاقتراب من شخصيته المتحفظة، الكتومة، والانطوائية.فعلا، تموضع سوليرز ومشروعه في قلب هذا اللقاء: لقد أنجز ديريدا عمله المعنون ب”التشتت”خصيصا لرواية سوليرز المسماة: أعداد.بدوري هيأت كتابي:”ابتداع الصيغة” لنفس الهدف. الأمسيات النظرية المنظَّمة من طرف حلقة “تيل كيل” في شارع رينز، تخلق غليانا فكريا حول الأساس الأدبي !لكن القطيعة حدثت تدريجيا،بحيث اقترب سوليرز من الصين وجاك لاكان،بينما نزع ديريدا نحو الحزب الشيوعي وكذا مجلة النقد الجديد التي كنا ننأى عنها تماما. وقفت على الحياد من هذا التباين، وقد نزعت قبل ذلك نحو عدم انتظار ”حلول”من السياسة، بل الأولى البحث في الأسباب اللاواعية التي تدفعنا وجهة إيديولوجيات سماوية. بعد ذلك، أتيحت لي فرصة الالتقاء بديريدا في الجامعات الأمريكية حيث كنا ندرِّس باستمرار. دون إفراط في استثمار هشاشة هذه الصداقة الأمريكية الجديدة، نظرا لحيثيات خلافه مع فيليب.مع أن فكر ديريدا يستمر غاية اليوم خاصا جدا، فقد أثَّر في مكونات جيلنا.لقد انتقد كثيرا الكبت المميز للفلاسفة الجامعيين، قبل أن يقتحم سبيلا أبعده عن الأدب، متوخيا تطوير كتابة متصلة بالحالات القصوى أكثر من مسلك التحليل أو الخيال. إنه تفكيك نموذجي للأدب، والهوية، والذات.

*صامويل دوك: تطرقتم أساسا في رواية الساموراي(1990)، وهي مسألة مشروعة، إلى علاقاتكم مع حلقة”تيل كيل”، ثم انخراطكم التدريجي.لكني أحب أكثر الوقوف معكم بتفصيل عن وقائع مسار حياتكم بين”تيل كيل” وكذا انكبابكم على أطروحتكم، ثم ماهي رؤيتكم للحياة الباريسية؟

*جوليا كريستيفا :لا يقترح نص الساموراي صورة شاملة عن “تيل كيل”.الخاصية الشاذة،التي تجلت معها، فأغوتني خلف المظهر الطيش الثائر وكذا المواقف الاجتماعية لهؤلاء الكتَّاب، تمثلت بالأحرى في سمة المجازفة لديهم. أقصى ممكنات الرهان على المستحيل والموت. أجاد ساموراي الشمس المشرقة، فن الحرب الذي مارسوه شعرا، وبواسطة فن الخط ثم حتى من خلال طقوس ارتشافهم الشاي. على النقيض من جيل “الأساتذة المتنفِّذين” المكتفين بالتطلع فقط نحو موقع تقديم الدروس وقيادة التعليم، والحاضرة، والفكر. لقد اكتشفت كنه تمرد ذاك الشباب، المنحدر من البورجوازية والطبقات المتوسطة، والذي جذبني نحو عالمه نتيجة اندفاعه، ورفضه للمعايير، وصموده أمام المؤسسات وكذا رغبته في الذهاب نحو أقصى درجات المعنى والحياة. هؤلاء الساموراي البسطاء، الهزليين أو الأشداء – ثم ورثتهم المهتمين بتجربة تيل كيل- خلقوا ثقافة وقحة، رافضة للتقاليد. هذا الاهتياج للفكر والأفئدة، الذي ساد البنيات الصورية للغة والأجناس،أدى إلى خلخلة الثقافة الرسمية. سواء داهنوا الأخيرة أو انتقدوها، استلهموا منها أو هضموها، فتلك الثقافة تزعجهم في نهاية المطاف. هكذا تجلى الوضع بكيفية واضحة مع سوليرز، لكن أيضا رولان بارت الذي أضحى اسمه أرمان بريال في رواية الساموراي، كما نصادف بنزيراد/إميل بنفنست، شيرنير/لوي ألتوسير، ستريخ-ماير/ليفي ستراوس، لوزان/ جاك لاكان. وينبغي قراءتها بمثابة صدى لرواية فيليب سوليرز :”النساء”(1983).

*صامويل دوك: لنتكلم تحديدا عن لاكان. تقدم لنا أعمالكم وأبحاثكم في التحليل النفسي حمولة قيمة كي نتناول بشكل أفضل الديناميكية الذهنية التي تقتضيها نظرياته، و”بلاغة المعتّم”لديه،ثم اللغة التي أبدعها.قدمتم في نص الساموراي وصفا مثيرا لحزن كارول (إحدى الشخصيات البديلة عنكم بين طيات هذه الرواية) لحظة وفاة لوزون، مما يظهر قوة ارتباطكم بجاك لاكان: “ألم متكتم، غامض وغير قابل للتحمل. يذكرني السياق بذاك الحلم عقب إخفاق: عندما أضعت خَاتَما،وحلقة من الماس، لقد أضنيت نفسي في البحث عنها بين ثنايا الأغطية، والأثاث،وصندوق القمامة: لكنها لم تكن خَاتَما، بل فقدت حقيقة إصبعا، الأسوأ :ضاع مني ذراع بأكمله، أحد سرق مني لوزون. إنه الموت”.

*جوليا كريستيفا: نعم، مثلت كارول نسخة مني، لكنها ليست بالراوية، فقط مجرد”شخصية”… عندما تجابهني الحجج الفرنسية الدقيقة الباحثة دائما عن الجديد، أدرك تجلي حدوسي التي كانت سابقا ضبابية، وتقييماتي المجردة: لقد كان إذن صحيحا، فنحن نتاج حضارة للكلمة، واللغة، ثم اللغات التي تتكلم من خلالنا هنا والآن، وتفتح جسورا غير متوقعة، ربما كٌلِّيات جديدة. سيميولوجيا رولان بارت، أكثر نعومة، من التي أسسها سوسور وساندرز بيرس، وقد أمدتني بوسائل الإصغاء إلى المعنى والدلالة. توقفت هذه ”المقولات”على أن تشكل قاعدة وتبينتُ هشاشة مقاومتها ضد الأشكال الجديدة للتوتاليتارية، وحيال الاستخفاف بالعقول واختزال الإنسانية إلى مجرد سلعة، لكن لايجوز التصرف فيها.ويبقى غير كاف، ملاحظة ارتباط هذه الصيغ الدالة بسياقها التاريخي. تفتقر الظاهراتية وكذا الهيغيلية- الماركسية إلى عنف الرغبة، وكذا الشهوة الغريزية.يمكث متواريا، في دراسة فرويد المعنونة ب ”تأويل الأحلام”،هذا المكون الثالث، بين المعنى والتاريخ. كتاب أخفاه أبي في رفوف يتعذر الوصول إليها داخل خزانته(عثرت عليه فقط بعد موته)، مادام يعرف أن فرويد ترفضه”الإيديولوجية المهيمنة”. فيليب سوليرز من أحالني على هذا العمل المؤسس للتحليل النفسي.لقد قرأه غير مامرة، بل يقرأ على امتداد الوقت، بشكل سريع جدا، على سريره، أو أينما حل وارتحل، أيضا بفضل سوليرز، اكتشفتُ”ثلاث دراسات في النظرية الجنسية”،”خمس محاضرات في التحليل النفسي”،”فيما وراء مبدأ اللذة”.بالتأكيد،أطروحات جاك لاكان، التي احتواها عمله : كتابات(1966) ،كانت عسيرة على الفهم بالنسبة لمبتدئة في التحليل النفسي مثلما الشأن معي آنذاك.مثل العديد من الآخرين، أوحِّد، وأحلم، بنوع من الاستبطان عبر شكل معين للقراءة. هكذا، توجهنا إلى الحلقة الدراسية لجاك لاكان.جماعة مفتونة بسحره المتدفق بواسطة لغة غريبة عن اللغة الفرنسية، ويحث على متابعة التداعي الحر للأفكار، الذي مارسته وأنا بصدد قراءة كتاباته. وجدت بأن، حلقته الدراسية أكثر يسرا، لأن خطاب لاكان المتجسد مسرحيا يغدو مصدرا لاهتزازات متنقلة، حميمة أكثر، قدر أيضا صعوبة الإحاطة بها.عند تخوم تجربة جمالية، ودينية أو حالمة.أخذت الطريق وجهة اللاوعي.

*صامويل دوك: لقد اعتبرتم هذه الحلقات الدراسية بمثابة جلسات حقيقية للعلاج النفسي بالنسبة للحضور!

*جوليا كريستيفا: فعلا، كانت مثل حصة للعلاج النفسي !يتنازع المتابعون حول أمكنة أجهزة التدفئة، ويسرعون نحو وضع الميكروفونات لالتقاط تفاصيل قول الأستاذ. وقفات صمت طويلة،وبغثة يصدح بجمل لاذعة نحو جمهور مفتون، ثم بطء محسوب، بحيث يعكس أداء شخصية ممثل كبير !لا أتذكر تماما أول لقائي الشخصي مع لاكان، غير أن فيليب يعرفه سلفا،فكان يزورنا في بيتنا الكائن ب 88 شارع بور رويال، إما نحتسي شرابا أو يتقاسم معنا وجبة عشاء خفيفة. يصعد أدراج خمس طوابق ! جاك لاكان رجل نبيل وبسيط،نعم، على النقيض من الصورة التي رسمتها الأسطورة، أعترف بأن البساطة تمثل قناعا ماكرا أكثر لدى كاثوليكي ماهر، لكني آمنت دائما بإحساسي نحو أصالته. قبل ولادة ابني دافيد، كان يتصل بي هاتفيا في جوف الليل أحيانا، مستفسرا عن مستجداتي مع تجربة الحَمْل ويسألني إن كانت لدي تصورات قبلية بخصوص الاسم الشخصي المفترض حين ولادة الجنين. لحظتها كنت أسمح لنفسي كي ألفت انتباهه إلى تأخر الوقت!(قهقهات). التقينا ثانية بعد صدور عمله : Polylogue (1977) .ربما الحقبة التي فك خلالها ارتباطه عن الاتجاه الفرويدي؟ اندهشت حين سمعته يخاطبني قائلا بأنه لم يخلق للانتماء خاصة إلى مدارس! لقد استضافني كي أتحدث أثناء حلقته الدراسية. شعرت بإطراء كبير،في ذات الوقت شعرت بالاضطراب، مادامت شخصيات معدودة فقط،ثم نسبة نساء أقل،من حظوا بهذا الشرف. لكن طفلي دافيد،الذي كان مريضا نتيجة معاناته مع نمو أسنانه، قضى أغلب ساعات الليلة السابقة باكيا،مما أحدث لي تعبا شديدا خلال صبيحة اليوم المقرر للمداخلة، فلم أجد من خيار أمامي سوى الاعتذار عن المشاركة.

*صامويل دوك: سنة 1974،قمتم صحبة سوليرز، بارت،وجان فال ومارسلان بلينيت، بأول سفر لمثقفين غربيين نحو الصين، منذ عودتها إلى الأمم المتحدة سنة 1971، كان يفترض حضور جاك لاكان، لكنه تخلف عن مرافقتكم. تطلعتم إذن، حسب مفاهيمكم الخاصة إلى “الوقوف على المعطيات المغايرة” المميزة للاشتراكية الصينية. مقالكم الجديد الصادر في اليومية الصينية : (Renmin Ribao). ذكَّر بالسياق السياسي العالمي وكذا الدور الذي اضطلعت به الدولة الفرنسية فيما يتعلق برحلتكم تلك.هل بوسعكم تذكيرنا بحكاية ظروف السفر؟

*جوليا كريستيفا: لقد تحدثت عن ذلك في كتابي :صينيات (منشورات نساء،1974، ثم صدر ثانية عام 2001). حياتي في بلغاريا الماركسية، لم تهيئني كي أصير ماوية متحمسة، وامتلكتٌ فقط معارف طفيفة تهم الثقافة الصينية، بالكاد أنعشها اطلاعي على حوار جرى بين لاوتسي وكونفوشيوس لصديقي تزفيتان ستويانوف، الذي أشرت إليه سابقا. انجذاب سوليرز وأصدقاؤه إلى الفكر الصيني، لايمكنه سوى أن يصيبني بالعدوى. لقد التهمت مؤلفات مارسيل غراني، وانغمسنا في الكتاب الضخم لجوزيف نيدهام: تاريخ العلم والحضارة في الصين، وقد حظيت بفرصة التقائه، ثم انكبابي على تعلم اللغة الصينية في إطار دروس خاصة، مع إيزيا شينغ وفرانسوا شينغ، هذا المثقف الصيني الرفيع، العاشق للحضارة الفرنسية الذي تحلى معي بصبر كبير أنا التلميذة المستعجلة حينئذ. لم يواصل فيليب تكوينه بخصوص هذا المجال، بينما حاولت من جهتي تعميقه بالتسجيل في سلك الإجازة للغة الصينية بجامعة باريس السابعة، بيد أني لم أواصل المضمار، لكن ذلك شكَّل دافعا كي أراكم معرفة ساعدتني على تقديم أجوبة لتساؤلات الصينيين، الذين اطمأنوا إلى هويتي انطلاقا من شكل وجنتي وكذا طريقة لباسي الماوية، فسألوني عن السور العظيم! بحيث توهموا أني صينية !أعجز حقيقة عن خوض حوار طويل بتلك اللغة، لكن في وسعي عموما التعامل مع أصدقاء السفر برؤية متعالية.هل تخيلتم المشهد! .

*صامويل دوك: لاسيما رفقة أشخاص منقطعين إلى دراسة اللغة والكتابة !

*جوليا كريستيفا :زارت مفوضية”رفاق تيل كيل”مدن بكين، ليونغ،شيان، شانغهاي.التقينا عمالا، وفلاحين، ومثقفين،رجالا ونساء :نساء كثيرات. أحببت الأمر!. لقد توخينا الذهاب إلى منطقة التبت،لم يكن ذلك ممكنا، اقتضت الخطوة شيئا من الاحتراس، مع ذلك بادرنا إلى زيارة المغارات البوذية المتواجدة في منطقة ليونغ! وعايننا إجراء عملية جراحية على الطريقة الغربية دون تخدير بل فقط بواسطة وخز الإبر!أردت معرفة مدى إمكانية تبلور”اشتراكية صينية”منتبهة إلى الاختلاف الوطني، ولاسيما كيف للنساء اللواتي تمتعن بحظوة في ظل تراث قائم على نظام الانتساب إلى الأم والديانة الطاوية،ثم عانين الاضطهاد مع كونفوشية بطريركية، سيتمتعن مرة أخرى بالتحفيز بل والتميز نتيجة الخطابات الأخيرة للرئيس ماو، فانطلقن رفقة الشباب المهاجم ل”بيروقراطيية الحزب الشيوعي”، أقول هل بوسعهن أو غير ذلك،تغيير الميثاق الاجتماعي.الجواب، الذي سأقدمه لكم ،فيما بعد، قادني إلى الانفصال عن السياسة والتوجه نهائيا نحو العالم الصغير ل”العلاج بالكلام”. انفصال، في نهاية المطاف، لايمس بأي شكل من الأشكال زخم ذاك السفر المذهل ،عبر بوابة اكتشافاته ومفاجآته، وخيباته، وهزلياته، وأيضا هفواته.

*صامويل دوك: هفوات؟

*جوليا كريستيفا: نعم.لقد بدأت حتى قبل رحيلنا.كان يفترض حضور لاكان معنا،مصحوبا بأفضل صديقة له خلال تلك الفكرة، التي تنعت حسب الظرف ب”سكرتيرته”. توصلنا بالتأشيرات، ثم استدعينا إلى وجبة عشاء أخيرة، في مطعم “لاكليش”، المكان المعتاد لمواعيد جاك لاكان،كي نتمم برنامجنا الذي سنقدمه للسلطات الصينية. جلست وفيليب ولاكان،مترقبين قدوم صديقة الأخير، ونحن نحتسي نبيذ الشامبانيا. نفذ صبر لاكان، لأن رفيقته لم تأت، وهاتفها لايجيب أبدا.خلال تلك الحقبة لم تتوفر بعد وسيلة الهواتف الذكية، يمر الوقت، ثم يتصاعد الخوف. لذلك قرر لاكان النهوض والذهاب للبحث عن صديقته في بيتها. أسرعنا إلى سيارة سوليرز من نوع “سيمكا”. يرن الجرس، دائما لا أحد يجيب. حاول لاكان فتح الباب بمفتاح لديه. غير أن القفل كان مكبوحا من الداخل بواسطة مفتاح.تعرضه لاعتداء حديث العهد من طرف أحد مرضاه،ضاعف ارتيابه، وصار”رجل مسَّجِلَة الصوت”، جراء ذلك عصبيا جدا. استيقظ البواب نتيجة ضوضائنا: هل رأيت لوش أو سمعت عنها شيئا؟ لا. ثم فجأة بزغ ضوء نافذة في المنزل.فاستبقتُ بسذاجة قائلة :”إنه رجل !”. فصرخ لاكان معقبا :”مجرم !”. ثم جاء صوت فيليب جازما :”لنكتشف الأمر”. فأشار علينا الأستاذ :”اصعدوا معي”. لم يسمع أي شخص النداءات، أو صوت الجرس،فقد كان يوم إضراب، هكذا فإن صديقا للسيدة، مختصا بدوره في التحليل النفسي، لم يتمكن يومها من العودة بالقطار إلى مسكنه في منطقة بروفانس،مما اضطره إلى قضاء الليلة عند زميلته.تابعنا في حقيقة الأمر وقائع مسرحية هزلية مؤثرة .”عزيزتي، خشيتُ أن تكوني قد تعرضتِ لهجوم…”،”خشيتم،بل تمنيتم لو أني فعلا هوجمتُ”. استرخى الرجل الكهل، على أريكته : “ذهلتٌ حين سماعي حديثهما”. تخليت وفيليب عن الجريحين.منذئذ،توقفت نهائيا عن العودة مرة ثانية إلى المنتدى الفكري ل لاكان.هكذا ذهبت اللجنة الممثلة لجماعة تيل كيل إلى الصين بدونه.ربما رفضنا سفره تحت يافطة تيل كيل.

*صامويل دوك: رغم غياب أحد نجوم الثقافة الفرنسية،فقد جرى السفر في أحسن الظروف، وأمدكم مثلما يبدو بكثير من العناصر قصد إثراء فكركم حول النساء.

*جوليا كريستيفا: نعم استٌقبلنا بحفاوة كبيرة، ورافقنا مترجمان، رفاق (شاو 1)، ثم رفاق (شاو 2 ) اللذين لم يسمحا لنا إلا فيما ندر كي نتسكع في أزقة بكين، أو الحي القديم في شانغهاي. ظل النقاش مع الجامعيين في بكين، مراقبا، ونادرا: كانت الدروس مؤجلة،فأغلب الطلبة والمدرِّسين غادروا نحو الأرياف. رغم ذلك تكلمنا بحرية مع فنانين ومثقفين، اختيروا من طرف المسؤولين، مثل ذلك الرسام-الكاليغرافي، الذي يحتفظ بذكرى لقائه مع بيكاسو في مونبارناس سنوات 1930 .لقد أحببت كثيرا فتح نقاشات مع النساء، وقد أصبح وصولهن إلى مراكز القرار ميسرا على جميع المستويات، فكنَّا يكتبن التاريخ من جديد على الطريقة النسائية.هكذا، اكتشفت مع تلك المؤرخة البيولوجية المشرفة على متحف أركيولوجي، صناعات خزفية تنتمي إلى ما قبل التاريخ :”ألا تشكل آثار هذه الأنامل المفرطة في النعومة، والصغيرة غاية الصغر، والدقيقة جدا،دليلا على أن الخزفيين كانوا نسوة !إنهن، فنانات الأزمنة القديمة،في ظل نظام الأمومة حسب تعبير إنجلز، أليس كذلك؟”. لوحات سيدة قروية أمِّية أعادتني إلى تراث فان غوغ :”لا تعرف أي فن للرسم ماعدا فنها، وتقول بأن النساء يجسدن ريشة داخل القلب !”يترجم شاو1 . لقد سحرتني الفتيات الصغيرات في مدارس الحضانة: أكثر حيوية، ومرحا، وتفوقن على الذكور في مختلف الألعاب.اصطحبني رولان بارت إبان تحقيقاتي النسائية، يدون بجدية(أو يتظاهر؟) ملاحظات في مذكراته، والصور التي أمتلكها الموثقة لمحطات السفر، تشهد على ذلك. لكن عندما يقتضي السياق تقييم نتائج ضيعات تعاونية،فإنه لايغادر الحافلة قط. في المساء، أثناء عروض فناني الشعب، يأخذ مكانه عند أبعد نقطة ضمن صف فريقنا، أملا في الاقتراب من شاب صيني. ثم يهمس في أذني:”نفتقد هنا للذة، ألا تلاحظون ذلك؟”. وتجنبا لأي سوء تفاهم،أتوجه بالحديث نحو شاو 2 كي أشرح له بأن مضمون همسه يتعلق بضرورة الاحتفاظ لأستاذنا، كبير فريقنا،بمقعد مركزي وسط الصف وعدم تركه بعيدا في الهامش! أما فيليب فقد شرع يفكك رموز قصائد ماو المكتوبة بحروف ذهبية على اللافتات وكذا الأعلام الحمراء، وتزين معبد السماء يوم فاتح ماي.لم يجد أي صعوبة كي ينافس رساما- كاليغرافيا في مباراة لكرة الطاولة بل وأصغر مرشد ينتمي إلى المتحف.

*صامويل دوك : فيما يتعلق بإشارة سلبية جدا،تتعلق بمنعكم من زيارة مستشفيات الأمراض النفسية والعقلية.

*جوليا كريستيفا: فعلا .استمر شغفي بالتحليل النفسي حاضرا، بل وطب الأمراض النفسية والعقلية في الصين. لقد أوضح فريقا الترجمة فلسفة توخت إقناعي بانتفاء أي حاجة للتحليل النفسي ببلد الصين،مادام أنه في كل الأحول : ”يقسم الشخص إلى اثنين ”حسب الرئيس ماو. لم أتصور أن هذه الصياغة، ضمن أشياء أخرى،تحيل على الشيزوفرينيا. لم يشعرني بالعزاء تقريبا عكس ذلك، إلا عندما حظيت أنا وفيليب بترخيص من السيد كسيان، كي نستمتع بالاستحمام وسط مسبح رائع يزخر بمياهه المعدنية المعطرة، يتواجد في ”يانغ غيفي ”المحظيّة الإمبراطورية الشهيرة. بينما لم يسمح لباقي أعضاء فريقنا سوى بالحق في ولوج فضاء حمَّام عمومي، يشبه أسلوب بنائه حصنا إسمنتيا،فكانت خيبتهم كبيرة. رغم شعار الإطراء المرحب بقدوم وفدنا إلى القرى: حياة طويلة إلى الرفاق في مجلة تيل كيل، الورثة الجديرين بكمونة باريس!فقد انفجر بعض القرويين الذين لم يلتقوا أبدا أشخاصا من الجنس الأبيض،صارخين: ”أنف ضخم”!، وهو نعت ساخر شعبي يوصف به الأجانب من أبناء نوعنا.

المصدر:
Julia Kristeva :Je me voyage ;Mémoires :entretiens avec Samuel Dock ;Fayard 2016.pp :72 -81.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق