ثقافة المقال

” في القابلية على التغير”

د. يحيى اليحياوي

القابلية على التغير تتأتى من المقدرة على ذلك, ومن الاستطاعة لإدراكه, ومن الثوق إليه والتحمس لتجسيده, أيا ما تكن المعوقات والمثبطات. إنها, بهذا الشكل أو ذاك, تطلع لإدراك مبتغى ما (مبتغى التغيير في هذه الحالة), يجند الفرد كما الجماعة بموجبه, قدراتهما على العطاء والتضحية, حتى وإن تطلب الأمر لبلوغ ذلك, التسليم في الرزق أو الطموح أو الحياة حتى, لأن المطلب أقوى بكل ذلك بكثير. القابلية هنا لا تحتكم إلى مصلحة خاصة, فردية ومباشرة, ولا تنبني على تطلع لإدراك هذه المنفعة الذاتية أو تلك, مادية كانت أو رمزية. إنها تتغيأ مصلحة الجماعة والمجموعة, حتى وإن كان في ذلك تضحيتها بذاتها, أو ترتب عن كل ذلك إجحافا في حقها, بناء على هذا المسوغ أو ذاك.

ثم إنها لا تحتكم إلى حسابات ولا ترتكن إلى ترتيبات. إنها تفعل بطريقة تلقائية, يستوجبها التغير ذاته, وتشترطه مقومات ذات التغيير في الشكل كما في المضمون على حد سواء. إننا لا نقول هذا الكلام من باب التوصيف الجاف, ولا من باب النصح والنصيحة, إنما نقوله بغرض الاستئناس للنظر في مدى تجاوب حالتنا بالعالم العربي في ذلك, إذا لم يكن بالجملة العامة, فعلى الأقل بالتفصيل الخاص. ويبدو لنا, بذات التساؤل, أننا لا نحتكم حقا وحقيقة إلى ذات القابلية, ليس فقط بحكم تمنعها من بين ظهرانينا, ولكن أيضا لأننا لم نستنبتها بالفعل الملموس أو بالتفاعل القوي:

+ إننا لا نطيق التغيير كثيرا, فما بالك أن تتوفر لدينا القابلية على إعماله, ليس فقط لأنه يبدو لنا مصدر خوف وقلق, ولكن أيضا لأنه يمثل, أو هكذا يبدو لنا, مصدر زعزعة لمصالحنا وذواتنا, كبرت هذه المصالح والذوات أم صغرت. إنه بمثابة الريح العاتية التي ستأتي على استقرارنا واستقرار ما لدينا, حتى وإن كان هذا الأخير غير ذي قيمة مادية ومعنوية كبرى.

+ ثم إننا لا نطيق التغيير, ولا مقدرة قوية لدينا على تفعيله, لأننا لم نتعلمه بمجتمعاتنا ومدراسنا, ولم يلقن لنا باعتباره سنة من سنن الكون. إننا, بأسرنا, كما بالمدرسة والجامعة, ننشد الاستقرار والاستمرار المضمون العواقب, ونخشى من كل تغيير أو تحول, لأنه يبدو لنا مكمن تهديد, أو عنوان تبديد أو حمالا لمخاطر, إن لم نحتط منها أكلت من بين ظهرانينا الأخضر واليابس, أو هكذا قيل لنا ولا يزال يقال.

+ ثم إننا لم نسمع من حكامنا وأولي أمرنا ما يفيد بأن في التغيير حركة ونمو, وفي الاستقرار و”الاستمرار على الدرب” إهدارا للطاقة وللزمن. وإنما سمعنا منهم بأن التغيير بلاء والتحول شقاء, وأن ما سوى ذلك كلام ولغو للمزايدة أو للمبالغة أو لهما معا.

هي بالتالي ثقافة عامة, شائعة, ويراد لها أن تشيع أكثر, ويعاد إنتاجها إلى ما لا نهاية, ليس لأن للحاكم فيها مآرب ومصالح, ولكن أيضا لأن “الرعية” مطواعة, تنساق مع ذات الخطاب, ولا تدرك أن بالأمر إيديولوجية محددة, تحارب التغيير والتحول, وتستمد قوتها ووجودها من الاستقرار والاستمرار.

ثم هي ثقافة شاملة, يجند لها المجتمع وأولي الأمر منا كل ما أوتوا من جلد وإمكانات, بغرض إشاعتها وترويجها ونشرها على نطاق واسع.

القصد بالحالات مجتمعة, إنما قتل التغيير, ووأد سبل استنبات القابلية على التغيير بالضمائر والنفوس, كما بالأقلام والسيوف. وهذه إيديولوجية لا يوجد في الإيديولوجيات ما يضاهيها قوة وسريانا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق