ثقافة المقال

وفاة نبي الله الخضر عليه السلام

د. سالم بن رزيق بن عوض

وكما أختلف كتاب التأريخ والسير في اسمه ونسبه ونبوته وزمانه ومكانه اختلفوا كذلك في وفاته ، وانقسم القائلون إلى

أولا : القائلون بطول حياته :روى ابن كثير في البداية والنهاية عن مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : الخضر ابن آدم لصلبه ، ونسيء له في أجله حتى يكذب الدجال (1) .وذكر كذلك عب أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني سمعت من مشيختنا : أن أطول بني آدم عمراً الخضر وذكر ابن اسحاق أن آدم عليه السلام لما حضرته الوفاة اخبر بنيه أن الطوفان سيقع بالناس ، وأوصاهم إذا كان ذلك أن يحملوا جسده معهم في السفينة ، وأن يدفنوه حيث أوصى ، وقد دعا لمن يلي دفنه بطول العمر فهابوا حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه وأنجز الله ما وعده فهو يحيى إلى ما شاء الله تعالى له أن يحيى .وقد وأورد ابن كثير في البداية والنهاية الروايات والحكايات التي تذهب هذا المذهب ، وذكر أن ابن الجوزي رحمه الله تعالى قد وأوردها في كتابه الذي سماه : ( عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر ) ، وقال : كلها لا يقوم بمثلها حجة في الدين .سَبَب اسْتِمْرَار حَيَاته لَدَى من يرى ذَلِك :ذكر المؤرخون سببين لتعميره، واستمرار حَيَاته: أَحدهمَا: أَنه دفن آدم بعد خُرُوجهمْ من الطوفان، فنالته دَعْوَة أَبِيه آدم بطول الْحَيَاة.وقد قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ راداً على هذا القول في كتابه : عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر : إِنَّه لَو كَانَ قبل نوح، لركب مَعَه فِي السَّفِينَة. وَلم ينْقل هَذَا أحد.وَكَذَلِكَ اتّفق الْعلمَاء أَنه لم يبْق غير نسل نوح بعد نُزُوله من السَّفِينَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: (وَجَعَلنَا ذُريَّته هم البَاقِينَ) فَأَيْنَ كَانَ الْخضر؟وَالثَّانِي: أَنه بلغ مَعَ ذِي القرنين نهر الْحَيَاة، فَشرب من مَائه وَهُوَ لَا يعلم، وَلَا يعلم ذُو القرنين وَمن مَعَه، فخلد، فَهُوَ حَيّ عِنْدهم إِلَى الْآن.وقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: ” قد روى عَن أهل الْكتاب أَنه شرب من مَاء الْحَيَاة، وَلَا يوثق بقَوْلهمْ قد وَردت طَائِفَة كَبِيرَة من الْأَخْبَار والحكايات، تحتوي على لقاءات ” الصَّالِحين ” مَعَه، وزياراتهم إِيَّاه فِي الفلوات والبراري، والأودية والصحارى؛وعَلى رحلاته وتنقلاته من بلد إِلَى بلد، وَأَحَادِيثه مَعَ النَّاس، وبذله النصح لَهُم، وتعليمه الْأَدْعِيَة إيَّاهُم وَمَا شاكل ذَلِك. كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْكتاب بالتفصيل مَعَ الرَّد عَلَيْهِ.قَالَ النَّوَوِيّ في شرح صحيح الإمام مسلم : ” اخْتلفُوا فِي حَيَاة الْخضر نبوته. قَالَ الْأَكْثَرُونَ من الْعلمَاء هُوَ حَيّ مَوْجُود بَين أظهرنَا، وَذَلِكَ مُتَّفق عَلَيْهِ عِنْد ” الصُّوفِيَّة “، و ” أهل الصّلاح والمعرفة ” وحكاياتهم فِي رُؤْيَته والاجتماع بِهِ، وَالْأَخْذ مِنْهُ، وسؤاله، وَجَوَابه، ووجوده الْمَوَاضِع الشَّرِيفَة ومواطن الْخَيْر ” أَكثر من أَن تحصى وَأشهر من أَن تذكر “.وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح: هُوَ حَيّ عِنْد جَمَاهِير ” الْعلمَاء الصَّالِحين ” والعامة مِنْهُم؛ وَإِنَّمَا شَذَّ بإنكاره بعض الْمُحدثين.وروى عَن ابْن عَبَّاس – رَضِي الله عَنْهُمَا -: ” نسى للخضر فِي أَجله حَتَّى يكذب الدَّجَّال

وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ كما ذكر الحافظ ابن كثير : ” يُقَال إِن الْخضر لَا يَمُوت إِلَّا فِي آخر الزَّمَان عِنْد رفع الْقُرْآن المناقشة فِي اسْتِمْرَار حَيَاته: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ رحمه الله تعالى : لَا يخفى على طَالب الحَدِيث الَّذِي لَهُ أدنى إِلْمَام بقواعد نقد الحَدِيث، أَن الْأَحَادِيث المرفوعة والموقوفة، فِي اسْتِمْرَار حَيَاة الْخضر، وَكَذَلِكَ الْأَخْبَار والحكايات الْوَارِدَة بِهَذَا الصدد، واهية الصُّدُور والإعجاز لَا تقوم بِمِثْلِهَا حجَّة، كَمَا هُوَ مُقَرر فِي قَوَاعِد النَّقْد والتمحيص والبحث
والدراسة ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ – رَحمَه الله – في كتابه ( عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر ): ” اعْلَم – وفقك الله – أَن البلية فِي مثل هَذِه الْأَشْيَاء كثيرة .منها الْخضر حَيّ – فَيَقُولُونَ: رَأينَا الْخضر
وَرُبمَا رأى أحدهم شخصا اسْمه الْخضر، فيتوهمه خضر مُوسَى. ولَا شكّ أَن ابْن الْجَوْزِيّ – رَحمَه الله – حلل النُّصُوص الْوَارِدَة فِي حَيَاة الْخضر –عَلَيْهِ السَّلَام – تَحْلِيل ناقد بَصِير، وَقد كتب كتابا مُسْتقِلّا فِي حَياته
ثانياً : القائلون بموته عليه السلام :
رَجَعَ الْمُحَقِّقُونَ من أَصْحَاب الحَدِيث وَالْعُلَمَاء الآخرين أَن الْخضر مَاتَ، كَمَا مَاتَ غَيره من الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ، مِنْهُم: الإِمَام البُخَارِيّ، وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ، وَأَبُو الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي، وَشرف الدّين أَبُو عبد الله المرسي، وَأَبُو طَاهِر الْعَبَّادِيّ، وَأَبُو يعلي الْحَنْبَلِيّ، وَأَبُو الْفضل بن نَاصِر، وَأَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ، وَأَبُو بكر بن النقاش، وَغَيرهم، رَحِمهم الله .قَالَ ابْن قيم الجوزية: ” لم يَصح فِي حَيَاته حَدِيث وَاحِد
وَقْفَة مَعَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي حَيَاة الْخضر: سُئِلَ ابْن تَيْمِية – رَحمَه الله – عَن الْخضر وإلياس، هَل هما معمران؟ قَالَ: ” إنَّهُمَا ليسَا فِي الْأَحْيَاء، وَلَا معمران، وَقد سَأَلَ

إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ أَحْمد بن حَنْبَل عَن تعمير الْخضر وإلياس، يرويان، ويروي عَنْهُمَا فَقَالَ الإِمَام أَحْمد: ” من أحَال على غَائِب لم ينصف مِنْهُ، وَمَا ألْقى هَذَا إِلَّا شَيْطَان. “وَقَالَ فِي فَتَاوَاهُ: ” وَسُئِلَ البُخَارِيّ عَن الْخضر وإلياس، هَل هما فِي الْأَحْيَاء؟ فَقَالَ: كَيفَ يكون هَذَا، وَقد قَالَ النَّبِي -: ” لَا يبْقى على رَأس مائَة سنة مِمَّن هُوَ الْيَوْم على ظهر الأَرْض أحد. “وَقَالَ فِي فَتَاوَاهُ: ” وَالصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، وَأَنه لم يدْرك الْإِسْلَام، وَلَو كَانَ مَوْجُودا فِي زمن النَّبِي – لوَجَبَ عَلَيْهِ أَن يُؤمن بِهِ ويجاهد مَعَه، كَمَا أوجب الله ذَلِك عَلَيْهِ وعَلى غَيره، ولكان يكون فِي مَكَّة وَالْمَدينَة .وَقد نقل عَنهُ تِلْمِيذه ابْن الْقيم، فَقَالَ: ” سُئِلَ عَنهُ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية – رَحمَه الله – فَقَالَ: لَو كَانَ الْخضر حَيا لوَجَبَ عَلَيْهِ أَن يَأْتِي النَّبِي – ويجاهد بَين يَدَيْهِ، ويتعلم مِنْهُ. وَقد قَالَ النَّبِي – يَوْم بدر: ” اللَّهُمَّ ان تهْلك هَذِه الْعِصَابَة لَا تعبد فِي الأَرْض “وَكَانُوا ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر رجلا معروفين بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِم وقبائلهم، فَأَيْنَ كَانَ الْخضر حِينَئِذٍ تَحْقِيق فَتْوَى من فَتَاوَى شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية : مَعَ هَذِه الْأَقْوَال والآراء المثبوتة الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي إِنْكَار حَيَاة الْخضر،من فَتَاوَى شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية، نجد فَتْوَى من فَتَاوَاهُ مَا نَصهَا: سُئِلَ الشَّيْخ رَحمَه الله: هَل كَانَ الْخضر – عَلَيْهِ السَّلَام – نَبيا أَو وليا؟ وَهل هُوَ حَيّ إِلَى الْآن؟وَإِن كَانَ حَيا فَمَا تَقولُونَ فِيمَا روى عَن النَّبِي – أَنه قَالَ: ” لَو كَانَ حَيا لزارني ” هَل هَذَا الحَدِيث صَحِيح أم لَا؟فَأجَاب: أما نبوته: فَمن بعد مبعث رَسُول الله – لم يُوح إِلَيْهِ، وَلَا إِلَى غَيره من النَّاس.وَأما قبل مبعث النَّبِي – فقد اخْتلف فِي نبوته. وَمن قَالَ: إِنَّه نَبِي، لم يقل: إِنَّه سلب النُّبُوَّة، بل يَقُول: هُوَ كإلياس نَبِي، وَلكنه لم يُوح إِلَيْهِ فِي هَذِه الْأَوْقَات، وَترك الْوَحْي إِلَيْهِ فِي مُدَّة مُعينَة لَيْسَ نفيا لحقيقة النُّبُوَّة، كَمَا لَو فتر الْوَحْي عَن النَّبِي – فِي أثْنَاء مُدَّة رسَالَته.وأكثرالعلماء على أَنه لم يكن نَبيا، مَعَ أَن نبوة من قبلنَا يقرب كثير مِنْهَا من الْكَرَامَة والكمال فِي الْأمة. وَإِن كَانَ كل وَاحِد من النَّبِيين أفضل من كل وَاحِد من الصديقين، كَمَا رتبه الْقُرْآن. وكما روى النَّبِي – أَنه قَالَ: ” مَا طلعت الشَّمْس وَلَا غربت .على أحد بعد النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ أفضل من أبي بكر الصّديق “. وروى عَنهُ – أَنه قَالَ: ” إِن كَانَ الرجل ليسمع الصَّوْت فَيكون نَبيا “.وَفِي هَذِه الْأمة من يسمعهُ وَيرى الضَّوْء وَلَيْسَ بِنَبِي؛ لِأَن مَا يرَاهُ ويسمعه يجب أَن يعرضه على مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد – فَإِن وَافقه فَهُوَ حق، وان خَالفه تَيَقّن أَن الَّذِي جَاءَ من عِنْد الله يَقِين لَا يخالطه ريب، وَلَا يحوجه أَن يشْهد عَلَيْهِ بموافقة غَيره
وَأما حَيَاته: فَهُوَ حَيّ والْحَدِيث الْمَذْكُور لَا أصل لَهُ، وَلَا يعرف لَهُ إِسْنَاد بل الْمَرْوِيّ فِي مُسْند الشَّافِعِي وَغَيره:
ونخلص في هذا المبحث :

لَا شكّ أَن الْعلمَاء – مُنْذُ الْقَدِيم – اخْتلفُوا فِي هَذَا الْأَمر وَلَكِن عندنَا، ميزانا دَقِيقًا لنقد مثل هَذِه القضايا الْمُخْتَلف فِيهَا هُوَ: ” كتاب الله عز وَجل وَسنة رَسُوله – ” (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم، فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول، إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا)فنرد هَذِه الْقَضِيَّة إِلَى كتاب الله، وَسنة رَسُول الله، فَإِن وافقا عَلَيْهَا نعتقد بِأَن الْخضر – عَلَيْهِ السَّلَام – حَيّ يرْزق من يَوْم وِلَادَته حَتَّى الْآن، وَلَا يزَال، إِلَى مَا شَاءَ الله. وَهَذَا من أعظم الْآيَات لربوبية الله عز وَجل. (وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا، أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم) .وَإِن لم نجد فِي الْكتاب وَالسّنة الصَّحِيحَة مَا يدل على اسْتِمْرَار حَيَاته، نرفضه .والذي نراه في هذه المسألة هو رأي القائلين بموته ووفاته عليه السلام .وأدلة ذلك من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وافرة :

أولا : الأدلة من القرآن الكريم : قال الله تعالى : ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ، أفإن مت فهم الخالدون ) سورة الأنبياء (34) .وقال الله تعالى : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً ، وسيجزي الله الشاكرين ) سورة آل عمران (144) ، وظاهر القرآن الكريم أن الموت وطول الأمد لم يستثن أحد ، فجميع الخليقة من الأبياء والرسل عليهم السلام والناس كتب الله عليهم الموت ، ولم يخص أحدا بطول عمر ، أو نسأ أجل ، بل كل الخليقة تموت كما مات نبي الله آدم عليه السلام ، وكذلك الأنبياء والرسل ، وما خص الله أحدا إلا عيسى بن مريم عليه السلام .

ثانياً : من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم :في صَحِيح مُسلم: عَن جَابر بن عبد الله – رَضِي الله – عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُول الله – قبل مَوته بِقَلِيل: ” مَا من نفس منفوسة يَأْتِي عَلَيْهَا مائَة سنة وَهِي يَوْمئِذٍ حَيَّة “.

في صحيح البخاري قالَ النَّبِي -: ” أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه؟ فَإِن على رَأس مائَة سنة مِنْهَا لَا يبْقى مِمَّن على ظهر الأَرْض مِمَّن هُوَ على الْأَحَد “وقد روى الإمام أحمد في مسنده … أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” والذي نفسي بيده ، لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني ” وهذا الذي يُـقطع به ويُـعلم من الدين بالضرورة . وعلم أنه لو كان الخضر حياً ، لكان من جملة أمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وممن يقتدي بشرعه ، لا يسعه إلا ذلك .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق