ثقافة المقال

الأدب: تاريخ أزلي ومكانة أبدية

بقلم: حكيم دحماني*

إنَّ الأدب لا معنى له، و لا مغزى منه إذا لم يعبِّر وبمختلف أغراضه، وبعديد فنونه عمَّا هو واقع يعيش فيه النَّاس، ويتلوَّن به المجتمع، بل إنَّه يغدو أدنى من ذلك مرتبة، وأقلَّ منزلة كلَّما ابتعد في مواضيعه عن ساحة الحال، وابتعد في معالجاته عمّا هو يجري أو موجود. فالأديب لن يكون كذلك إلاَّ إذا كان ناطقا باسم الواقع، وعاملا لحساب الحقيقة، ومهما بلغ من البديع وامتلك من البيان، فإنَّه لن يغنيه من ذلك شيء ما دام لم يصوِّر ببديعه هذا الواقع، ولم يبيِّن ببيانه تلك الحقيقة، وإنَّ الكتابة على ما دون ذلك ولو حسُنت، فإنَّها تبقى كالمشبَّه بالعقيان الصِّرف من المعادن، يُسرُّ النَّاظرين، ويُعجب المتأمِّلين، ولكن إنَّما ذلك يبقى نابعا من لونه وشكله، لا من مادته و لبِّه، ولا يبدو لهم على حقيقته إلاَّ باتِّخاذهم له في استعمالاتهم، إذ لا يلبث أن يذوب لونه، ويزول بريقه، حتَّى يظهر على ما عليه من رداءة، ويطفو عليه ما يسكنه من صدأ، ليفقد بذلك صلاحيته الَّتي اكتسبها في الزَّمان والمكان، فتتحوَّل عنه الأعين، وتنقلب إلى ما دونه الأبصار، ويغدو لا معنى فيه، ولا مغزى منه.

 

إنَّ دور الأديب إذا ما تغيَّر في طريقة أدائه، فإنَّه لا يختلف في طبيعته وفي مضمونه، فهو دور أزليٌّ مطلق لا يعترف بالزَّمان و لا بالمكان، فهو إذا ما نظر إلى الماضي فإنّه لن يرى فقط مجدا ضائعا أو أخطاءً من حديد، و لكن مقدّمة لبداية أخرى، وتجربة صالحة للاعتبار، وإذا نظر في الحاضر لن يرى سوى الآلام والمآسي والقنوط، و لكن واقعا ممكن التّغيير،  مصيرا يقبل التشكّل التحوّل، وإذا نظر إلى المستقبل لن يرى عالما مجهولا وحياة من سرّ، و لكن أملا يدنو من الحقيقة، وجمالا يتشكّل في هدوء، وممكنا لا شيء ينفي في الوصول إليه.

فعلى الأديب أن ينبش بأكبر قدر ممكن فيما هو فيه من واقع، و يفرز منه ظواهره الَّتي يسقيها الإهمال و التّجاهل و التّغاضي، فتتكاثر في رحم المجتمع حتَّى يصير إلى ما هو عليه، ويؤول إلى ما آل إليه. ومن أجل تحقيق ذلك، فعلى الأديب أن يدرك بأنَّه حرٌّ و بالفعل إنَّه حرٌّ، حتَّى لا ينخدع بما يُرسَم له من حدود باسم العرف والممنوع، فالأديب كالمصباح أينما هو الظَّلام فهنالك هي وظيفته، وهنالك لابدَّ أن يكون، و ذهاب نوره مرادفة لذهابه، وهلاك ضيائه معنى لهلاكه، لأنَّ تجريده منهما، و حبسه عنهما، هو تجريد له من غايته في الوجود، وحبس له عن ممارسته فطرتَه في الحياة. فالأديب في ذلك شأن الطَّبيب الَّذي يداوي المرضى، ويقدِّم لهم طرق الوقاية والعلاج، فهو مطالب وبقوَّة الطَّبيعة والقانون أن يعالج كلَّ داء أو مرض يعرض عليه، و لا يمكنه أن يمتنع عن ذلك مهما كان نوع الدَّاء أو المرض المعروضة عليه حالته، فقد لا يقدر له علاجا، و لا يلقى له تشخيصا، ولكنَّه لا يمكن له أن يرفض كلِّيا ومبدئيا النَّظر فيه، أو يبدي الامتناع عليه بحجَّة أو بأخرى، فكما أنَّه لا حرج في عمل الطَّبيب و لا عيب، فكذلك لا ممنوع على الأديب أن يتطرَّق إليه في كتاباته، ولا محظور عليه أن يتجنّبه في أعماله، فأنىَّ يكون حال النَّاس لو سار الأطبَّاء بهذا المنطق، كذلك يكون حال المجتمع لو تبنَّى الأدباء مثله، سواء في ذلك أبقناعة أو عقدة أو خوف أو اعتقاد.

فأن نلوم الأديب عن بحثه في الواقع، وعمله من أجل الحقيقة، كأن نلوم الشَّمس لأنَّها تملأ الأرض ضياء، و نعاتب البدر لأنَّه يشقُّ الكون نورا، و نستنكر على النَّجم اتِّخاذه من الضَّائع والتَّائه دليلا يستدلُّ به، وآية يستهدى بها. أفليست تلك وظائف لها من كثير الوظائف الَّتي خلقها الله من أجلها، أم أنَّنا نريد أن نجد لسنَّة اللَّه تبديلا؟

أدباءَ الجزائر، اقرؤوا الواقع، و فتِّشوا عن الحقيقة، فإن لم تعثروا عليها فكفاكم عظمة ونبلا أنَّكم أدباء وليسوا مدَّعي أدب، ففي مجتمعنا اليوم أشياء وأشياء تحدث في الخفاء ولا تنمو إلاَّ فيه، وهي لا تطلع للعيان والظَّاهر حتَّى بعد أن تستفحل وتتجذَر، فتصير ظاهرة من بعد ما كانت حدثا، وتأخذ حكم العام بعد أن كانت في حكم الشَّاذ، و علَّها تأخذ مجرى الوباء فيعمُّ و ينتشر ويقتل من بعد ما كان مجرَّد تسمُّم و كفى.

*كاتب وإعلامي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق