حوارات هامة

الأديبة وكاتبة الأطفال السورية “لينا كيلانى”: ((الكتاب الورقي لم يمت)) !!

حاورها: محمد المطارقى

“الكتكوت الفصيح يخرج من البيضة يصيح” هكذا كانت الطفلة الصغيرة جدا “لينا كيلانى” التى هيأتها الأقدار لأن تصبح كاتبة متخصصة فى مجالات أدب الطفل.. بل وتعد من أهم وأبرز من خاض هذا المجال بما قدمته من إصدارات تفوق المائة وخمسون كتابا مابين رواية، ومجموعة قصصية.. ومسلسلات وبرامج تلفزيونية..فضلا عن مشاركتها فى العديد من المؤتمرات والفعاليات المتعلقة بهذا العالم البهيج. الرحب.. المترامى الأطراف ألا وهو عالم الأطفال .
هى الصغيرة التى كانت، ولم يكن ثمة غيرها، نبتت فى بيئة غنية ثقافيا، لأم تتعاطى الأدب والثقافة، وتضرب شهرتها الآفاق..فوجدت نفسها ـ هى الصغيرة ـ تصادق القلم، وتسعى لأن ترسم به عالمها الطفولى، وتحكى أحلامها البسيطة المدهشة، لتفاجأ بكونها الطفلة التى استطاعت أن تكتب للأطفال ، فواصلت رحلتها متكأة على نصائح أمها.. وقراءاتها الغزيرة.. وتجارب المحيطين بها من صفوة الأدباء والمثقفين بسوريا الذين يلتقون بأمها ليتحاوروا جميعا فى الشأن الثقافى العام.
با لهذه الطفلة العنيدة، فقد ولجت عالم الكتابة رغما عنها.. لتمضى بها الأيام أسيرة الكلمة المكتوبة ، والتى استطاعت بما تمتلكه من موهبة صريحة، وقدرة هائلة على صنع عوالم من الدهشة شديدة الثراء تحوى كل الفراشات الرهيفة.. والأطيار الزاهية، والجداول المرحة..والأشجار ذات الأذرع العالية التى تصافح السماء.. والأحلام السعيدة والمواقف المبهجة..يا لهذا العالم الساحر،إنه يخاطب القارىء الصغير ويحترم عقليته ويقدم له المتعة والقيمة والمعلومة ببساطة بدون إملاء أو مباشرة.. ويا لها من مبدعة رائعة، فكان لابد لنا وحتما أن نجرى معها هذا الحوار ضمن سلسلة حوارتنا مع الأدباء والمبدعين والمهتمين بأدب وثقافة الطفل من المحيط الى الخليج على اختلاف الأجيال.

بداية :حدثينا عن “لينا كيلانى” الطفلة التى كانت.. أحلامها القديمة، عالمها الطفولى الذى عاشته.. وكيف تبلور فى النهاية ليصبح “لينا كيلانى”كاتبة الأطفال المبدعة صاحبة الرصيد الهائل من الأعمال والابداعات ؟

ـ ها أنت تبدأ حوارنا وأنت تنطلق من النبض الأول الذي جعلني أسير في درب الأدب.. وتجربتي لها من الخصوصية ما يجعلها تختلف عن غيرها لكوني نشأت في بيئة أدبية تعرفت من خلالها عن قرب إلى كثير من الكتّاب، والأدباء، والأعلام في وطننا العربي، ومَنْ لأسمائهم البريق، والشهرة الواسعة.. فإذا بهؤلاء يشكلون النموذج المثال لدي.. والحلم الذي أتطلع الى أن أقطف نجومه.. وما زلت حتى الآن أحتفظ بكتب أهدوها إلي، وبكلماتٍ كتبوها لي في إهداءاتهم، أو في أوراق، أو دفتر (أوتوغراف) صغير.
هذا الى جانب الطفولة الغنية التي عشتها وأنا أستقطب كل الاهتمام لكوني الإبنة الوحيدة لأسرتي، فعالمي الصغير كان ملوناً بأبهج ألوان الطفولة من كتب، ورسوم، وألعاب، وأفلام سينما، وموسيقى وكل ما يطمح اليه الصغار. هذا التأثير والتأثر ما كان لي أن أكون بعيدة عنه في مستقبل الأيام، إلا أنني اخترت للكتابة أن تبقى لدي في نطاق الهواية بدليل اختصاصي العلمي، وحياتي العملية فيما بعد.. لكن الأمر لم يبق على هذه الحال بعد عدد غير قليل من المؤلفات التي رأت النور، والمشاركات العديدة في الصحف والمجلات، فإذا بالهواية تتحول الى احتراف بعد عدة سنوات، وإذا بي استغرق كلياً في عالم الحرف والكلمة، بعد أن انصرفت عن اختصاصي العلمي لصالح الأدب.

وراء كل كاتب أو كاتبة رصيد لا بأس به من الكتب والشخصيات التى أسهمت فى تكوينه الأدبى والثقافى… حدثينا عن أهم الكتب والشخصيات التى كان لها أبلغ الأثر على مسيرتك الابداعية؟

هذا صحيح.. وله دور كبير بالنسبة لي، وكما ذكرت لك فإن معرفتي عن قرب بأدباء، وكتّاب كبار، وصحفيين مرموقين، واطلاعي على كتاباتهم ومؤلفاتهم، الى جانب حواراتهم الفكرية، ونقاشاتهم التي كنت أستمع اليها، كل هذا مما جعلني أنبهر بهذه النماذج الإنسانية المتميزة، وأتمنى أن أصبح ذات يوم مثلها.. إلا أن والدتي الأديبة المعروفة كانت هي المثل الأعلى لي، ولها الأثر الأكبر في حياتي.. وهي التي كانت تدفعني للقراءة،ومكتبتها عامرة بألوف الكتب حتى أصبح الكتاب رفيقي منذ أن كنت قارئة الى أن أصبحت مؤلفة لتصبح علاقتي بالكتاب مزدوجة فأنا قارئة باستمرار، ومؤلفة في الوقت ذاته. ولا أقول إنني تأثرت بكاتب بعينه بل أنا تأثرت بكل كاتب قرأت له، وبكل كتاب قرأته.. والكاتب يختزن ولا يعرف كيف يعبر عن هذا المخزون الثقافي الذي اكتسبه، إلا أنه يعيد إنتاجه من خلاله بما يعبر عنه هو بالذات في كتاباته.

السيدة “قمر كيلانى” رحمها الله هى واحدة من أهم وأبرز الكاتبات فى عالمنا العربى فى مجالى الأدب والصحافة”.. فضلا عن القصة القصيرة والرواية.. إلى أى مدى كان لهذه الأم المثقفة تأثيرا على توجه وطموحات الابنة “لينا كيلانى” الموهوبة.

أنا بالطبع تأثرت بأمي كثيراً، وربما لو لم أكن ابنة لها لكانت ضاعت موهبتي.. إلا أن هذا الأمر لم يأت بسهولة.. فتأثري بمسيرة والدتي الأدبية دفعني في عمر مبكر جداً الى تجربة الكتابة، وكانت مع القصة الطفلية تحديداً نظراً للسن الصغيرة التي كنت فيها، وبالمقابل كنت ألقى بعض كلمات الثناء، لكن أمي لم تكن لتريدني أن أسير في هذا الاتجاه قبل أن تتأكد تماماً من موهبتي، إضافة الى عدم رغبتها في أن أحمل همَّ الحرف ومسؤوليته كما حملته هي، وآثرت أن تدفعني في مسار آخر هو الاتجاه العلمي في تحصيلي الدراسي وصولاً الى ما بعد الجامعي. لكنها في مرحلة ما وبعد أن أصبحتُ أنشر قصصي الأولى في الصحافة، ونتيجة لعنادي وإصراري على تجربة الكتابة لم يكن منها إلا أن رضخت لرغبتي، وعند ذلك أخذت بيدي كما يفعل أي أستاذ مع تلميذه، فكانت معلمتي في عالم الحرف إذ كشفت لي كثيراً من أسراره، وعلمتني تقنيات الكتابة كما أعطتني مفاتيحها.. وكانت تقسو عليّ أحياناً كي أتعلم، وحتى لا أكون دون المستوى الذي تريده لي.

ماالذى دفع بك لاختيار هذا العالم ..عالم الكتابة للطفل؟.. وماهى أهم القضايا التى تشغلك دوما وتحاولين تضمينها أعمالك؟

للمفارقة أنني لم أختر أدب الطفل بمقدار ما اختارني هو، فتجاربي الأولى تلك في الكتابة والنشر كانت قد تبرعمت في عمر صغير هو أقرب للطفولة منه الى النضج، فإذا بقصصي تصل الى الأطفال وتنال استحسانهم بدرجة كبيرة لأنها كانت من عالمهم، تتحدث بلغتهم ومن داخل عقليتهم، وكان هذا حافزاً كافياً لي لأن أستمر على ما بدأت به.. فإذا بي أصبح وكأنني كاتبة تخصصت في أدب الأطفال. إلا أن تجربتي الأدبية هذه كانت تتطور مع سنوات العمر إذ أنني بعد أن اجتزت المرحلة الجامعية بدأت أشعر بأن لدي مضامين جديدة أريد أن أكتب فيها وعنها مما لا يناسب أطفال المرحلة العمرية الثانية التي أتوجه اليها فيما أكتبه للأطفال، فكانت عند ذاك تلك النقلة الجديدة من القصة الطفلية الى رواية الشباب.. وهكذا سلكت درباً آخر توالت فيه رواياتي حتى أصبحت تعد بالعشرات.. إلا أنني لم أنس بالتالي ذلك التوجه الذي بدأته مع قصص الأطفال، ولعلي كنت أول من بدأه الا وهو تقريب الأفكار العلمية، والمعلومة الصحيحة للطفل من خلال القصة التي لا تخلو من القيم، والمرح، والتشويق.. وبحيث لا تطغى الفكرة، أو المعلومة العلمية على فنية القصة.

كيف تقبضين على الفكرة الصالحة، وهل ثمة طقوسا معينة لمعالجتها فنيا؟
الفكرة تأتني كومضة البرق.. إنها لحظة اشتعال تتوهج فيها الفكرة المحورية لأي عمل أدبي، وليس لي في تلك اللحظة إلا أن أقبض عليها وإلا تبددت وضاعت مني الى الأبد.. أما مصادرها فما أكثرها.. وهي تنبثق من منابع الحياة.. قد تأتي من مشهد يومي، أو من قانون علمي، أو من عبارة يقولها طفل، أو ضحكة يضحكها.

وبما أنني مشغوفة بالعلم وما توصل اليه من ابتكار، وإبهار فمصادر الأفكار لدي من خلاله ثرية، وتكاد لا تنتهي.. لتأتي المعالجة بعد ذلك واستخدام الفكرة ضمن إطارها الفني سواء في قصة، أو رواية، أو مقالة أدبية، وسواء أكان النص للصغار، أم للكبار.
وأنا لست ممن يقيمون طقوساً خاصة للكتابة إذ أنني أستطيع الكتابة في أي وقت، أو في أي مكان أتواجد به، إنما المهم لدي هو تلك الشرارة المحفزة التي قد تنبثق في أي لحظة مادام الإحساس بها متيقظاً.
أغلب الكتّاب مازالوا على صلة وثيقة بالقلم والورقة، ولا أخفيك بأنني فقدت الصلة بهما لصالح جهاز (الكمبيوتر) المحمول، وإذا ما وضعت أصابعي فوق لوحة المفاتيح تدفقت لدي الأفكار التي أسرع في تدوينها حتى لا تضيع مني، أو أضيع عنها ليخرج النص في شكله النهائي، ودون أن تكون لدي (مسودة) كما نسميها.. لكن هذا لا يمنع بالطبع من مراجعة أخرى للنص لبعض الإضافات، أو التصويبات.

الأطفال كما هو معلوم هم فئات عمرية مختلفة ..ماهى المرحلة العمرية الأصعب ـ فى رأيك ـ عند كتّاب الأطفال.. وماهى المرحلة الأكثر شغفا التى تستهوى قلمك ؟
الفئات العمرية الثلاث لكل منها شروطها من حيث المضمون، والأسلوب بما فيه القاموس اللغوي، وحتى في إخراج الكتاب، وشكله، وحرارة ألوانه. وما أظن أن أي مرحلة عمرية هي أهم من الأخرى فكلها على درجة واحدة من الأهمية لكن المشكلة تكمن فيما يتوفر لكل مرحلة من كتب تناسبها، وتستوفي شروطها. ولعل المرحلة الأفقر هي مرحلة الطفولة المبكرة إذ أن أغلب ما يتوفر لها هو من المترجمات وليس من إنتاجنا بما يعبّر عنا.
وأنا عموماً تستهويني الفئة العمرية الثانية، وهي التي توجهت اليها منذ البدايات، إلا أنني اهتممت أيضاً وبشكل كبير بالمرحلة العمرية الثالثة، أو بالأصح مرحلة اليفاعة، لأن مساحة الأفكار التي يمكن طرحها من خلال هاتين المرحلتين هي أكثر رحابة، ولأنني أرى ان المرحلة العمرية الأولى تحتاج الى كتّاب من المربين، والمختصين، والقائمين على شأن الطفولة الأولى لكن بشرط أن يكونوا كتّاباً لا معلمين، وتربويين فقط.

هل الكتابة للأطفال صعبة بالفعل.. وما هى الشروط التى ينبغى توافرها فى كاتب الأطفال الحقيقى ؟
بالتأكيد الكتابة للطفل صعبة، وليست بالسهولة المتخيلة لدى بعض من يخوضون فيها. فأدب الأطفال هو من أصعب الأجناس الأدبية لأن شروطه، وأسسه غاية في الدقة، والالتزام. وقلة قليلة من كبار أدباء العالم ممن توجهوا للطفولة لأنهم يدركون جيداً خصوصية هذا الجنس الأدبي وصعوبته، وشروطه الخاصة. وعن نفسي أقول إنني عكست المقولة عندما بدأت بالكتابة للأطفال، ومن ثم توجهت الى أدب الكبار ذلك لأنني كما ذكرت آنفاً كنت قد غامرت بالكتابة في عمر مبكر، وكنت ما أزال أحمل عقلية الطفل وروحه، ونظرته الى العالم من حوله.
وأؤكد بالتالي أن الطفل بحاجة الى أدب بمعنى الأدب وليس الى كتابة موجهة اليه.. فالأدب الحقيقي يعيش كما عاشت روائع الأدب، ولا يخفت بريقه مهما توالت عليه الأزمان، لأن مضامينه تتفتح أمام الطفل كما تتفتح الأزهار كلما تقدمت الأعمار.

هل للإعلام دور فى تحقيق الغاية الإبداعية وتسويق المنتج، وتلميع الكاتب.. واجتذاب القارئ… وما الطرق التي ينبغي اتخاذها في هذا الشأن ؟
الإعلام بات من أهم الوسائل في إيصال الأفكار، ونحن نعيش في عصره، ولا يمكن إغفال تأثيره.. فما تعرضه الشاشات من برامج، وأفلام للأطفال، قد يتجاوز تأثيرها تأثير الكتاب.. لكن هذا الإعلام قد لا يحقق الغاية الأمثل له ما لم يكن مدروساً، وموجهاً بشكل جيد، وبنّاء. وهذه المشكلة قائمة باستمرار ما دمنا نعتمد على كل ما هو مستورد، ومترجم، ولا يعبر عن ثقافتنا العربية، ولا يؤصل لانتمائنا وهويتنا، ذلك لأنه لا ينبع من بيئاتنا المتشابهة فيما بينها.
وما يهمنا هو ليس اجتذاب القارئ، أو المتابع بقدر ما يهمنا الرسالة التي تصل من خلال هذا الاجتذاب، وتأثر المتلقي بها إيجاباً، وليس سلباً.
والطفل الذي يتماهي مع كل ما يقرأ، أو يشاهد لا يجوز تركه هكذا عرضة لما يبثه الإعلام كما يشاء لا كما ينبغي له أن يكون، وكما نشاء. والأجدر بنا أن نولي اهتماماً خاصة تدعمه الإمكانات المادية لنخرج الى الطفل العربي بأعمال مرئية تكون من نسيج واقعه، وبيئته التي يعيش فيها.

برأيك ولكم تجارب ثرية ـ كمؤلفة ـ فى مجال الأعمال التلفزيونية الخاصة بالطفل تستند الى تراثنا العربى والاسلامى، هل ما يتم تقديمه من أفلام كارتونية مترجمة تتناسب مع مجتمعاتنا العربية والإسلامية ؟
تعددت أعمالي التلفزيونية، وتنوعت ما بين الدراما والبرنامج، ومنها ما نال الجوائز في مهرجانات التلفزيون في الوطن العربي، ولعل التجربة الأكثر ثراءً، واستمراراً منها هي تجربة (قصص الأنبياء) المنفذة لصالح التلفزيون المصري بتقنية الصلصال، وكانت الأولى من نوعها في الوطن العربي، ولها السبق في ذلك، إذ توالت بعدها المسلسلات التي هي على منوالها.. والجدير بالذكر أن هذه الحلقات حول قصص الأنبياء والتي كانت عام 1997 لم يتوقف عرضها حتى اليوم على واحدة من الفضائيات العربية.
وهذه التجربة لها خصوصيتها عندي، ومن بعدها توالت أعمالي التلفزيونية كمسلسل (أهلاً يا جدي)، و(الأحلام الذهبية)، و(لوحات درامية: روبو وعربو)، وبرنامج (بوابات الطفولة)، و(خفايا وأسرار)، وغيرها.. وأفلام الرسوم المتحركة.. وبعض الأعمال التي اعتمدت لصالح القناة التربوية السورية لكنها لم تنفذ بسبب ما طرأ على سوريا من أحداث.
وما حماستي هذه نحو الأعمال التلفزيونية إلا كرد فعل على ما يُقدم للطفل العربي من أعمال جلها مما هو مترجم، وبما لا ينتمي إلينا، ولا يعبّر عن أصالتنا،ويسرّب إلينا قيماً هي ليست من قيم مجتمعاتنا العربية، وهي ليست التي نريد أن نغرسها في نفوس صغارنا. وها نحن حتى الآن لم نوفق في ابتكار شخصية طفلية عربية تكون منا، وتحكي عنا، وعن تاريخنا، وحاضرنا.
أما موجة البرامج التلفزيونية المستنسخة من الغرب، أو المعرّبة بتعبير أصح، والموجهة للطفولة فقد اكتسحت القنوات العربية دون هوادة، ودون أن يفكر القائمون على تلك القنوات بابتكار برامج للأطفال ينتجونها، ويخرجون بها الى العالم بدل أن يمهروا قنواتهم بالاستنساخ، والتقليد!

الكاتبة لينا كيلانى عضو لجان تحكيم لجوائز أدبية فى مجال أدب الأطفال.. برأيك هل تتناسب الجوائز مع طموح كتاب الأطفال؟
شاركت وما زلت في كثير من لجان التحكيم لمسابقات أدبية على مستوى الوطن العربي سواء في مجال أدب الأطفال، أو أدب الخيال العلمي.. لكن قناعتي العميقة هي أن الجوائز لا تصنع كاتباً أو أديباً، وليس كل من فاز بجائزة هو كاتب، أو أديب فعلاً.. إلا أن الجوائز الأدبية مهمة، وضرورية في الوقت ذاته بشرط ألا تحكمها الأمزجة الخاصة، وألا يكون تقييم الأعمال قائماً على وجهات النظر التي قد تتباين كثيراً فيما بينها، بل يجب أن يقوم على أسس فنية، ومعايير أدبية صحيحة.
والكاتب، أو الأديب الذي يحظى بجائزة تحمل له معنى التقدير، والاستحسان لإنتاجه الأدبي لا شك أنه يسعد بها، ويشعر بمزيد من الحماسة، والمسؤولية تجاه ما يكتب.
إذاً هي ضرورية لكنها ليست معياراً يُعتد به دوماً.

* هل ثمة مواكبة نقدية تتوافق مع ما تطرحه دور النشر من اصدارات.. أم أن هناك أزمة نقدية؟

مشكلة أدب الأطفال أنه لا يخضع لمعايير نقدية علمية، وأكاديمية صحيحة. والنقد عموماً هو في أزمة لدينا لقلة أعداد النقّاد، ولطوفان الكتب التي تصدر هنا وهناك.
والكاتب يكتب، والناشر ينشر، والمتلقي يشتري الكتاب إما ليقتنيه، وإما ليرمي به في سلة المهملات.. ونحن ما نزال نطالب بحركة نقد حقيقية لأدب الطفولة، وبفروع لنقد أدب الأطفال لدى الجامعات في كليات الآداب والعلوم الإنسانية، حتى يُفرز الغث من السمين، وحتى يتراجع من لا يملك الموهبة، أو أشباه الموهوبين عن ساحة الطفل، فلا نقدم لصغارنا من الكتب المخصصة لهم إلا ما هو جيد فعلاً.
إلا أننا في حال هذا الغياب التام للنقد فلا نملك إلا أن نتوجه الى الناقد الأول، والحقيقي، والأفضل ألا وهو الطفل نفسه.. فالطفل هو ذلك الناقد، وهو مَنْ يستطيع أن يميز بدقة بين الكتاب الجيد، والكتاب الرديء.. فالجيد يحتفظ به، ويعيد قراءته مرات ومرات، والرديء قد يمزقه، ويرمي به.
فلنعتمد إذاً معيار الطفولة في تقييم ما نكتبه، وننشره، ونعرضه في مكتباتنا، ومعارض كتبنا.
وللمدرسة، ومراكز الثقافة مساحة واسعة لتحقيق ذلك من خلال سبر آراء الأطفال أنفسهم في كل ما يصدر على أنه موجه لهم سواء أكان في كتاب، أو مجلة، أو مسرح، أو سينما، أو ما تعرضه شاشة التلفزيون.

يعلن البعض عن موت الكتاب الورقى والمجلة الورقية.. وأن الفضاء الالكتروني يتماهى مع قارىء جديد يتسق فى تكوينه النفسى والعقلى مع عالم افتراضى تفاعلى..يكون فيه عنصراً فاعلاَ ومشاركاَ بل ومنتجاَ إن لزم الأمر.. بينما يرى آخرون أن الكتاب والمجلة لايزالان بعافية.. وسيظلا صامدين برغم كل التحديات.. لأيهما ـ برأيك ـ تنحازين.. ؟

لقد ثبت بالبرهان العملي أن الكتاب الورقي لم يمت، وإنما تراجع الى حد ما لصالح ذلك العالم المرئي، والافتراضي.. وما أظن إلا أنها مرحلة سيتجاوزها كثير من المتلقين رغم إبهارها، بينما هي ما تزال تتنامى في تطورها، وفي وسائلها.. مع الأخذ بعين الاعتبار أنها ما تزال وسائل جديدة ما زلنا ننبهر بها، ونتأثر، ونقف عندها طويلاً كباراً كنا أم صغاراً.. أقول إننا سنتجاوزها بعد فترة من الزمن ذلك لأن الخيال الذي يُفتّحه الكتاب، أو المجلة، أو كل ما هو مقروء على صفحات الورق قد يكون أجمل، وأقوى بكثير من عالم افتراضي يصادر جزءاً من الخيال بمقدار ما يهب من الخيال على حد سواء.
وأنا على قدر ما أنحاز الى الكتاب، والمجلة الورقية فإنني لا أقف موقفاً سلبياً على الإطلاق من ذلك الآخر الإلكتروني، أو تلك الفضاءات الافتراضيه التفاعلية، بل على العكس فإنني أعتبرها عنصراً مساعداً يجب الاستفادة منه ما دام عصر المعلومات يتيحها لنا.. ولكن دون أن ننصرف كلياً عن الكتاب الورقي، والمجلة.. وهنا يأتي دور الأسرة في المنزل عندما تؤسس مكتبة صغيرة للطفل مما يحبه من الكتب، ودور المدرسة عندما تفتح أبواب مكتبتها وهي تزدان بالكتب الملونة المبهجة، وتخصص ساعات للقراءة، والقراءة المشتركة، وقد ترصد الجوائز لذلك، مما يشجع الطفل على التفاعل مع كل ما هو مقروء بعد أن أتقن التفاعل مع كل ما هو افتراضي.

مالذى يجب أن تنتهجه الحكومات العربية من أجل الوصول بالطفل ا لى الحد المأمول ؟

لابد من دراسات جدوى، ودراسات علمية عملية، وسبر حقيقي لأوضاع الطفولة من تعليم، وتثقيف، وصحة جسدية ونفسية، وأماكن ترفيه، وغيرها.. إضافة الى ضمان حصول الطفل على حقوقه التي أقرتها الأمم المتحدة كاملة. وهو عمل مؤسساتي يتكامل مع المجتمع المدني.
• مالذى ينبغى أن يفعله الأدباء الجدد فى مجال الكتابة للطفل للوصول الى مستوى يليق بهم كمبدعين، وبأطفالنا كمتلقين..؟

لا شك أننا بحاجة دوماً لدماء جديدة، ومواهب شابة تغني الساحة الأدبية، إلا أن التجريب دون امتلاك الأدوات التي يتطلبها أدب الأطفال تحديداً هو أمر غير مقبول، لأن ما يرسخ في عقل الطفل ونفسه يصعب اقتلاعه، أو تصحيحه فيما بعد. وعلى كاتب الأطفال أن يكون على دراية بعلم نفس الطفل، وان يلم بقاموسه اللغوي حسب المراحل العمرية، وألا يتعرض الى معلومة خاطئة، أو أن يتكئ على أسلوب إفعل ولا تفعل أي المباشرة في الخطاب، مع الحرص على تحريض الخيال، وإطلاقه لأنه أساس العملية الإبداعية. وأخيراً أقول إن الأدب يحتاج الى موهبة بالدرجة الأولى، والى ثقافة، واجتهاد بآن معاً. ونحن نحتاج الى أدب للأطفال لا كتابة لهم لأن الأدب هو الأكثر إقناعاً، وتأثيراً.

وأخيراً رسالة تودين تقديمها فى نهاية هذا الحوار ؟
يقول الشاعر التركي (ناظم حكمت): “أجمل البحار تلك التي لم تكتشف بعد.. وأجمل الأطفال ذلك الذي لم يولد بعد.. وأجمل ما سأكتبه هو ما لم أكتبه بعد”.. وأنا بعد تجربتي الأدبية العريضة التي وصلت حدودها الى (160) مؤلفاً أقول كما يقول حكمت: إن أجمل ما سأكتبه لأطفالنا هو ما لم أكتبه بعد.. وأنا أتطلع الى أن أنجز كل الأعمال المعلقة، وأن أحقق كل الأحلام المؤجلة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق