قراءات ودراسات

هكذا عرفته: حميميات من السيرة العطرة للأديب عبد الملك مرتاض

ثم لكي يعرف المكافحون في العالم الإسلامي حقيقة العنصر
الذي يحميهم من الانهيار، ويمسك بهم من التفكك والتفتت،
وسيجدون هذا العنصر بارزا في كفاح الجزائر، إنه العقيدة واللغة.
– سيد قطب –

بلحيا الطاهــر*

لقد استطاعت الجزائر المعاصرة، أن تنال استقلالها بعد كفاح مرير، وتضحيات عظيمة، قلّ مثيلهما في تاريخ البشرية، وقدمت زهاء، مليون ونصف المليون من أبنائها البررة، قربانا لتظل عربية، مسلمة، لذلك صار لهذه التضحيات دلالة خاصة في نفسية كل أديب صادق، وكل مثقف غيور على أمته ووطنه، لقد أريد بالجزائر أن تكون فرنسا، أريد بها أن تنسلخ من جسم الوطن العربي الإسلامي، وأن تبتلعها الصليبية الأوروبية الجديدة، على حد تعبير، سيد قطب، في تلكم الرسالة التي وجهها إلى جمعية العلماء المسلمين، ويقول فيها: ( مضى أكثر من قرن والمحاولات الجبارة لا تني لحظة ولا تكف، و قد استخدم المستعمر كل الوسائل التي لا تعرف البشرية أقسى منها و لا أمكر ولا أفتك،لكن الجزائر بدلا من أن تموت انتفضت جبارة، وبدلا من أن تنهار، تماسكت وتجمعت و أعلنت عن وجودها، عوضا من أن تبتلعها الصليبية….)1

ويضيف صاحب الرسالة: ( وقد امتدت يد المستعمر إلى تخليط الأنساب وتحطيم الأخلاق، وإزالة الصبغة العربية والدينية، لذلك كله أحب أن يعرض كفاح الجزائر على أنظار البشرية جمعاء، و أن تعرض آلام الجزائر على المكافحين الذين تصب عليهم الآلام اليوم لكي يدرك الجميع أن آلام الأرض كلها لا تقتل أمة تريد الحياة، و لا تعوق شعبا يعتزم الكفاح. )2
الأكيد أن الساحة الأدبية والفكرية في جزائرنا المستقلة، قد عاشت تطورا منقطع النظير، وشهدت جهودا جبارة بُذلت من طرف ثلة من الباحثين والعلماء الدارسين، من أولئك الغيورين على تراث أمتهم، وحضارة أسلافهم وإبداعاتها المختلفة، ومن ثمة ألفينا هذا اللفيف المفعم بتباشير النصر، يأخذ عـلى عاتقـه مسؤوليات عظيمة، قد نذكر منها الإبداع الأدبي، في الشعر والرواية والقصة، والكتابات الإسلامية والفلسفية والحضارية، والتنظير، والإبداع في مختلف فنون الحياة، إضافة إلى الطب والاختراعات وعالم الفكر الرحب.
كما أن بعضهم قد حاول جاهدا أن يجعل عربيتنا الجميلة ترقى إلى مصاف لغات العالم المتقدم، فبرزت إبداعاتهم الفكرية، والأدبية، المنمقة بأقلام سائرة على درب شهداء الأمس القريب، رجال سيحفظ التاريخ أسماءهم الكريمة، وتحتفي بهم الأجيال، لكونهم أسهموا في إثراء الإبداع الإنساني عموما، والجزائري خصوصا.
ولعل من بين هؤلاء العلماء الأفذاذ، و الأساتيذ الجهابذة، أو لأقل في مقدمهم: يبرز على قمة الهرم دكتورنا، وشيخنا الفاضل المبجل: عبد المالك مرتاض الذي أمدّ الساحة الأدبية والنقدية بأعماله الكثيرة والقيمة العميقة، وتخرّج على يديه الكريمتين آلاف الطلبة، إن لم أقل عشرات الآلف، وذلك في رحلة تدريس، بداية من العام 1963 إلى اليوم.

إذ لا أعتقد بأنني أجانب الصواب، أو أكون مبالغا، إذا وصفته: بأنه أهم شخصية أدبية في تاريخ الجزائر كلها، ولمختلف الأزمنة والحقب، ليس لأنه صاحب ( 75 ) خمسا وسبعين مؤلفا في مجالات مختلفة ومتعددة، كما سنقف على بعض ملامحه هنا في عجالة، أو لكونه قاموسا لغويا يعيش بيننا، عاشق لهذه اللغة السماوية، ودارس لتفاصيل جزئياتها النبيلة، أو حتى لأنه سيد جمال البلاغة العربية بعد الشيخ البشير الإبراهيمي، بدون منازع، أو لأنه تحصل في العام 1983 على درجة دكتوراه الدّولة في الآداب بمرتبة الشّرف من جامعة السّوربون بباريس، أو لأن اسمه قد سُجّل في موسوعة لاروس بباريس مصنَّـفاً في النقّاد؛ كما سجّل في موسوعات عربية وأجنبيّة أخرى في سورية، وألمانيا وغيرهما… بل لأنه أديب، وتربوي، وناقد بدرجة ( المنظر )، في علوم العربية وتاريخ الجزائر، والإسلاميات، وروائي كبير، كما وأنه رجل البنيوية والسيميائيات، وأحد أساطين الحداثة، وما بعدها، وقارئ التراث في الآن نفسه.
وقبل أن أحصل على شرف التلمذة على يديه، كنت أتابع نشاطاته الأدبية والفكرية، وأقرأ من صغري، بنهم كبير، رواياته التي نشرتها جرائد وطنية عديدة، وأطالع ما يتفضل به في الصحف والجرائد، ورحلاته السندبادية، لأنه مخلص في اطلاع متابعيه على رحلاته الأدبية والفكرية تحت مسمى عائد من… إما اليمن، أو الهند أو أمريكا وهكذا.. إلى أن حلّ خريف عام 1978، وجدته بلحمه ودمه أستاذا ورئيسا لمعهد اللغة العربية وآدابها، وذلك حين سجلت في السنة أولى آداب، وبعد أن سلّمت عليه، أخبرته بأنني أقرأ كل ما يقع بين يدي مما يكتبه، زادت غبطتي بلقائه، وبدا لي من حينها وكأنني أعرفه منذ أن بدأت أعي، والحقيقة أنه هو الآخر استقبلني، بما كنت لا أجده في غيره من الأساتذة والمعلمين، ولاحظت فرحة بادية على محياه الطفولي، وقال محتفيا بذلك، وبشيء من الفكاهة المعروف بها: عندما أجد قارئا يفهم ما نكتب، أحس بأنني اكتشفت قارة بأكملها، والحقيقة أنه هو القارة الفكرية المتنقلة، الموسوعي الذي يكتب بصبر فريد عن كل ما يعزم الكتابة فيه.

إنه المُلهم الكبير الذي تعلمنا على يديه سحر الكلمة، وحرقة الحرف، ولوعة المعنى، وعمق النص الأدبي الزاخر بالصور الجميلة المتلاحقة، هو الذي جعلنا نحبُّ العربية، ونتعشقها، ونفضلها على سائر ما كنا نقرأ آنذاك، لا تشعر إلا وأنت منجذب إلى طيب حديثه، وحسن أدبه، ونبل تناوله للأشياء، كونه الأديب الأريب، السامق، العالم، الخلوق، الذي وُلِد، في يوم العاشر، من شهر يناير عام 1935، بمَجيعة، وهي بلدة في منطقة مَسيردة العليا؛ بولاية تلمسان..)3 على الحدود المغربية، بدأ حياته، بحفِظ القرآن الكريم، ودرج على تعلّم مبادئ النّحو والفقه، وحفظ المتون مثل أبن عاشير، وألفية ابن مالك، في كُتّاب والده الشيخ عبد القادر مرتاض، بقرية الْخُمَاس، في المنطقة المذكورة.
وفي العام 1954 التحق بمعهد ابن باديس بقسنطينة، ليتم تعليمه الإسلامي، لكن اندلاع الثورة التحريرية أدى إلى إغلاق المعهد وتفريق طلبته بين أقطار الوطن العربي، ففضل التوجه إلى جامع القرويّين بفاس ( المغرب )4 في شهر أكتوبر من عام 1955 وفي العام 1960 يلتحق بكلية الآداب جامعة الرباط ( المغرب ) بعد أربع سنوات دراسة جادة، ثم التحق سنة 1963 بالتّعليم الثانويّ حيث ظلّ يعمل مدرسا للغة العربية بثانويّة ابن باديس بوهران لسبعِ سنواتٍ. وفي 16 سبتمبر من سنة 1970 عُيِّن مدرّساً للأدب العربي في جامعة وهران، ليصبح رئيسا لدائرة اللغة العربية وآدابها في العام 1971، لدى استحداثها، لأوّل مرة، بجامعة وهران، ولأن طموحه كبيرا، ورؤيته لا تحصرها أماكن قليله وكأني به يتمثل بيت المتنبي
إذا غامرت في شرف مروم ….. فلا تقنع بما دون النجوم

د. بلحيا الطاهــر

لذلك نجد أنشطته ووظائفه ومهمّاته، قد تعددت وتباينت، وأن السياسة ليست في اهتمامه، إذ أجد يقول بأن للسياسة رجالها، لا أريد أن أضيع وقتا في تفاصيلها، وكان اهتمامه الأدب ثم الأدب، فها هو يُنتخب سنة 1975 رئيسا لفرع اتحاد الكتّاب الجزائريين لولايات الغرب الجزائريّ لدى استحداث هذه الهيئة لأول مرّة، ثم يُعيِّنَ مديرا للثقافة والإعلام لولاية وهران، لدى استحداث هذه المديريّة لأوّل مرّة، [1983 – 1986]؛ ثم عُيّن نائبا لمدير جامعة وهران (1980-1983)، وبعدها اُنتُخب سنة 1981 عضواً في الهيئة المديرة لاتحاد الكتّاب الجزائريين وانتخب أمينا وطنيا، مكلّفاً بشؤون الكتّاب الجزائريين (1984-1989). وفي العام 1984 رأَس مؤتمر الكتّاب والصّحفيّين والمترجمين الجزائريّين بقصر الأمم بالجزائر، ثم اختير ليرأس مؤتمر اتّحاد الكتّاب الجزائريّين، بقاعة الموقار، بالجزائر، سنة 2001.
عُيّن إمَّا عضوَ هيئةِ التّحرير، وإمّا عضواً في الهيئة الاستشاريّة، لجملة من المجلاّت العربية والجزائريّة منها: كتابات معاصرة (بيروت)؛ فصليّة إيران والعرب، بيروت؛ أصوات (صنعاء)؛ التّراث الشعبيّ (بغداد)؛ مجلّة معهد اللّغة العربيّة وآدابها في جامعة قسنطينة؛ مجلة الدراسات الشّعبية (جامعة تلمسان)؛ مجلّة بونة (عنابة)، حوليّة جامعة وهران (وهران)، مجلة المعارف، الجزائر…

ولعل أهم ما يعنينا هنا أنه في يناير من العام 1998 يتم تعيّنه وتنصّيبه، شخصيّاً، من فخامة رئيس الجمهوريّة عضواً في المجلس الإسلاميّ الأعلى، رئاسة الجمهوريّة، الجزائر، وهو منصب يرى بأنه ( دستوري ) ولا يزال يحتفظ بعضوية هذه الهيئة الاستشارية الجمهورية، التي يحترمها القاصي والداني، وتحتل مكانة مرموقة في قلوب الجزائريين، وذلك لأنها أعلى هيئة تصدر الفتوى في الوطن.
كما عيّنه ونصّبه، شخصيّاً، رئيس الجمهوريّة في منصب رئيس المجلس الأعلى للّغة العربيّة في سبتمبر 1998، رئاسة الجمهوريّة، الجزائر، وهي وظيفة تساوي درجة وزير، وقد أشرف على تأسيس مجلة « اللغة العربية » بالمجلس الأعلى للغة العربية، وكان يرأس تحريرها. في المدة. 1998 – إلى جويلية 2001
حرص خلال حياته الأدبية أن ينوع أماكن النشر، فنشر في معظم العواصم العربية، والمدن الثقافيّة الكبرى مثل فاس، ووجدة، والقاهرة، وبغداد وتونس، ودمشق، وبيروت، والكويت، وصنعاء، والرياض، وجدّة، والظَّهران، والمنامة، ومسقط، والدّوحة، ودبيّ، وأبو ظبي، كما قُرِّرتْ كتبه وبعض مقالاته المنشورة في بعض المجلات المحكّمة لطلاب الدراسات العليا في جامعات عربية في الأقطار العربية مثل نواكشوط (بنية الخطاب الشعريّ)، وجامعات جزائرية (مجموعة من الكتب)، وجامعة تونس (فن المقامة في الأدب العربي)، وجامعة صنعاء (النص الأدبي من أين وإلى أين؟)، وبعض الجامعات الأردنيّة (السبع المعلقات)…
أعماله وكتاباته

إن الملاحظة الأولى التي تتصدر قراءتنا لأعمال أديبنا الكبير، إضافة إلى إبداعاته الروائية والقصصية، كونه موسوعي الثقافة، لا أحد باستطاعته أن يحصر كتاباته في شق معين، أو داخل فن من الفنون الأدبية المعروفة، فهو أديب، وناقد، ومؤرخ، ودارس للتراث وللمعاصرة، في الآن نفسه، هو إذن من هذه الأسماء النقدية العربية التي سطعت في سماء الآداب، بحيث نجده يبرز ناقدا متألقا، ويعتبر من أغزر النقاد نتاجاً بتناوله الموسوعي لعديد القضايا الحضارية والإنسانية، النقدية والفكرية، وذلك من خلال ( 75 ) مؤلفا أنتجها في مسيرته العلمية المظفرة، إضافة إلى مئات المقالات، والدراسات، الأمر الذي أدى إلى بلورة منهجه النقدي الذي يتأسس على ثقافته الغربية العميقة، المرتكزة على تراثنا العربي الأصيل، ومتكئاً على مخلفات وتراكمات التراث العربي، في الخطاب النقدي العربي المعاصر.
نجده يزاوج بين التنظير، في أعماله النقدية المهمة، وبين الممارسة النقدية، وعادةً ما يبدأ بالعمل التنظيري، ليُرْدِفه بالتطبيقات، خصوصا في الحقل الشعري، وقد يكون مُختبرا لجميع ما نظَّر إليه في معالجة النصوص، التي قد يدرسها، أو يعلق عليها سواء تعلق الأمر بالأشعار، وهي كثيرة جدا، سواء بالعربية أو أشعار شعبية، أو نعلق الأمر بالرواية العربية، التي يكتبها إبداعا، ويناقشها نقدا.
كما وأنه في بعض الحالات، يلجأ إلى مزْج الأمْرَين في نطاق واحد، فهناك بعض النصوص الشعرية التي لجأ فيها إلى التطبيق، لأنه يكون قد وقف على منهج قويم، أراد أن يجربه على قصيدة لمحمد العيد ( أين ليلاي ) مثلا… ففي هذه الحال، نلاحظ عليه طغيان التطبيق على التنظير، بحيث نجده يحرص على رسم الجداول السيميائية والخطوط الدقيقة الدلالة، بينما في دراسات أخرى، نجده يُغلب الجانب التنظيري، وينتصر له على حساب تلكم الحالات التي يتوسع في مستوجبات الدرس البنيوي، بل إن له دراساتٍ تسير في ركاب التنظير جملة وتفصيلاً، كما هو الشأن بالنسبة إلى عمله الرائد حول نظرية الرواية الذي صدر ضمن سلسلة “عالم المعرفة” الكويتية، بحيث نجده هنا يتابع افكار الأدباء، ويرسم بدقة الحرف أهم نوازعهم وعواطفهم، وأشجانهم، ليصل إلى هموم شعوبهم، وصراعات أممهم.

صرامة المنهج العلمي

إن الدارس الممحص، والباحث الدقيق، لأعمال مرتاض يخلص إلى نتيجة مبهرة، فحواها أنه من أوائل العرب الذين عادوا إلى معين التراث العربي، ليحافظ على أصالته، بواسطة المنهج الغربي، ومن خلال الدراسات الحداثية الراقية، التي تعتمد الفلسفة والفكر في الولوج إلى الماضي العريق، وهذا ما أكده بقول: ( فلتكن هذه محاولة ممنهجة لدراسة التراث العربي، ولتكن قبل كل شيء مدرجة لإثارة السؤال ومسلكه لاستضرام الجدال ولتكن أيضا دعوة إلى التجديد، ولكن بعيدا عن فخ التقليد الذي ابتلينا به )5
كما وأنه يُعد من أكثر النقاد العرب اهتماما بالمنهج، على حد تعبير يوسف وغليس: ( إذ لا یكاد يخلو كتاب من كتبه النقدية الغزيرة بمقدمة شافية تستوفي الإشكالية المنهجية حقها من البسط والدرس)6 وتعدد دراساته السيميائية من خلال تحليله السردي لحكاية حمال بغداد ) وهي إحدى حكايات (ألف ليلة وليلة بغية إرساء معالم الدرس السيميائي وكاشفا عن ملامح منهجه الجديد بقوله: “أولى لنا أن ننشد منهجا شموليا تكون به القدرة على استكناه دقائق النص، واستكشاف كوامنه، وتعريف مكامنه، دون أن نقع لا في فخ البنيويين الرافضين للإنسان والتاريخ …ولا الاجتماعيين الذين يعللون كل شيء تعليلا طبقيا، ولا في فخ النفسانیین، وهم الذين يودون جهدهم تفسير سلوكيات المبدع من خلال تفسير الإبداع. )7
كما يستوقفنا في كون جلّ دراساته النقدية المتميزة، جاءت في حقل: تحليل الخطاب سواء أكان، شعرا أو نثرا، وسواء أكان هذا الخطاب قديماً أم حديثاً أم معاصراً، فصيحاً أم شعبياً، ذلك لكونه قد تناول بعضا من القصائد الشعبية المهمة، بالدرجة نفسها التي تناول فيها قصائد عربية أصيلة.
لعل التقدم الذي عرفته المناهج النقدية الحداثية، والمنهج السيميائي بشكل خاص، قد دفع مجموعة من النقاد بحكم التأثر بما يأتينا من الغرب، إلى تأسيس المصطلح في المسار النقدي المعاصر، المناسب للأدب العربي الجديد، الأمر الذي أحدث تعددا للآراء واختلافا في وجهات النظر والتضارب في إصدار الأحكام الناتجة عن التفرعات الجديدة، المتعلقة بالأحكام المسبقة على المنهج، إن ظروف بروز نقد جزائري معاصر، متأثرا بالخطاب النقدي الغربي، وهذا بسبب انتشار الترجمات لمؤلفات رواده أمثال: رولان بارت، وجولیا كريستیفا.. وغيرهما.

وقد التزم بالمسألة المنهجية، وجعلها في المرتبة الأولى، فهو يتعرض لقصائد شعبية، لكنه يضع عليها ميسم المنهج ليجعلها تسير في ركابه، يعتمد الأستاذ مرتاض في أعماله النقدية الناجحة على ضرورة توفر المنهج الصارم، بحيث يراه المحدد الذي يساعد على التوصل إلى نتائج مرضية، إذ لا يمكن إجراء أي بحث أكاديميي علمي بدون الاعتماد الكلي على منهج قويم يضبط خيوط العملية البحثية بدقة وانضباط، إذ أن طبيعة نتائج بحثٍ من البحوث، أو إجراء من الإجراءات؛ وهو أمْرٌ واردٌ حقاً؛ إذا جاء بدون تحديد ممنهج، وبدون اصطناع الصرامة العلمية ما أمْكن في ذلك المنهج، فإنه لا ينشأ عن هذا الجهد المبذول في السعْي إلا نتائج ضئيلة، بل ربما تكون مُخالِفة لأصول العلم، يقول في هذا الشأن: “إننا بدون المنهج الصارم، في الحقيقة، لا نستطيع أن نقرأ؛ لكننا أيضاً بالخضوع المتبلِّد القاصر لمِثل هذا المنهج، نَسْتلب حريتنا منا، ونتقيّد بقيود تكبّلنا؛ فلا نستطيع أيضاً أن نقرأ قراءتنا الخاصة بنا؛ أي إننا لا نستطيع أن نبدع في هذه القراءة طالما رَمَيْنا بأنفسنا في مُسْتَنْقَع إجراءات هذا المنهج….)8

الجدير ذكره أن الأعمال السرديّة (الرواية والقصّة)، والتي هي أصلا منشورة في مختلف الدور الوطنية والعربية، إلا أن مختبر السرديات في جامعة قسنطينة قرّر مشكورا نشْرَ هذه الأعمال السرديّة الكاملة وهي (تسعة أعمال) بإشراف الشاعر الناقد الدكتور يوسف وغليسي، وقد أسعدني الأستاذ يوسف وغليسي، وادخل الغبطة إلى خبايا قلبي حين أهداني نسخة، كريمة من هذه التجربة الفريدة، لهذه الأعمال المتميزة، التي هي خطوة أولى لنشر بقية أعمال مرتاض، النقدية والفكرية، وجميع ما كتبه، شكرا لك أيها النبيل.
كما نشير إلى أن أعماله النقديّة، وكتاباته الإبداعية، قد نوقشت في رسائل جامعية لا تعد ولا تحصى (ماجستير ودكتوراه) في جملة من الجامعات الجزائريّة مثل عنابة، وقسنطينة، وبلعباس، ووهران، وباتنة، والبليدة، وبشّار، وتيارت… ومن هذه الرسائل ما نُشر في كتب.

ملحوظة………
ألتمس من الأحبة ضرورة الاطلاع الواسع على منجز سلسلة متون السرد الجزائري ( منشورات مختبر السرد العربي ) جامعة قسنطينة. إعداد وتقديم وتعليق: أ. د يوسف وغليسي. وتقع في تسع مجلدات فاخرة، كُرم بها الكاتب، وتوسع يوسف وغليسي مشكورا في تحليل وتقديم وتوثيق جميع ما يتعلق بأستاذنا الجليل، له منا جزاء الشكر والتقدير والعرفان.

الهوامش
1 – مذكرات الشيخ محمد خير الدين. المؤسسة الوطنية للكتاب، 1981. ص: 401
2 – في 23 يناير 1953، نشرت “البصائر” لسيد قطب، هذا المقال تحت عنوان “كفاح الجزائر”؛ بَّين فيه سياسة فرنسا التي تهدف إلى محو الثقافة الإسلامية، واللغة العربية في الجزائر، أملا في سلخها من العالم الإسلامي على نمط الأندلس، وقد جاء فيه: “كفاح الجزائر في سبيل البقاء، وكفاحها في أن تظل عربية وأن تظل مسلمة. هذا الكفاح له في نفسي دلالة خاصة قد لا تخلص لي من كفاح أي بلد آخر من البلاد العربية أو البلاد الإسلامية. لقد أريد بالجزائر أن تكون أندلساً جديدة، أريد بها أن تنسلخ من جسم الوطن العربي الإسلامي، وأن تبتلعها الصليبية الأوروبية الجديدة. ومضى أكثر من قرن من المحاولات الجبَّارة لا تني لحظة ولا تكف واستخدمت كل الوسائل التي لا تعرف البشرية أقسى منها ولا أمكر منها ولا أفتك منها. ينظر: مذكرات الشيخ محمد خير الدين. المؤسسة الوطنية للكتاب، 1981. ص: 401 وما بعدها
3 – عبد الملك مرتاض ألف ليلة وليلة تحليل سيميائي تفكيكي لحكاية حمال بغداد ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر ص 11، وينظر : مقدمة مؤلف. التحليل السيميائي للخطاب الشعري، تحليل مستوياتي لقصيدة شناشيل ابنة الجلبي، دار الكتاب العربي، الجزائر، 2001، ص: 18. وينظر: مرتاض، عبد الملك: تحليل الخطاب السردي، معالجة تفكيكية سيميائية مركبة لرواية “زقاق المدق”، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1995، ص 06. وما ببعدها
4- تحصلت على جميع هذه التفاصيل الدقيقة التي تتابع مسيرة حياته، من خلال ورقة كتبها بنفسه عن مسيرته التعليمية، ومراحل فترات كتاباته، وسنوات ظهور مؤلفاته، إلا أنني فضلت أن أدون بعض ما قاله لي بخصوص حياته ونشاطاته الفكرية والأدبية، باعتبارها شهادة أعتز بها وأفخر. كما أنني مدين لكتابات أ. د يوسف وغليسي ينظر: يوسف وغليسي: عبد الملك مرتاض. الأعمال السردية الكاملة. المجلد الأول. ص5 وما بعدها
5 – عندما اندلعت الثورة التحريرية المباركة، في الفاتح نوفمبر 1954، تم إغلاق معهد ابن باديس، وتفرق طلبته إلى خمس وجهات معروفة، أولها القيروان في تونس، الجامعة الشهيرة التي تخرج منها زعماء الإصلاح في الجزائر، وثانيها القرويين في فاس بالمغرب، وهي الأخرى من أعرق الجامعات وأشهرها، عُرفت بتحفيظ المتون الشهيرة، وشرح المذهب المالكي، وثالثها الأزهر الشريف في مصر، ولعله أعرق جامعة عربية إسلامية، وقد تخرج منه خيرة علماء الجزائر، أما الوجهة الرابعة، فهي ترك الدراسة والالتحاق بالجبل لدعم ثورة التحرير، وكان هذا الخيار مفضلا عند غالبية الطلبة، أما الوجهة الخامسة فتتمثل في ( الالتحاق بفرنسا ) للبحث عن العمل، وقد وصلها أستاذنا في العام 1955، لكن العمل الذي اقترح عليه لم يشرفه، فتركه وعاد من جديد ليتوجه إلى المغرب لإتمام الدراس
6 – عبد الملك مرتاض: شعرية القصيدة قصيدة القراءة، دار المنتخب العربي، بيروت، لبنان، ط1،.1994م، ص: 08.
7 – يوسف وغلیسي –الخطاب النقدي عند عبد الملك مرتاض ط 1 منشورات رابطة إبداع الجزائر 2002 ص 31
8 – عبد الملك مرتاض دراسة سیمیائیة تفكيكية لقصيدة أين ليلاي لمحمد العيد ديوان المطبوعات الجامعية.الجزائر . 1992

*جامعة وهران1 أحمد بن بلة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “هكذا عرفته: حميميات من السيرة العطرة للأديب عبد الملك مرتاض”

  1. على رسل يا سي الطاهر…. إن شكرت استاذك فهذا شأنك ، لكني لاحظت انك تمدحه بما ليس فيه ، ماذا قدم للإسلام و اللغة العربية ؟!
    لم يعارض التجاوزات التي حدثت في شأن اللغة العربية و الإسلام في منظومة التعليم مثلا . مؤلفاته عبارة عن تطبيقات لنظريآت و دراسات غربية لم يجن منها الأدب العربي والشعر فائدة تذكر …..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق