حوارات المجلة

الأديب الجزائري عز الدين جلاوجي للمجلة الثقافية الجزائرية:

أكتب لأنتصر على الانهيار والعدمية والخواء

يشكّل الدكتور عز الدين جلاوجي حالة إبداعية متفردة في المشهد الثقافي الجزائري، فهو مثقف معطاء دؤوب متعدد المواهب غزير الإنتاج ورسالته إنسانية تنتصر للإنسان وتدعو للحب والخير والجمال.. في رصيده 35 مؤلفاً متنوعاً وكتاباته تتسم بالعمق والاختلاف والزخم الفكري، ولذلك من الصعب تصنيفه في خانة واحدة من الإبداع. ضيفنا يقدم أشكالاً تعبيرية مختلفة مطلقاً العنان للكلمة رافضاً النمطية والقوالب الجاهزة ومؤمناً بالتجريب والتجديد. المجلة الثقافية الجزائرية تصل هذا المبدع الجميل بقرائها في مساحة مكشوفة من السؤال والجواب عبر الحوار التالي:
حاورته: باسمة حامد

منجز إبداعي غزير ومتجدد..

المجلة الثقافية الجزائرية: ما نلاحظه أنك كاتب غزير الإنتاج ومتنوع المواضيع ومتعدد الاتجاهات: كيف تفسر هذا التداخل بين التخصصات الفنية والأدبية والأكاديمية في منجزك الإبداعي؟
عز الدين جلاوجي: هي قدرات ومواهب، من المبدعين من ينحصر في زاوية واحدة من زوايا الإبداع، ومنهم من يتوسع في ذلك، ومنهم من يكون مقلاًّ ومنهم من يكون مكثراً، وليس يؤثر ذلك على جودة الإبداع وعبقريته، في تاريخنا كما في تاريخ الشعوب الأخرى مكثرون قدموا عشرات ومئات الكتب ونوعوا بين فنون القول بل وخرجوا عن ذلك إلى فنون الإبداع، فمارسوا أيضاً الموسيقى والرسم، ويكفي أن أذكر السيوطي وبلزاك وتوفيق الحكيم وطه حسين وإبراهيم الكوني، وقد كانت بدايتي الأولى شعرية، سريعاً ما انتقلت إلى القصة فالمسرح والرواية، ثم عرّجت على النقد وملت إليه أكثر بعد ولوجي عالم التدريس في الجامعة، غير أني أجدني أقرب إلى فن الرواية بما توفره من رحابة صدر وإلى فن المسرح وهو في تصوري فن التحدي وقد خضت فيه شكلاً جديداً في الكتابة.

المجلة الثقافية الجزائرية: المتتبع لتجربتك الإبداعية يخيل إليه أنك تبحث عن مفقود ما.. ما الذي تبحث عنه تحديداً؟ وبعد هذا الانغماس المتوهج في مجالات (القصة، الرواية، النقد، أدب الأطفال، السيناريو، المسرح، العمل الأكاديمي).. هل ثمة محطة إبداعية جديدة تخطط لها بوصفك تؤمن بالتجريب وتمارسه “بحرية تامة”؟
عز الدين جلاوجي: إنما الإبداع تجريب، ليس في مجال الكتابة فحسب بل في كل مجالات الحياة، والتجريب تجاوز للسائد وخرق له، كون الإنسان لا يستقر عند إجابة فهو دائم البحث، والإنسان المبدع يجب أن يكون مهووساً عن وعي طبعاً بالتجريب، ليضيف للمنجز البشري، ويضيف لمنجزه أيضاً، لا أحب أن أقدم لقرائي الآسن من كتاباتي أريدها دوما أن تكون نهراً متدفقاً متجدداً، وقد مارست ذلك في القصة القصيرة، التي لم تكن أبداً خطاً أفقياً، والأمر ذاته بالنسبة للرواية، وكذا في المسرحية التي قدمت فيها أحد عشر نصّاً للكبار خضت تجربة مختلفة في كتابة النص، أسميها مسردية، وهي نحت جمعت فيه بين المسرح والسرد، لدوافع مختلفة كنت قد بسطت عنها القول في مقدمة مسردياتي، منها هذا المعنى الذي تحمله اللفظة فينصرف إلى النص كما ينصرف إلى الخشبة، ومنها الاهتمام بالتجديد في الفرجة دون التجديد في النص، ومنها هذا العزوف عن قراءة النص بعد أن ظن الظانون أنه إنما هو عبد الخشبة وقينها دون أن يجد أحراراً يدفعون عنه الضيم، ثم خضت غمار تجربة أخرى أطلقت عليها مصطلح مسرح اللحظة/ مسرديات قصيرة جداً، قدمت فيها رؤية مختلفة للمسرح، وقد لاقت التجربة اهتمام القراء والنقاد معا خاصة في رحاب الجامعة، حيث بدأ الاشتغال على ذلك مصطلحاً ونصاً وتنظيراً، عاكف هذه الأيام على كتابة نصوص جديدة علها ستحمل المختلف. إنما أكتب لأني أحمل رسالة فنية جمالية وفكرية هدفها الارتقاء بالإنسان جمالياً وروحياً، هدفها الانتصار لثلاثية الخير والحب والجمال، إنما أكتب لأحس بوجودي، إنما أكتب لأنتصر على الانهيار والعدمية والخواء.

التراث مجال خصب للعبقرية الإبداعية..

المجلة الثقافية الجزائرية: روايتك (حوبة ورحلة البحث عن المهدي المنتظر) تنبش في التاريخ وتعزف على الموروث.. لماذا الالتفات إلى الوراء خصوصاً وأن استعادة الماضي قد تكون مأزقاً حقيقياً للروائي باعتباره يحوّل الحدث التاريخي إلى مادة إبداعية يمتزج فيها الخيال بالواقع؟!
عز الدين جلاوجي: لا يمكن لأي نص مهما كان أن يتخلص من الماضي ومنه التاريخ طبعاً، والإبداع حين يستدعي التاريخ إنما يفعل ذلك من أجل الحاضر لا الماضي، ما أحوجنا اليوم لاستدعاء التاريخ فنياً وجمالياً لإعادة مساءلته وبالتالي مساءلة حاضرنا ومستقبلنا وقد استدعيت ذلك بشكل واضح في روايتي (العشق المقدنس) حين عدت في شطر منها إلى الدولة الرستمية وفي روايتي (حوبة ورحلة البحث عن المهدي المنتظر) و(الحب ليلاً في حضرة الأعور الدجال) واستحضرت فيها التاريخ الجزائري الحديث، أما حضور الموروث بشكله الواسع فقد طبع كثيراً من نصوصي الروائية خاصة سرادق الحلم والفجيعة، و(راس المحنة 1+1=0)، و(الرماد الذي غسل الماء)، إضافة (لحوبة والحب ليلاً)، إيماناً مني أن حضور ذلك يجعل النص محلياً يملك شرعية الحضور لدى المتلقي الأول، كما يقدم نصنا للآخر بالشكل الذي يبحث عنه، فهو يريد أن يقرأنا من خلال نصوصنا، إضافة إلى أن التراث مجال خصب للعبقرية الإبداعية، يمكن أن نستلهم منه بعبقريتنا ونفجر منه حتى أشكالاً جديدة للكتابة.

المجلة الثقافية الجزائرية:الرواية الجزائرية –بشهادة النقاد- رواية متميزة من الناحية الجمالية والفنية.. لكن لماذا فشلت –برأيك- في الوصول إلى الجوائز العالمية كالبوكر مثلاً؟
عز الدين جلاوجي: أولاً الجوائز ليست معياراً على الجودة، بل يقينا هي توضع لأهداف أخرى تماماً، ليس هذا مجال بسطها، وحتى لو رصدت للإبداع فإن من ينال الجائزة إنما ينالها بذوق أعضاء اللجنة، الذي قد يختلف كلياً عن غيره من الأذواق، شخصياً قرأت أعمالاً نالت جوائز ولم ترق لي، أو على الأقل لم تكن بذات المستوى الذي يمكن أن ينال الجائزة، والفنون أذواق كما نعلم، حقيقة في الرواية الجزائرية أسماء كبيرة ونصوص جيدة، ولكن وأنا متابع للمشهد الروائي العربي لاعتبارات عدة منها: أني روائي وناقد روائي وأستاذ لنظرية الرواية أقر أن الوطن العربي ولود، وأن في كل قطر أسماء ونصوص متميزة، والمهم عندي أن تصل الرواية لقلوب القراءة قبل أن تحظى بالجوائز حتى العالمية.

نحتاج إلى مسرح يعبّر عنا..

المجلة الثقافية الجزائرية: أعمالك المسرحية تقودني إلى سؤالك عن المسرح كهاجسٌ إنساني مشترك وفنٌ جامحٌ يبحث عن الحرية.. إلى أي حد يستطيع أن يؤدي دوره المطلوب فكرياً واجتماعياً وثقافياً في مجتمعاتنا المكبّلة بإشكاليات سياسية ودينية واجتماعية كثيرة تجعل من هامش الحرية ضيقاً ومحدوداً؟
عز الدين جلاوجي: لأن المسرح حرية، ولد في أحضانها وعبر عنها ومازال، وطالما كان لواءها لتحرير الشعوب مما كبلتهم به العبودية، فإنه يستحيل أن يزدهر في ظل العبودية التي نحياها، ولعل ذلك من الأسباب التي جعلته يظل عندنا في غرفة الإنعاش، رغم التضحيات التي قدمت، ورغم الدماء التي ضخت في عروقه، وبقدر ما نحتاج إلى حرية أكبر لازدهار المسرح فإننا بحاجة أيضاً إلى مسرح ينطلق منا ويقولنا ليس على مستوى شكل الفرجة فحسب كما ذهب إليه عبد القادر علولة وبرشيد والمدني وونوس وغيرهم، ولكن على مستوى الموضوعات أيضاً، قد نضطر أحياناً أن نأخذ من غيرنا شكلاً تعبيرياً فإن الواجب يدعونا أن نلبسه روحنا ليعبر عنا، وقد قام أسلافنا بجهود عملاقة منذ النقاش وقباني والمسعدي وعجزت هممنا أن تواصل المسير.

أغلب المبدعين لا يحملون مشروعاً إنسانياً كبيراً.. والمثقف الحركي مازال موجوداً

المجلة الثقافية الجزائرية: كمبدع مشغول بالواقع الإنساني وهمومه وقضاياه: هل تجد أن المنتج الأدبي الراهن يدرك حركة التاريخ ويوازي المحن التي تعيشها البشرية: (العولمة وإرهاصاتها، غياب الحريات، التغريب، أزمة الهوية، العنف، التقسيم، اجتياح الظاهرة الأصولية..إلخ)؟
عز الدين جلاوجي: للأسف لا، في حدود ما أطالع على الأقل، أغلب المبدعين لا يحملون مشروعاً إنسانياً كبيراً، وبالتالي فهم إما أن يتقوقعوا في ذواتهم فلا يكون أدبهم إلا صدى لها في أمراضها وصَغارها، أو يتقوقعوا في أيديولوجياتهم فإذا هم الفرقة الناجية التي يجب أن يطوف حولها الكل، وما بقي إن هم إلا أباليس، ولك أن تأخذي مثلاً نص (الخيميائي) لباولو كويلو لتكتشفي أنه نص عنصري بامتياز، تعظيم وتمجيد للأنا الذي هو عنده المركزية الغربية انطلاقاً من التوراة والإنجيل والثقافة اليونانية والرومانية من جهة، ثم تحقير وتهوين للآخر الذي هو الإنسان العربي المسلم من جهة أخرى، الواجب يدعونا أن تكون كتاباتنا صرخة ضد الظلم والعنصرية، وأن تكون دعوة للمحبة والتسامح، وهو ما حققته قامات إبداعية كبيرة في الأجيال السابقة مشرقاً ومغرباً، وهو ما سعيت إليه في كل كتاباتي، وقد افتتحت روايتي (حوبة) بالإهداء التالي “إلى بني الإنسان: يا بني الإنسان الأرض واحدة والشمس واحدة، تحابوا لا تفرقوا في دهاليز الظلام”، وهو ما سأسخر له قلمي دوماً في كل مشروعي الإبداعي.

المجلة الثقافية الجزائرية: المثقف العربي كان في الستينيات والسبعينيات قادراً على الرفض والاحتجاج.. لكن أين هو اليوم؟ أين تأثيره؟ وهل مازالَ الحديث عن دوره مجدياً والشعوب العربية تعاني من الظلم والتخلف والدكتاتورية والإرهاب المسلح؟
عز الدين جلاوجي: أمران ساهما في خلق ذلك النوع من المثقفين الرافضين ليس على مستوى الوطن العربي فحسب ولكن على مستوى العالم، الأمر الأول هو وجود قطب يناهض الغرب، ووجود فلسفة تختلف عن المركزية الغربية التي مثلت الاستعمار، الأمر الثاني هو وجود أنظمة في الوطن العربي شجعت هذا التيار الرافض والثائر، وتبنت أفكاره وطروحاته، نحن الآن في عصر أحادية القطب عصر العولمة والصوت الواحد، عصر تكميم الأفواه، ورغم ذلك مازال للمثقف الحركي المثقف العضوي دوره الفاعل والقوي في نشر الوعي وتحريك الجماهير التي أصبحت اليوم أكثر وعياً ويقيناً نهارنا سيشرق، وربيعنا سيزهر، سنهزم هذا الصقيع بدفء وعينا وحرارة قلوبنا.

المجلة الثقافية الجزائرية: رغم تطور وسائل الاتصال.. إلا أن المثقف يبدو عاجزاً عن استثمار التكنولوجيا لتجاوز الرقابة من جهة، وللانتشار والحضور من جهة أخرى، أين الخلل؟
عز الدين جلاوجي: أتصور أن الدكتاتورية أيضاً قد طوّرت وبشكل سافر أدوات الرقابة والقمع وشراء الذمم، وأسطول الإعلام لديها قد صار بإمكان سحره أن يفرق بين المرء ونفسه والمرء وزوجه، ولكن رغم ذلك فإن روح المقاومة قد تضاعفت، واستغلال كل الوسائل قد صار قوياً، وقد صارت وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الخاصة والمواقع الإلكترونية كلها ذات دور فعّال لإسماع صوت المقهورين، ولا يعني ذلك أن الهدف قد تحقق مازال الطريق أمامنا طويلاً، وما زال الكفاح كبيراً للقضاء على البؤس في النفوس والعقول والكرامات، من أجل تحقيق غد أفضل ننعم فيه بالحب والحرية.
المجلة الثقافية الجزائرية: في ختام الحوار.. قل لي بصراحة: كمبدع عربي متميز تراهن على (الكلمة) إلى أي درجة تشعر بأنك ربحت الرهان؟
عز الدين جلاوجي: لا شك في ذلك تماماً، أن تظل وفياً للكتابة مصرّاً عليها رغم ما يحيط بها من ظروف صعبة فقد ربحت الرهان، أن تقدم زخماً كبيراً للمشهد الإبداعي “أكثر من خمس وثلاثين كتاباً في الرواية والمسرح والقصة والنقد وأدب الأطفال فقد ربحت الرهان، أن يلتفت إليك النقد الأكاديمي وتقدم عن أعمالك مئات المقالات والرسائل الجامعية فقد ربحت الرهان، أن تستمر لعقود في الكتابة رغم كل الصقيع والقرّ والعواصف فقد ربحت الرهان، أن يتواصل معك المئات ليتحدثوا إليك بكل الحب عن أثر نصوصك فيهم وتفاعلهم معها فقد ربحت الرهان فقد ربحت الرهان.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “الأديب الجزائري عز الدين جلاوجي للمجلة الثقافية الجزائرية:”

  1. الأستاذ الاكاديمي والروائي عز الدين جولاجي ربح الرهان،فقد أنجز مدونات متعددة في الرواية والمسرح وأدب الاطفال وترجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى وقد
    درست بعض منجزاته في رسائل علمية وبحثية.وهو روائي جاد ورسالي . تمنياتي أن تلقى أعماله الريادة العالمية خاصة إذا ترجمت سردياته.

  2. حوار قيم مع مبدع واديب كبير ومتميز بإبداعاته وإنتاجه السردي الغزير والثري والذي ساهم بشكل كبير من خلاله في إثراء الساحة الثقافية الجزائرية…متألق دائما دكتور عزالدين…تحتاج الضفة الأخرى أن تقرأ لك باللغات العالمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق