ثقافة السرد

جندي مجهول

أحمد محمد عبده ــــ مصر

كيف تصفونني هكذا, وقد سقطتُ يوم قُتلتُ على ذراع أمي؟
راحت تجسُ عروقي وتفتشُ في عيني, زاغت عنها العروق, رأت نفسها في نن العين, فأغلقتُها عليها, وراحت في نومٍ عميق, أأكونُ مجهولاً وأمي تسكن فىَّ ؟
كنتُ جنديًا واحدًا, وبعد أن سقطتُ صرتُ كل الجنود, الذين غسَّلتهم الملائكة بدمائهم, ثم كفنتهم بسترات الذين عادوا لصغارهم !
فلو أنكم أتعبتم أنفسكم قليلاً, وأعدتم تركيب بشرتى, لوجدتموها من طمى النيل.
ولو أعدتم ترتيب البصمة, ستجدونها من شراقي أرض القمح.
أما الملامح والتقاطيع, فهي تشكيلة من لوز قطن أخضر, على حبات من كيزان ذرة, على باذنجانات, على بلحات, كانت قد نقرتها العصافير, في سباطة معلقة في نخلة حيَّاني, تجاعيد قحوفها, هى بصمات أصابع أجدادى.
ولو أنكم أعدتم عرض هذه الملامح والتقاطيع على أمي, النائمةُ في نن عيني, وذلك قبل أن تدفنوا أشلائي؛ لكانت قد تعرَّفت علىَّ,
وما قلتم بأنني مجهول!
وإنما كنتُ مجهولاً, لأن روحي حينما صعدت إلى السماء, ظللتم تبحثون لها عن أشلاء في التلال والجبال.
هي تحوم فوق الرفاق, وأنتم تبحثون لها عن أشلاء, تحلق هنا وهناك, وأنتم تنبشون الرمال, وتجرون وراء الذئاب !
ولما لم تجدوا شيئًا مني, جئتم بعظمة ساق من هناك, وأخذتم عظمة ذراع من هنا, وجمجمة كانت في المنتصف, جمعتم هذا على ذاك, ووضعتموه في قبر واحد .

صراع
قصة / أحمد محمد عبده ـــــــ مصر
… وحينما جاء أمر الله, لم أضرب على صدري, ولم أخبط كفًا بكف. وضعتُ ولدى في الصندوق, حملته على رأسي, ومشيتُ به إلى شاطىء اليم!
في الأفق الغربى البعيد, عند الشاطئ المقابل, كان البحرُ يسحبُ إليه قرص الشمس, ما للشمس تتهادى هكذا هابطةً مطمئنةً, وكأن الله قد قال لها: ألقي بنفسك ولا تخافي؟
أغمضتُ عيني ورحتُ اقتربُ من حافة البحر, فقابلني المدُ بصفعة على وجهي, كاد الجزر يطويني, شهقت, ثم أفقت, كان الموج لجة تركب لجة.
المد يصفعني والجزر يطويني, المد يلطمني والجزر يأخذني,
قربتُ الصندوق من اللجة, امتدت أصابعها لتلتقطه منى, فاحتضنته وتشبثت به, في هذه اللحظة: وكأني انقسمت اثنتين: أمٌ وقديسة!
الأم تقولُ لا, وتجذب الصندوق إلى صدرها.
مخالب اللجة تنغرس فيه فتسـتميت عليه الأم.
فتقول القديسة: جاء أمر الله.
فتقول الأم: هو ولدى, ولا ينكوي بالنار إلا….
فتقول القديسة: ما تنزل علينا إلا لأنني فيكِ.
فتقول الأم : اخرجي منى.
فتقول القديسة: لو أنني خرجتُ الآن منكِ, لهلكتِ أنتِ وولدكِ.
قالت الأم: وما الضمان ؟
قالت القديسة: أخذ الله العهد على نفسه.
فقالت الأم: إذن فألقهِ أنتِ, فلا تطيقُ ذلك عيني.
سَحَبَتْ ” القديسةُ ” الصندوق من بين ذراعي ” الأم ” وألقته إلى اللجة وهى تردد: إنا رادوه إليكِ, إنا رادوه إليكِ…
كحصان صغير يتهجى الرمح, كان الصندوقُ يتكفّأُ ما بين طيات اللجة وسنامها, الشمس سقطت في باطن البحر, الزبد الأبيض يساعد الحصان الصغير في مراوغة مخلوقات البحر.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق