ثقافة المقال

حكمة بالغة

صفاء عبد السلام فرحات

كثيرا ما سمعنا في القصص التاريخية عن الملوك والأمراء , وعن قصورهم وحاشيتهم وما يستعينون به من وزراء لإدارة شئون البلاد , ومن أبرز الشخصيات المقربة من الملك شخصية “حكيم القصر” ذلك الشخص الذي يستعين به الملك لإيجاد الحلول المناسبة للمشكلات المستعصية التى تواجهه .
ومع الإنفتاح العربي على الثقافات الغربية والانتشار الواسع لحركات الترجمة خاصة من اليونانية واللاتينية إلى العربية حيث كان التأثير الواسع للفكر الفلسفي اليوناني على فلاسفة العرب وبالتبعية تعرضت بعض الكلمات العربية للتنحي جانبا ليحل محلها بعض الكلمات اليونانية , وتتنحى كلمة “حكيم ” لتحل محلها كلمة “فيلسوف” وتصبح “الفلسفة” هي المصطلح السائد بدلا من المصطلح العربي “محبة الحكمة” .
وعندما كان الموقف الفلسفي هو موقف يعتمد على رؤية كل فيلسوف على حده ..وكل فيلسوف هو ابن لبيئته وثقافته ونشأته فقد كان للتأثير اليوناني بالغ الأثر على الموقف الفلسفي للفلاسفة العرب أمثال ابن رشد والفارابى وغيرهم , ولكن كان لموقف ابن سينا وخاصة في الالهيات ما جعل البعض مثل الغزالي يهاجم الفلسفة على عمومها ويتهم الفلاسفة جميعا بالكفر والالحاد , وانتقل هذا الإنطباع عن الفلسفة من الخاصة لعموم الناس , فجعلوا يرون الفلسفة نوع من الجنون , والفيلسوف هو ذلك الشخص الذي لا يستطيع فعل أي شيء غير المكوث في صومعته المنعزلة عن العالم .
تلك النظرة المجحفة للفلسفة جعلت الكثيرين لا يستطيعون حتى الاقتراب من قراءة معاني الفلسفة والهدف منها وتصنيفاتها المختلفة..ألا سمعتم عن فلسفة الجمال , وفلسفة الأخلاق , وفلسفة القيم , وحتى الدين ..كانت فلسفة الدين فرعا من أهم فروع الفلسفة , وحتى العلوم للفلسفة فيها دور أساسي , فكانت فلسفة العلوم , وغير ذلك الكثير والكثير , إن فروع الفلسفة متشعبة تمتد جذورها لكل ما هو موجود بالكون من حولنا سواء كان في الطبيعة أو ما وراء الطبيعة , والمتأمل لكل فروع الفلسفة مجتمعة يجدها تتناغم فيما بينها للخروج بمنظومة متكاملة للكون جميعه , إن كل علماء العرب قديما كان كل منهم فيلسوفا قبل أن يكون عالما في أي مجال من المجالات العلمية , بل استطيع القول أن كل منا فيلسوفا بطريقته , فلكل منا نظرته وموقفه الخاص للكون والحياة من حولنا , وكل منا يفكر بطريقته الخاصة التى قد تتفق أو تختلف مع الآخر , لذلك فأهمية الفلسفة للحياة أهمية بالغة , فوجود الفلسفة في حياتنا هو ما يميزنا كبشر عن الكائنات الأخرى بالكون , ولتصحيح الفكر الخاطئ عن الفلسفة لدى الكثيرين من عموم العرب اقترح أن نرجع للأصل العربي للكلمة “الحكمة” و”الحكيم” , فلماذا لا نتمسك بهويتنا العربية اللغوية لتصحيح الانطباع الفكري لدى البعض ؛ فنطلق على أقسام الفلسفة بالكليات اسم “قسم دراسة الحكمة ” ومن يتخرج فيها يطلق عليه “دارس للحكمة” , ويطلق على الفيلسوف “حكيم” , ونولي الأهمية لدراسة الفلسفة ذاتها بعيدا عن دراسة تاريخ الفلسفة والتفلسف الفعلي , والتدريب العملي على طريقة التفكير الفلسفي بدلا من التلقين والحفظ وطريقة المحاضرة , فتصبح هذه الانطلاقة بداية الطريق لكل “حكيم” لإبراز ما وهبه الله من حكمة ينتفع بها وينفع الجميع من حوله..
ملحوظة: ان استخدامي للمصلحات اليونانية في هذا المقال إنما هو للتسهيل على القارئ فهم ما أردت..

*باحثة في فلسفة التربية – كلية الدراسات العليا للتربية – مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “حكمة بالغة”

  1. الفلسفة أم العلوم كما يقال ومنها انبثقت كل العلوم الأخرى
    موضوع ثري أستاذة صفاء .
    تحية تليق ودمت في رعاية الله وحفظه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق