ثقافة السرد

أوجاع السر

عمار بوزيدي

شخيره يستفزني ؛ أستمع إليه و هو غاطا في نوم عميق ، أفكر في جلب السكينة من المطبخ و غرسها في صدره ، هذا الملعون طالما احتضنني صدره حتى ظننتني ألا أفارقه أبدا ، هي ضربة واحدة و يسكت هذا الشخير المقيت إلى الأبد . كيف رماني القدر هذا المرمى ، و تركني أتمزق سفلا و علوا ، أهو قراري أن أرتبط به ، أم هي الظروف المجنونة التي يغيب فيها الخيار و يختفي صوت العقل و الحكمة ، هل تسرعت في قطف نصيبي فقطفته فجّا فلا أنا أهنأ به و لا أنا أرجع عنه . تبا له إنه يهنأ بالنوم و أنا لا ، و فوق هذا كله رعونته و عجرفته و تطاوله و بذاءته التي أصبحت لا تطاق … نام على الفراش الوثير من عرقي و أكل الأكل الطيب من عرقي و أسكنته السكن الرفيع من عرقي و أركبته المركب الهنيء من عرقي ، أنجبت له درتين هما كل حياتي و نور عمري و ضياء روحي ؛ لأكافأ بالحرمان و الرعب المستمر و الخوف الذي يقطّع أوصالي صباح مساء ؛ أهذا جزائي منك أيها الغادر الخسيس ، ألم أرفع رأسك ؟ ألم أشرفك مع أهلك و مع كل الناس ؟ .
ويلاه منك كبرت في حشاشتي سرطانا خبيثا ؛ لا أنا أستأصلك و لا أقدر على الإبقاء عليه داخلي ، آه آآآه ما أشد هذا الوجع بصدري ، يلومني الأهل و الناس فيه و ما يدرون بمصيبتي ، يرونني في السيارة الفاخرة ، يحسدونني على عملي ، يحسدونني على سكناي ، يحسدونني على مكانتي ، يحسدونني على شخصيتي ، يحسدونني على هندامي و زينتي ، يحسدونني على سعادتي ، و أين أنت يا سعادتي ليتني أراك أو أشمك و أضمك ، أبعد الناس عنك أنا ، يرونك في مظهري ، و مخبري جحيم ناره تلظى ؛ تحرقني في اليوم مرات و مرات ، أين العدل ؟ أهذا قدري يا ربي ؟ أن أشقى في الدنيا و الآخرة ؟ لأني سأقتله ، و حقك يا ربي سأقتله ، أم أنك سطرت في لوحك المحفوظ امتحاني ؟ أهذا امتحان ؟ و عزتك و جلالك لم أعد أطيقه ، لم أعد أطيقه .. يا أرحم الراحمين خذ بيدي .
في هذه اللحظة ارتخت يدها ، و انفلتت السكّينة ممزقة صمت السكينة ، و لم تشعر إلا و برد البلاط يراودها عبر قدميها و ركبتيها العاريتين ، و لفحة برد تخترق كوة المطبخ تهاجم صدرها . تسعل سعلة خفيفة ؛ تردها بيمناها و تتسلل عائدة إلى غرفة النوم ، كانت الأشباح تتراقص على جدران الغرفة إثر نيران المدفأة و كأنها النائحات يندبن حظها العاثر؛ تسمع عويلهن ، إن هن يدفعنها للجنون . ترى صورة والدها ضاحكا مبتسما و هو يضمها تحت جناح برنوسه دون إخوتها ، تذكر صوته الحنون و هي تحلق ذقنه قبل ذهابه للعمل … فجأة تغطي إحدى النائحات صورته الجميلة بمؤخرتها العريضة . فتمد يدها مرتعشة صارخة : أبي أبي … لتستسلم لدموعها المنهارة ؛ فقد سُرق منها والدها و هي أشد ما تكون بحاجة إليه.
في سنوات الضياع التي تخلى عنهم والدهم فيها عاشت أسوأ سني حياتها مشردة باحثة عن عمل تعيل به إخوتها و أمها المفجوعة بزوجها ، فقد ترك فراق الوالد فراغا رهيبا تضرب فيه رياح باردة و عواصف من زمهرير ، تفقدها الشعور بالحياة لتكره صنف الرجال و تعلن الحرب على غريمتها في أبيها ، و في كثير من المواجهات ؛ تستسلم لحالات من الهستيريا و العصاب و الفصام ، و بكثير من العلاج و الرقى و البعاد تهدأ لتلتفت إلى حياتها وشاء القدر أن تندمج في عمل قار يملأ فراغ وقتها و ينسيها بعض الشيء في معاناتها. لقد أصبحت وحشا كاسرا تقرأ الغدر في عيون الناس ، سرعان ما تنشر مخالبها و تكشر عن أنيابها لمن تسول له نفسه على مهاجمتها أو حتى إساءة اللفظ عنها أو عن والدتها أو حتى إخوتها ، صار والدها يتجنبها و يتحاشاها ، إنها تدافع عن والدتها و إخوتها كلبؤة شرسة عن جرائها ، ملأت القلوب رهبة ، و حضورها يوعز السكينة و الاحترام …
و تمر السنون تتسلل فيها العنوسة إلى جسدها البض ، تستفزها كل خلية منها ، خصوصا أن ريح الزواج طار بأخواتها إلى الحياة الوردية ، فتنكر و تتردد … و قد تحسد . إلى أن رأت مبسما ضاحكا و عينا شغوفة حرّكت بركتها الساكنة في ظلام الحياة و أيقظت أحاسيس الفطرة من بحر اللاشعور، فنسيت أو تناست و حدثت نفسها بالضنى ، تكبح به عنف الرفض و تخضّد به غلواء الكراهية … ارتمت في أحضانه و استسلمت للقدر ، و ذاقت آلام اللذات آخرها في ولادتها بقمر التي أضاءت لياليها الطويلة سعادة و فرحا .
تلمست وجهها المضيء فقد كان الضوء الخافت في الشارع ينعكس على وجهها المشرق و هي تذوب حنانا و دموعا ، و بدر صغيرها يتقلب على يسارها يشعرها بالأمان و يثلج صدرها المتأجج بالنيران ، غلبتها العاطفة و حملتهما و هما نائمين و احتضنتهما بقوة و بكت بحرقة و آهة و وجع . فقد أُجبرت على مفارقة ذاك الصدر منذ زمن .
ما بك يا أمي – قالها بدر و هو في رخوة النوم – هل مات أبي؟ . هنا فطنت و انتبهت لضجة تلاها سكون ، أنصتت فقد سكت الشخير في الغرفة المجاورة ، خرجت مسرعة لتجده ملقا على الأرض لا يحرك ساكنا .

*قاص جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق