ثقافة السرد

تحسرات

عمار بوزيدي

كنت في زيارة عائلية لبيت خالي رحمه الله في (بوتريفيس) و بعد العشاء خرجت باحثا عن سيارة للنقل الحضري حيث كان موقفه بعيدا يحتاج لنقل أيضا ، و بعد ركوبي مع أحدهم هش لحديثي و بش في وجهي ..صرخت على بعض الأولاد الذين كانوا يعترضون الطريق فقال : هؤلاء لم يعيشوا حلاوة الحياة التي عشناها و لم يعرفوا من حقيقتها شيئا ؛ إنهم جيل (البورتابل) و التلفاز و الانترنيت ، جيل سريع العطب .. يخاطبني باشمئزاز عن هذا العصر و هذا الجيل و يتنهد عن الزمن الجميل الذي يبدو لي أنه ألقى بكل عواطفه فيه و لم يبق له منه إلا هذا الشبح شاهدا على مروره من هنا … بين (الضاية و القرابة) التفت إلي و قال : انظر فلما رأيت في عينيه ابتلعتني ؛ وجدتني صبيا حافي القدمين ممزق السروال قد شمرت رجله اليمنى و لا يكاد قميصي يغطي سرتي أشعث أغبر أحمل في يدي عصا قد دببتها و أضع على رأسي سطل جدي الذي يسخن فيه الماء قد شددته بخيط شبه الخوذة و أجري مع فتيان الحي و الحرب قد اشتعل أوارها بين حيينا و حي عين الشيح ، كان أخي (علي )هو قائد جيشنا و كان يمثل لفتيان حينا أسطورة من البطولات و الشجاعة النادرة لقد كان يصرع ثلاثة أو أربعة من الخصوم دفعة واحدة و كان الكل يهابه و يخافون من سطوته إنه يكبرني بأربع سنين .. يحبني و يشفق علي خصوصا و قد مات إخوتي الذين ولدوا بعده حتى جئت أنا .. فيأخذني معه في رحلاته و بعض مغامراته و يدربني على القتال .. و في ذلك اليوم أصيب إصابة بالغة حين التحام الجيشين بعدما ارتمى وسط جموع العدو و صرع منهم خمسة حتى أصابه حجر طائش على ناظره و أغمي عليه فهرب الأطفال من الفريقين و بقيت أقف عند رأسه و الشمس يخفت ضوؤها على رأس التلة .. استفاق و قام متثاقلا و هو يقول : هربو الكلاب ؟ – و هو يحمل حربته الطويلة يتكئ عليها و علي – في المرة القادمة لن أترك واحدا منكم ..سأقضي عليكم . أخي لا يهاب حتى من هم أكبر منه سنا ..
هناك في (الضاية) حيث لم يبن هذا الحي المعروف الآن بل كان ضاية مزروعة قمحا حتى مرتفع المقام (مقام الرقاديات) كان كثيرا ما تتحول أرضه إلى ساحة معركة طاحنة بالهراوات و السيوف الوهمية و (التيربولات و المعقال) فلا تغرب الشمس إلا على جرحى من الفريقين .. فإذا جاء الصباح عدنا و لعبنا معهم مباريات في كرة القدم و كأنه لم تكن هناك معارك بالأمس .
و ذات مساء جئت أجري مع كلبي (سحاب )حاملا معي كرة قدم خطتها من القماش و القش حتى إذا انتهيت قرب كوخنا رميت الكرة ألعب بها و إذا بها جانبت أن تسقط إلا على( السيق )وسط جماعة من الشيوخ (السياقة) لينط عود منها فيعور عين جارنا سي قدور الرزة فينتفض ماسكا عينه و كان عود (السيق )حادا فسي قدور الرزة يبري السيق جيدا .. عندها ظننت أنني ميت لا محالة فهو رجل بغيض مخيف لا أكاد أرى رأسه من طوله كأن عمامته سحابة على رأس جبل أسود ، قد اشتعلت عينه غضبا و هو يمسك يسراه بسراه و أنا قد جمد الدم في عروقي و طار قلبي رعبا و تسمرت رجلاي كأنهما ساقا شجرة و أسمع من ورائي: يا ويله اليوم يقضي عليه الرزة فما كدت ألتفت للصوت حتى هويت على الأرض مرميا ليرتطم رأسي بحجر نابي فلم أفطن إلا و أمي تضع على جرحي شيئا من عقاقير الطبخ (عكري )… و ما فتئت أخرج للعب كأن الرزة لم يضربني ؛ و ما أكثر ما يضرب الكبار الصغار دون تحرج من أهاليهم ، كان للكبار سلطان ؛ ينهون و ينتهرون و يضربون و قد يضربون بغل كحالتي .. و تبقى في قلوبنا مهابتهم و البعض منهم كان أسطورة في نظرنا تحاك حوله حكايات عن شجاعته و عن غموضه
و مرت سنوات كبرنا من خلالها و عظمت مهابتنا بين الأحياء ساميزو و زحاف و قناني و عين الشيح .. أذكر أن أبي أخذنا في زيارة لبعض أهلنا في ساميزو و ما إن خرجت ألعب حتى رءاني بعض الصبية المشاكسين و قالوا هذا أخو (علي )فأقبلوا نحوي مسرعين فأخذوني أخذة الكلاب البرية تناوشوني بالضرب و سحبوني و هم يرددون أين أخاك (علي) ليدافع عنك ، أنظر ماذا فعل بي أخوك جرحني في وجهي و في بطني اليوم (انسلكها منك) – كانوا يكبرونني سنا و يهابون أخي في فضرباتهم جبانة و ما إن هوى بزجاجة ليجرحني حتى فجخته بحجر التقطته و من بين أرجلهم لذت بالفرار حتى غيبني باب خالي و قد أحكمت رتاجه أنظر من خصاصه إلى حردهم يتوعدون و لصاحبهم المجروح من أخ عدوه يواسون ؛ أسندت كتفي إلى الباب و قلبي يطير فزعا .. هناك ضحك صاحبي مسندا ظهره على مقعد السيارة و قد ركنها جانبا ؛ أتدري ما الذي يضحكني إنه يوم أن وقعت في بوقة الجبس قرب البرج أسفل التلة حيث يحرقون الحجارة و يصنعون الجبس – كانت قد هجرت – خرجت أبيض كالشبح و لن أنسى أخي و هو يضحك من مرءاي حتى دخلت على أمي فصرخت مفزوعة تستعيذ بالله ، لن أنسى ضحكات أخي و بكائي و لن أنسى ضحكاته على فراش الموت و بكائي حين ألم به السل بعد عشر سنين . كانت أزهى أيام عمري تحت جناحه ، بعدها استقال قلبي من الحب و ذوتني السنون فأنت ترى هيكلي و لا تراني … هناك تبسم و الدمع مِلأُ خديه : ما أحلى أيام اللعب( بالرورمة) كان يركبني عليها و يدفعني فأشعر أنني أقود الدياسبلاس و كثيرا ما وقعت بها و تهشمت .. هل لعبت بها سابقا ؟ ضحكت و قلت : كثيرا . قال و الألم يعتصره : لو خيروني لاقتسمت عمري مع أخي حتى إذا جاء الأجل رحلنا معا..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق