الموقع

فصــل13

كان مساء يوم  خميس، اجتمع في منزلنا في الرياض عائلات أربع، أزواج وزوجات وأطفال، لأن الشقة  التي كنا نقيم بها في أول شارع الطهيرة واسعة، بل لا يوجد أحد من معارفنا يسكن شقة بمثل مساحتها، فجأة قال أبو جربوع

– صه! صه! سكوت! أذّنَ لصلاة المغرب، توقف الهرج لدقيقة، قال زكي اخفضوا أصواتكم الله يخليكم، خلينا مستورين، ربما لم يبتلى أحد منكم بوقوفهم على باب منزله، أخرجوني من البيت رغماً عن أنفي ولم أكن طاهراً ولا متوضئاً، اخفضوا أصواتكم حتى لا تهاجمنا قوى المطاوعة، بعدها انقطع الكلام فجأة وكأن طيراً على رؤوس الجمع لثلاث دقائق، تشاغلت بالذهاب للمطبخ، وصار زكي يتكلم بصوت الخائف، وبعد خمس دقائق أخرى رجعت من المطبخ فعاد النشاط الكلامي والمزاح والعتاب والحوارات والتباهي إلى ما كان عليه قبل الأذان، لكن بهدوء وتحفظ ثم علا صوت أم طارق الخليلية المتحررة، هل تصدقون؟ خليلية ومتحررة؟ في اوائل الستينيات؟

قالت بلهجة خليلية: (لا إكراه في الدين، شو هادا؟ ألم يرد نص صريح في كتاب الله يحرم الضغط والإكراه في الدين أو على تطبيقه؟ (ثم إحنا في بيت هوني، وما بنضر أحد) ولا نعيث فساداً في الأرض كغيرنا، ضجت الغرفة على تعليق أم طارق، فانتهرها زوجها أبو طارق الدويك، وأمرها بالسكوت قائلاً: (سكري تمّك، واحنا ناقصناااااا؟) لم يراع وجود رجال ثلاثة أخرين ونساء، تتقلب ملامح أم طارق، يحمرّ وجهها ويصفرّ، عيناها تتجمدان لثوان ثم تجيل النظر في الحاضرين لثوان أخرى، تتسع فتحتا عينيها، وتثبتهما على زوجها قائلة له في محاولة لإظهار شيء من الهدوء

 

– لكنني أعبر عن رأيي وحسب اطلاعي وقراءات في الدين والتدين، وانت مالك يا اخي؟ (حد شادد على دنبتك؟ إن كان عندك غير هيكد هات سمعنا؟ يالله تفلسف! مالك سكتت؟)

– قلت لك اختصري واعتذري عما صدر عنك، وقبل أن أسفّهك، وبلاش فضيحة بحضور الناس!

يبتسم زكي وكأنما راق له الموقف، أو هو يسخر من الزوجين اللدودين  كما اعتدنا على أسلوبهما، ووجدها فرصة للتدخل ربما

– إننا هنا للتسلية، ولتناسي مشاكل العيش السجن الاختياري في السعودية،ودعونا من الخلافات، أوقفا نقاشكما حتى تعودا لمنزلكما، المهم أن لانقع بين ايديهم، خلونا بحالنا وهم أحرار في بلدهم وشعبهم.

وتدخل بعدها أبو جربوع قائلاً

– احنا لما نلتقي يا ناكل ويا نتسلى أونلعب شدة او طاولة زهر، وغير (هيك مش عايزين الله  يخليكم، واللي) عنده نشاط خلافي يؤجله لبيته، وليس هنا، وإن حصل مشاهدة فيلم فمرحبا أو نسمع أغاني أم كلثوم. تعود ام طارق للحديث بهدوء

– أنا ما غلطت يا ناس يا جماعة، استندت لقوله تعالى “لا إكراه في الدين” ينظر لها زوجها على شكل نصيحة

– يبدو أنك لا تريدين أن تختصري، او هل تريدين ان تفضحينا (قدام) الناس، نحن الخلايلة متهمين خلقة  بالتدين والعناد.

– يا أبا طارق أبديت رأيي، ولم أجرح شعور أحد، ولم يسمعنا المطاوعة، وهل أجرؤ على قول هذا أمام أي سعودي؟

يتدخل أبو جميلة ويهدر قائلاً

– هيهيهيهي، ما هذا؟ من فضلكم أجلوا صراع الديكة في منازل الغير، انجزوا التصفية في بيتكم، هل تتوقفان أو نفضّ السامر، وكل في طريقه؟

يقول زكي

– مرحباً بكم جميعاً في منزلنا، هل تلاعبني طاولة الزهر يا أبا طارق؟

يرفع أبو إياد صوته ويده قائلاً

– عندما تتعلم لعبة الطاولة جيداً بعدها أطلب مبارزة الغير، أو انك تريد أن تحصل على المزيد من المهارة والتعلم، قبل ما تلاعبني؟

– أعصابك! أعصابك! يعني إذا خدمك الحظ والزهر مرتين أو ثلاثاً، هل صدقت أنك لاعب محترف لا يقهر؟ قالت أم إياد

– حسناً هيا تبارزا، وسنحكم بعد المباراة بشرط أن نأكل حلوى الليلة على حساب المغلوب، لكن شقيق زكي مدير أحد البنوك في الرياض اعترض قائلا

– لا نريد حلوى، الرهان على غداء الغد، وليكن كبسة سعودية او منسف أردني أو قدرة خليلية.

وجدت ان الوقت مناسب لي للتدخل فقلت

– ولماذا لا نتعاون لنحولها إلى أكلة “مندي” غداً، أو يوم الجمعة القادم. أيدت أم إياد اقتراحي، وضحكت أم طارق الخليلية علامة رضا، لكنها بقيت صامتة لا تقول كلمة، حركت أصابع يدها أمام عيني، تظهر تأييدها، بل فهمت أنها تريد المتابعة والتشدد في الطلب، قالت أم إياد

– اقتراح فهيمة معقول يا جماعة ومقبول، لكن الحلوى (خير البر عاجله)، حلوى الليلة بعدها نتحاور على غداء بعد أسبوع. انشغل الرجال الأربعة بلعب ورق الشدة، والنساء انتقلن لتجهيز الشاي وأقراص الخبز بالزيت والزعتر. وتمر ساعة ونصف دون أن يشعر الجميع بمرورها، ويؤذن لصلاة العشاء، فتحضر فهيمة هذه المرة، قائلة

– اخفضوا اصواتكم ثانية  حتى لا تضيع عليكم السهرة، أو تقضوا سهرتكم في ضيافة رئاسة  هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لم يجبها أي من الحاضرين، بل خنصوا كأن على رؤوسهم الطير، حتى تمر ربع ساعة أونصف، بدأت أبواب الدكاكين في أقفال متاجرها للمرة الأخيرة لذاك  اليوم، بعد أن أقفلوها لصلاة الظهر،  ثم  لصلاة العصر ثم لصلاة المغرب، يعودون لفتحها بعد نصف ساعة في كل مرة، وبعضهم يقفلون أبواب دكاكينهم ويختبئون داخلها دون الذهاب للمسجد للصلاة، وآخرون يخرجون ويراقبون المطاوعة، يبتعدون عن أماكن  تواجدهم  أو يختبون خلف الجدران  والأعمدة او في الشوارع الفرعية حتى تمر نصف الساعة التي تلزم للصلاة.

تمر فقرة في التلفاز فيها حكمة، فينهض زكي لتخفيض صوت التلفاز، تعترض ابنتاه فيهدئهما، ويبدأ بمحاضرة نصائح على أبنائه وبناته، بحضور ضيوف تلك الليلة يقول زكي لأبنائنا وبناتنا، ولأصدقائه الكثر:

الحياة طريق لا تدري طوله، لكنه يضيق كلما تقدمت، وليس هذا فحسب بل يرتفع على جانبي طريقك جداران، يعلوان كلما تقدمت وتستمر الطريق في الضيق، تضيق وتضيق كلما تقدمت، وتزداد الجدران علواً على جانبيك، وتضيق الطريق أحياناً حتى يصعب التقدم الطبيعي عليك، وتصبح المسافة بين الجدارين غير كافية لاحتوائك، مهما كنت نحيفاً ومهما حاولت الضمور والتحايل، أومهما زادت قوتك، ستجد أن عليك أن تتخذ قرارات صعبة، فإما النكوص السريع والعودة في نفس الطريق إلى الصفر، أو محاولة تسلق الجدار الأيسر أو الجدار الأيمن، ولا شك أنك ستجد نفسك تحت رحمة من هم في اليسار أو في اليمين والويل لك في الحالتين، وإن حاولت التحايل والتقدم الزائد في طريقك ضاقت بك الأنفاس ومت اختناقاً، وإن تسلقت الجدارين ووقفت عليهما تحاول القفز للأمام فالويل ينتظرك والثبور، لحظتها لا بد من قرار حاسم ولو بتمرد على المألوف والمعتقد، وليس هناك من هو معنيّ بمساعدتك. وهنا تقع المخاطرة والمحظورات، وأنت وحظك.

يضحك ابناؤنا وبناتنا ويرتاحون حين يروا والدهم منشرحاً، فيقوم ويبحث عن شريط أغنية ويشغل المسجل فتبدأ أم كلثوم بغناء (أروح لمين، واقول يا مين ينصفني منك)، يغار الكنارحبيس القفص والذي يعيش معنا في بيتنا فيبدأ هو الأخر بغنائه العذب، فينشغل الأطفال بالطير، وزكي ملتصق بالمسجلة ويغني مع أم  كلثوم، (ما هو انت جرحي وانت فرحي، وكله منك، اروح لمين واقوووول يا مين ينصفني منك)

في أحدى الليالي انقطعت الكهرباء في مدينة الرياض، فقلت لزكي اقترب مني إني خائفة؟

– ممّ تخافين؟ وممّ تحذرين وأولادك الثمانية موجودون حولك؟

– ليس لدي كلام ولا لغة لإجابتك، هذه أنا، هذه فهيمة، وأتوقع منك أن لا تطرح عليّ مثل تلك التساؤلات بعد عقد ونصف من زواجنا، ومن يعلم فقد يكون التاسع في الطريق أصارحك يا زكي إني اخاف من كل شيء، أخاف من الزمن، أخاف منك، أخاف من أولادنا، أخاف من السعودية.

رافقت زوجي زكي في سفرات لأوربا، ولمواقع في ولايات أمريكا المتباعدة من شرقها لغربها، ومن شمالها لجنوبها، صحبني معه وحاول إقناعي بطرق مختلفة لإخراجي من جلدي أو لإكراهي لتعلم الرقص، أو حتى لتناول أنواع الأكل الأمريكي مثل الكراب واللوبستر والسمك، لكنني ثابتة كالصخر لا يلين، يتفتت، يصغر حجمه، يختلف شكله لونه ومقاساته، لكنه يبقى صخراً لا يستجيب للبرودة الشديدة بسرعة، ولا لشدة الحرارة بسرعة، وإن سخن سطحه فقلبه يبقى بارداًً، يريد زكي اللهو والتمتع والقفز والعبث وفعل المستحيلات في البيت والليل والخلوات، ولا أدري ماذا يفعل حين يسافر ويبتعد عنا لدواعي العمل، وأحاول التهرب من التفكير فيما قد يفعل، لأنني أجده يرتاح معي وبقربي حتى وأنا على حالي وكما أنا، يقضي أياماً وأسابيع في الفنادق الأجنبية بعيداً عن مقر عمله، نظراً لطبيعة عمله حيث عمل مديراً لعدة شركات، فهيمة تؤدي الواجب بأقل الحدود بشرطي الحلال والمجاملة، لا أكرهه ولا أطيق رجلاً سواه، ولا أفكر حتى بأي رجل بعد هذه الصحبة الطويلة، ولا أتمنى أن أعاشر أي رجل في الدنيا سواه.

أعرف ما يقوله عني، وسمعت الكثير منه، “برود، جمود، تخلف، جسد هامد، روح ميتة، أعصاب بلا أعصاب، رغبات معدومة، حياة بلا حياة. . . . .”

شاهدني أقرأ كتاباً دينياً قديماً مما يطبعه بعض السعوديين كصدقة جارية، فقال لي زكي

هذا الكتاب ليس جيداً، صحيح أن عنوانه ديني أو أخروي، لكن محتوياته كلمات وجمل مكررة ملها الناس، نحفظها ونعرفها منذ نعومة أظفارنا، مارأيك بهذا الكتاب الذي يبحث في الصحة  والسعادة، أو ذاك الكتاب الذي يتناول الصحارى وأسرارها ومحتوياتها ومنتجاتها، أو الكتاب الذي في الزاوية اليمنى ويبحث كيف تكتسبين المال والثروة، ومن ثم كيف تحافظين على المكاسب، وإذا لم ترغبي أياً منها، أو لو مللت من أحداها، فهذا كتاب قصص قصيرة وبجانبه رواية جميلة بالعربية، وأخرى بالانجليزية، تدور أحداث كليهما حول الحب والوفاء وصراع من أجل الحياة، وفيهما التناقض بين المتطلبات البشرية، وعلاقة أي إنسان بالآخر.

يظن الناس أننا متفاهمان وعاشقان، لكنني ذا طبيعةعجيبة، أترك كلماته تعبر عن نمط تعاملنا الودي حين نكون وحدنا، قال إنه يتمنى أن أنتفض وأستمتع معه ولو مرة واحدة، جسدي هذا ملك له، مخلصة بشدة لصحبته ولبيته ولعلاقته، يفعل بهذا الجسد ما يشاء وكما يشاء ودون اعتراض، أما غير ذلك فليس لي سلطة عى مشاعري.

يتلمس زكي شعري البني الفاتح المنسدل على كتفي وظهري وصدري، وعادة لا أرتدي أي ملابس بعد الاستحمام، ألف جسمي بمنشفة كبيرة تبدأ من تحت الإبطين وتصل لأعلى الفخذين، يطوقني زكي بعد خروجي من حمام دافئ ويقول ونحن نتقدم ببطء صوب السرير في غرفة نومنا

– يرفرف قلبي حباً لك وشوقا.  وقبل أن أتفوه بكلمة أو حتى قبل مجرد التفكير بالرد على مناغاته، تكون أنفاسما تتردد بقوة، ولهاث صدرينا تمتزج عبر فاهين اتحدا واختفيا.


الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق