الموقع

الفصل 14

هل سبق لك وحاولت؟ هل سبق لك وفشلت

، لا يهم، حاول ثانية، إفشل مرة أخرى،

إفشل بشكل أفضل      صاموئيل بيكيت

أحسّ زكي أن حياتنا مستحيلة في المستوى المادي الذي وجد نفسه فيه بعد شهرين من زواجنا، فاتخذ خطوته الجريئة بالسفر للمملكة السعودية، لم يكن الفارق في الدخل كبيراً، لكنه أراد صيد أكثر من عصفور في حجر واحد، لا يفكر بإغضاب والديه، ضحيا كثيراً من أجله حتى يكمل دراسته الثانوية، ولأنه لم ينجح في إقناعي بالإقامة مجاناً مع أهله في بلدتهم حيث يعمل  مدرساً، فوجد أنه لا يستطيع أن ينفق على والديه لواستمر في وظيفته في الأردن، وهذه أولى أساسيات الحياة والفكرعنده، فلقد شقيا كثيراً، وانتظرا أكثر، ولا مورد لعائلة والده الكبيرة إلا من دخل ابنه زكي المدرس، كان سعيداً في وظيفته وعمله في قريته وقرب والديه العزيزين على قلبه وروحه، مطمئن لأنه يسمع دعاءهما له كل يوم وربما مرات عدة يومياً فاتخذ قراراً تاريخياً حاسماً، سيؤثر على مستقبل حياته وسيغير كل  خططه التي رسمها هو ووالداه في طفولته وبعد تخرجه، فقرر أن  يعاقب نفسه حتى ينعكس أثر ذاك العقاب على زوجته بطريقة غير مباشرة، لأنها رفضت العيش معه حيث يعمل وحيث يقيم مع أهله، وعادة الفلاحين أيامها كانت أن يخصص للإبن عندما يتزوج غرفة خاصة ضمن البيت أو حوله أو على سطحه كي يأخذ حريته مع زوجته، وفي الوقت نفسه يبقى قريباً من والديه يقوم بمساعدتهما حسب إمكاناته، فقرر السفر بعيداً عنها وعنهم،  دون أن يبين ذلك لها، على أمل أن تصحو وتحسّ بالندم لابتعاده عنها حين تحسّ بالوحشة ودون رجل، وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن تلومه، فهو لم يتركها ليتلتصق بسكن والديه.

 

لعل زكي أرادها فترة اختبار لي، على أمل أن أتراجع، كما انه لم يشأ الاصطدام بإخواني الذين يؤيدون ما أٌقول دون نقاش، ثم لو طال مكوثه في الأردن لظهر عجزه المادي أمامهم، وسبق أن أقنعهم وتعهد لهم أنه سيوفر لابنتهم حياة مقبولة ومتناسبة دون مشاكل، وبقاؤه في هذا الجو الضاغط والقاتم من كل اتجاه جعله عاجزاً عن احتمال الظلم الذي سيحيق به وبوالديه وربما بي، وأدرك أن الصدام والقطيعة  حاصلة لا محالة آجلاً أم عاجلاً، لذا فعليه بإحداث هم جديد، وانقلاب على الأوضاع التي خطط الكل لها، وتجنباً حدوث إشكالا ت خطيرة داخل العشيرة، وخاصة وأن علاقة الترابط ثانية لم يمض عليها وقت طويل، وسيقول الذين كانوا يعارضون زواجي منه، متوقعين عجز زكي عن توفير العيش المعقول لي، وسيتبجحون بإنهم كانوا هم الأصح والأعقل.

فباغترابه يبتعد عن كل هذه التعقيدات وبهذا ضرب زكي عصافير عدة في حجر واحد، أولها يحصل على دخل أفضل قليلاً من دخله من وظيفة معلم في الأردن، ثم ابتعاده عذر لانفصاله عن والديه، وثالثاً صدمة لزوجته، وأخيراً أملاً في تغيير مستوى غروري وثقتي الزائدة بنفسي وبأهلي وبأردنيتي، كل هذا الكلام حكاه لي بعد سنوات،وكرره، سافر وحده وتركني في حيرة وفي قلق، أما راتبه الذي يزيد قليلاً عن  خمسمائة ريال سعودي فيحوله كله مقسوماً على ثلاثة، ثلث لي وثلث لإخوانه وأخوته الذين يقيمون ويدرسون في مدينة رام الله، والثلث الأخير لوالديه، ولحسن حظه واجتهاده، تمكن العمل مدرساً مسائياً في مدرسة السيح الأولى بالخرج براتب مائة ريال شهرياً، خصصها للإنفاق على نفسه بالتقتير والصبر، عرفت أنه أصيب بأمراض معوية كثيرة خلال ذلك العام، وتواترت مراجعاته لطبيب العيادة الصحية في مدينة “الخرج” الصغيرة، وكان بها طبيب لبناني كبير في السن قريب من الخرف، أو  هو خرف فعلاً،  فهمت تلك التفاصيل من رسائله المتواصلة بالبريد، وكانت الرسالة تحتاج ثلاثة أسابيع للوصول من السعودية إلى عمان، ومن خلال مراسلاته المتعاقبة كنت أعرف أن بعض الرسائل ضاعت أو أهملت.

بعد أن انتقلت للعيش معه في السعودية بدءاً من العام التالي، ظل زكي مصمماً على رأيه: أن الحياة لعبة مفتوحة بالنسبة له، وعليه أن يكون مفتوح العينين والحواس والعقل، لانتهاز الفرص التي تلوح في الأفق، فإلى جانب الواجبات التي عليه قضاؤها، كان يصر على أنه لا بد أن يحيا حياة مختلفة، حياة أعلى وأجمل مما مر به، والمال هو عصب الحياة، أدرك أن سنوات عمله في السعودية مهما طالت فهي مؤقتة، قال لي أكثر من مرة أن الحياة نهر جار، فالماء التي تمر أمامك لا تعود، وإن أردت الاستفادة من الماء إن كانت صافية فلا بد أن نخوض مع تيارها أو ضدها أو فيها، والبارع يتعلم السباحة في كل الأجواء والأنواء.

نتيجة العيش معه في الاغتراب سمت أحلامي واكتسبت عوالمي بعداً في الاتجاهات وعمقا في الفكر، لكن بشكل مختلف عن تنميطه، لم يقتل مشاعري الإستقلالية، فبدلاً من أن يؤثر فيّ ليجعلني أما وزوجة وعاشقة متيمة به، ضقت ذرعاً بالاغتراب يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة، وبعد ست سنوات من الصبر ومحاولة التكيف بدأت بذور الملل تتسلل إلى نفسي، والشوق إلى الماضي ولأن أكون قريبةً من أهلي وشقيقي شريف، علماً بأنه تزوج بعدي بخمس سنوات، وكانت سنه في أواخر الثلاثينيات، تاقت نفسي وتحرقت شوقاً لحارتي حي المهاجرين الشعبية، ظل زكي هو السؤال والتحدي في الوقت نفسه، السؤال الذي يبرز للعين والعقل، وأيضاً هو الجواب، بشكل جزئي أو كلي أو في التواءات وسحر، لكنك لا تفهم أوله من آخره، تتبدل صورته في ذهني كل يوم، والحاجة له تقهر معظم الاحتمالات، فأعود لمحاولاتي الدؤوبة لاحتواء ذلك الإنسان، أحسّ أنني نجحت أحياناً فأطيب نفساً ليوم أو بعض يوم، لكن ذلك ال (زكي) رجلا يزداد تمرداً على المألوف، ويتجذر طبعه في اللطف والثقافة استعداداً لكل طارئ، نظرياته وتنبؤاته عن الحياة وأسرارها تصدق في كثير من الأحيان، يكره التبذير، لكنه حين تلوح ساعة الصفاء ينسى نفسه والجهد الذي بذله في الاقتصاد والتوفير، باختصار يصبح طفلاً شقياً وكريماً إلى حد التبذير، ومع هذا يظل عسراً على القوالب، يعيش ساعته ولحظته التي تأتيه مهما كلفته، زرنا بيروت ودمشق وبغداد والكويت وحتى بلاد اليونان أكثر من مرة، وكانت خطوته التالية أن نزور القاهرة، لكنه زارها وحيداً على أمل أن نفعلها معاً في أي عام لاحق.

لماذا كان أخي شريف يعاني حساسية خاصة لتقاربي مع زوجي الفلسطيني؟ مع انه أبناء عمومته بل ومن نفس الفخذ في نفس العشيرة؟ هل لأنه كان عسكرياً؟ هل لأنه كان يسمع من المسئولين من ذوي الرتب الأعلى تحذيرات من الإنسان الفلسطيني؟ وإن كان هذا صحيحاً فلماذا توحدت الأردن مع بقية فلسطين وأصبح ما تبقى من فلسطين يسمى (الضفة الغربية)؟ أو هل لأن أخي سافر إلى بريطانيا التي هي سبب كل المشاكل في فلسطين؟

كان أخي الأكبر من شريف مؤهلاً علمياً، يعيش على الأسفار، وحين يعود من أي رحلة يسافر بها إلى الخارج لا يتوقف عن إسماعنا قصص الجميلات والمآكل اللذيذة والصحية كما يقول، والملابس المغرية والشوارع النظيفة في أوربا، مع أن الطائرات كانت صغيرة وبالمراوح في الخمسينيات، إلا أنه كان يسافر إلى لندن وباريس وروما، أثناء الفترة التي كان الأحمر المدلل يحضر لزيارة منزلنا، بعض النساء الفلسطينيات كن لا يتورعن عن طرق أبواب بيوتنا طلباً للاستجداء، حتى لو لم  تكن أسرهن بحاجة ماسة، إلا أنني كنت أتمنى لو أتعلم أساليبهن في النعومة والغنج المعبر والذي يليّن  أعتى الرجال، لكننا نحن الأردنيات علمنا معظم النساء الفلسطينيات اللهجة الأردنية وطبخ المنسف، لكنهن دسسن في عقولنا ومجتمعنا ونفوسنا الكثير مما حملنه معهن من بيئاتهن المختلفة من ريف جبلي إلى ريف سهلي، ومن مدن كان أهلها متحررين متشبهين بالأوربيين، لكن رجالهم لا يعرفون إلا العمل والإنتاج معياراً للرجولة والنجاح، كان أهلي يعيشون على اللحم واللبن والسمن والزبد كل يوم، وفجأة وجدنا أنفسنا نأكل  جميع أنواع الخضار، وجميع أنواع الفواكه والتبولة  والمحاشي والمتبل والحمص والفول والفلافل والمقلوبة والملوخية ومحاشي الكوسا والباذنجان، وكلها أكلات فلسطينية، ثم ماذا؟؟…  وهو الأهم تأتي موديلات ملابسهن التي تشبه موديلات الأشوام والغربيين، وقبولهن العمل بين الرجال، وسرعان ما تعلم الأردنيون لبس البنطلونات في الشارع مثل الفلسطينيين، حتى إن الشماغ الأردني بدأ ينسحب من السوق ومن على رؤوس الرجال قليلاً قليلا، عمرت الدوائر الحكومية وشغل الفلسطينيون معظم الوظائف، لأنهم كانوا متعلمين، فدبت الغيرة تدب في نفوس الأردنيين، وفطنوا للمدارس والعلم والجامعات حتى يخدموا بلدهم، وينافسوا الفلسطينين الذين حكموهم بطرق غير مباشرة، في الدوائر الحكومية والتعليم والاقتصاد والزراعة والصحة كالأطباء والممرضين والممرضات، وكان من العيب على الأردنية أن تعمل بالتمريض، بل كان ذلك عيباً كبيراً عليها وعلى عائلتها، لكن مجيء الفلسطينيين ومشاركتهم الوطن لنا غيرت الكثير الكثير من المفاهيم، ثم إن الفلاحات الفلسطينيات بدأن بالعمل في الزراعة في الأغوار شرقي النهر وغربيه، وقرب مصادر المياه من  نهر الأردن، وسرعان ما تبدلت الملابس الأردنية التقليدية، وبدأت تختفي العصبة والمدركة والبسط الصوفية والسجاد البلدي والخيام، ويحلها محلها بدائل تعكس تغير المجتمع كله مع اندماج الفلسطينيين في الأردنيين، باع بعض من أهلي بيوتهم القديمة، وتركوا مواقعهم ليقطن لاجئون فلسطينيون محلهم، وكثير من الأردنيين اضطروا لاستئجار شقق ومنازل مما عمره الفلسطينيون وامتلكوه،  أما منازل أهلي التي ولدو فيها فشيد الفلسطينيون مكانها عمارات يقطنونها أ, يؤجرونها كاستثمار يدر دخلاً مستمراً عليهم.

كنت غرّة حين قرر السفر للعمل في السعودية، ولأنه حسن السيرة ومحبوباً ونشيطاً في وظيفة التدريس، فقد تسلم رسالة من إدارة التعليم بمنطقة القدس قبل سفرنا بأسبوعين تبلغه فيها بترقيته وبنقله من مدير مدرسة ابتدائية صغيرة ليدير مدرسة إبتدائية كبرى في قرية شعفاط الملتصقة بمدينة القدس من الناحية الشمالية، لم نجلس مرة واحدة لنبحث العواقب التي ستنجم بعد سفره، لزمت الصمت أو أردت ذلك، لأسباب كثيرة في نفسي،

بعد سفر زكي إلى السعودية، أراد أخي شريف أن يساعدني على تقبل العيش الجديد، فخاطبني قائلاً:

– هيا عودي لاستلام رواتبي يا فهيمة، ولا تخبريني كم صار مجموع ما وفرت إلا عندما يكتمل الألف دينار، بعدها سأشتري سيارتين إضافيتين، الأولى صغيرة تعمل في عمان، والثانية للمواصلات بين عمان والسلط، وسيارتي الفوكس فاجن ما زالت عروستي وصديقتي، وسأصحبك أحيانا وحسب ظروفي، وخاصة عندما نذهب لزيارة أي من شقيقاتنا المتزوجات، والمقيمات في مواقع مختلفة في مناطق دولتنا الأردن. فتجيبه بحماس.

–      وهل تتوقع أن أقول لك كم وفرت حتى لو ألححت عليّ ذلك، إنس هذا الأمر! وليس لك نقود عندي.

قلقت كثيراً حين شاهدت زكي مرة يشارك أخي الكبير وشلته حلقة صوفية، بعد شهر من زواجنا،  انتشرت موجة الصوفية وحلقات الذكر وقراءات كشف السرقات في عمان في تلك المرحلة، في أواخر الخمسينيات واوائل الستينيات من القرن العشرين، وخاصة في الأحياء الشعبية مثل حي  المهاجرين، وكان أخي يستعين بشيخ مغربي يسمونه درويش، سمعت عنه أنه يقوم بمعجزات لكشف السرقة واكتشاف الكنوز القديمة المطمورة تحت العمائر القديمة أو في الكهوف، ويقولون إنه يجعل إبريق الماء يتحرك وحده دون مساعدة من أحد، بأدعية وقراءات وأوامر من عينيه، وشهد أناس على أنه نجح في ذلك، لكن زكي أخبرني أنه كاد يختنق من البخور والزيوت العطرة التي يستعملها المشايخ والدراويش في حلقة الذكر التي حضرها للمرة  الأولى، وسرني أنه لم يعد لذلك ثانية، صحيح أن جده كان شيخاً صوفياً هو الآخر وأمير جماعة، ويعطي عهوداً على الطريقة الرفاعية، وشاهد والده مرة في طفولته يدير حلقة ذكر، لكنه رآه سعيداً حين سمع الشيخه صفيه التي كانت تشاركهم الحلقة، تردد المواويل الدينية والتسابيح، قال لي إنهم ضربوا الدفوف يومها، كان زكي طفلاً صغيراً لم يدخل المدرسة بعد، توقع شقيقي الأكبر أن زكي سيكون سعيداً بمشاركته حلقة الذكر تلك الليلة، (الله حي الله حي) سمعنا الأصوات وعلت النبرة، وسمع كل الجيران صوت الرجال العشرة وهم يذكرون الله، رافق أحدهم طبل صغير غير قوي النغمة، وربما يسمونه المزهر ضرب عليه العجوز بأصابع فنية وهادئة، هيجت الرجال، بقيت واقفة أنتظر خروج زوجي زكي، وأجبرت اثنتين أخريين من الجارات الفلسطينيات بالبقاء معي، أراقب حركات زكي ونظراته، يحني ظهره أحياناً كي يقترب من فتحة الباب، وكأنه يتساقى نسمة هواء باردة في ليلة قمراء حارة.

كان شقيقي يعلم جيداً أنه هو المخلوق الأول في حياتي، ويأتي بعد الله، حين يعود شقيقي شريف من عمله بعد عصر كل يوم، ينزع ملابسه العسكرية، فأتقدم لمساعدته في فك أزرار سترته، ثم أتجه للمشجب لتعليقها بشكل متقن بينما أشير له إلى البيجامة النظيفة التي هيأتها له، أخي شريف هو كل ما يهمني في هذا الحياة، ولا أستطيع نسيان كلمات والدتي رحمها الله وهي توصيني وتوصي أخواتي الأخريات بالاهتمام بأخينا الأصغر شريف حتى يسهل الله أمر زواجه، كان يحب الألوان البيضاء أو الفاتحة جداً، لأنها تكشف النظافة والاهتمام الذي يلقاه في بيته من شقيقته، مدحني كثيراً وكان يفاجئني قائلاً

–      هل تعلمين ماذا قالت لي شيرين الشركسية؟ عند أي مغسلة وأي محل كوي ترسل ملابسك يا شـريف؟

–      وماذا كان جوابك لها ؟

–      تعلمين طريقتي يا فهيمة! لا أمكن أحداً أن يعرف أسرار بيتي وحياتي، ولا أريد أن يحسدني أو يحسدك أحد، لعدم ثقتي بالناس جميعاً.

–      لكن مايا ونيازا وشيرين الشركسيات يتابعن حركاتك وسكناتك، وكثيراً ما كلمنني عنك، وحاولن معرفة سعيدة الحظ التي تحبها، أو تلتقي بها.

حين كنت أرافق زوجة أخي الأكبر إلى السينماً، لا أنسى أن ألقي نظرة على تكويرتي صدري واندفاعهما للأمام وللأعلى يوماً بعد يوم، لكن انحناء رقبتي وانكماش أكتافي للداخل وللأسفل ساهمت في إخفاء هذا البروز، بسبب الحياء وعدم الثقة اللتين تغلبان على طبيعتي، لم  أستطع تغيير نفسي ولا حتى بضغط من زكي برغم طول السنين.

غرفتان متجاورتان وأمامهما ساحة مبلطة نظيفة، أحرص على أن أبقيها لامعة، وتغطيها شجرة عنب كبيرة تحمل من الثمار المتلألئة كل سنة، وكأنها جواهر متلاصقة، أو أعين مختلفة الأشكال والأحجام تتأمل بهاء أخي ونظافته، وتنظر لي وأنا أرتدي ثيابي المزركشة وبالألوان الربيعية الفاتحة، أختارها برسومات تحمل الزهور أو أوراق الأشجار أو الطيور أو النجوم، قال لي كثيرون إن وجهي كان (فوتوجينيك) وخاصة رأسي الذي يزهو بشعر جميل نادراً ما يتوفر لفتاة عربية، لم أكن قصيرة جداً، لكنني لا أنسى كلمات زكي (ارفعي ظهرك يا فهيمه ، انظري للأعلى وللأمام ، ولا تبقي نظراتك أسفل قدميك فقط)  لم أنفذ من وصاياه إلا حب هواية المشي، هناك الكثير من الخيبات ومشاعر الفشل في حياتي، إلا أنني لا أستسلم ولا أعترف، وأصر على عنادي الذي لا يفارقني ولن يفارقني ما دمت أتنفس.

فاجأني أخي شريف مرة حين طلب مني أن نتناول طعام العشاء على سطح بيت أحد إخواني الممتد أمام سكننا ، قفزت كالحورية التي تأتمر لأمير عربي، أنظر للأسفل فأرى سيل عمان وما يحيط به من خيام الفلسطينيين المرقعة، وغرف الصفيح، التي يغلب السواد والألوان القاتمة عليها، يملؤها البؤس وتحيط بها الأقذار من كل ناحية، يقيم بها المهجرون الفلسطينيون، خارجين داخلين، كأسراب من النمل الذي تهدمت خليته وقتلت ملكته، يلف ويدور حول مدخل الخلية المخرب المقفل، لا تدري ماذا تفعل، ولا تدرك الملكة كيف سيتم لملمة أفراد الخلية ثانية، مبعثرون على مجرى حافتي السيل، ابتداء من موقع النبع حتى جسر المهاجرين، يرصدهم و يراقب تحركاتهم مركز أمن متوسط الحجم بجانب جسر المهاجرين، فكلهم أوطأ من مبنى المخفر وتحت مدى النظر لرجال الشرطة فيه،أسمع القصص الكثيرة عنهم من أخي، ومن بنات الجيران والجارات، وأرى بعيني طرق النساء والأولاد والبنات كل باب بحثاً عن عمل أو تسولاً أو أملاً في العثور على أداة أو حاجة يمكن الاستيلاء عليها أو بيعها على أرصفة شوارع عمان، أو أموراً اخرى رذيلة.

لم أكن راغبة في الزواج من ذلك الإنسان، وتهربت كثيراً منه ومن الموافقة عليه، وأخي الأوسط كان شبه محايد، متردداً في قبول تلك العلاقة أو رفضها، لكن أكثرما يهمنى هو رضاء شقيقي الأصغر والأقرب لي، وهو الذي كان جاهزاً للوقوف معي لو  قررت معاندة العائلة برفض هذا الزواج.أما أخي الشاب الثالث فانشغل بزوجته الذكية الجميلة، وبدأت علاقتي به تخف تدريجياً، وتغير كثيراً هو الآخر بعد زواجه، إذ صار يكرر القول دائماً إن البنت مصيرها الزواج، فلماذا التأخير والمعارضة؟ والمال والرزق يغدو ويروح، لكنه لم يضغط عليّ لقبول الزواج من زكي.

ضايقنا الفلسطينيون في الخمسينيات من القرن العشرين، لم يبق كهف ولا بيت طيني مهدم إلا وعمروه، وأخي الأعزب محتاج لي، ولا أدري كيف سأتزوج وأبتعد عنه، ومن سيغسل له ملابسه، ويخبئ له نقوده؟ ومن يشجعه على التوفير؟ ومن سيفحص البنات اللاتي يعشقنه لترشح له واحدة منهن سواي؟

–      من سيلمع حذائيّ لي إن ابتعدت عني يا فهيمة؟ تعلمين أنني حصلت على ترفيع مرتين بسبب أناقتي ولمعان أحذيتي وأحزمتي،  وأنا أستدعي أقواله أدرك مدى غبائي وسذاجتي ايامها، سعدت بصحبته بسيارته الصغيرة كل أسبوع أثناء زياراته لواحدة من شقيقاتي المتزوجات والمقيمات في مناطق مختلفة من شرق الأردن والضفة الغربية أو ما تبقى من فلسطين.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق