حوارات هامة

الأديبة وكاتبة الأطفال نجلاء علام: ((الحياة هي المعلم الأول لي)) !!

حاورها : محمد المطارقى

تمتاز بمهارة التأمل وقراءة الواقع بتعمق.. هى بلا شك أدوات ملاصقة لشخصيتها، لم تتخل عنها .. فكانت الحياة بأفراحها وأتراحها..بصخبها وضجيجها، بكل تحمله من شخصيات ومواقف وأحداث هى المعلم الأول لها، فضلا عن اهتمامها بالقراءة منذ نعومة أظفارها.. فهى الطفلة المعجونة بالبراءة، المتلفعة بالصمت، والتى كان أقصى ما تتمناه مجرد عروسة لعبة يمكنها التكلم معها، والاستماع اليها..وهكذا تبلورت أحلامها بدون قصد منها لتصبح هى القارئة النهمة ، كاتبة متفردة ، لها صوتها المميز فى فن القصة القصيرة، لتحصل بعد ذلك على عدد من الجوائز المهمة فى هذا الفن المراوغ.
“نجلاء علام” التى وقعت أسيرة لعالم الطفولة، ووجدت نفسها مدفوعة رغما عنها لأن تصبح واحدة من أهم المبدعات فى مصر والعالم العربى فى مجال الكتابة للطفل.. استطاعت بذكاء أن تجعل من مجلة “قطر الندى” التى ترأس تحريرها فى طليعة مجلات الطفل بمصر برغم ما تلاقيه من صعوبات وعراقيل، وصار الأطفال يتحرقون شوقا للالتقاء بالعدد الجديد وهم فى غابة البهجة والسعادة.. لقد ضحت بكلمتها الافتتاحية كرئيسة للتحرير لتمنحها الى أطفال المجلة الموهوبون.. وأفسحت لهم مساحات شاسعة ليقوموا بغرس إبداعاتهم الطفولية . هى تسهم فى بناء جيل من الصغار سيصبح يوما ما لهم شأن عظيم، ولسوف يدينون دائما بالفضل والامتنان الى هذه المجلة الرائعة التى منحتهم هذه الفرصة الذهبية وقامت بتشجيعهم ودفعهم الى طريق الفن والإبداع. وهى كرئيس للجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة ( والذى أشرف بالانتماء الى هذه اللجنة باعتباري عضوا بها ) أجدها رغم بساطتها، شخصية تمتاز بالمهارة والذكاء، تسعى جاهدة لأن تحقق أكبر قدر ممكن من المكتسبات لصالح ثقافة الطفل.
وهاكم الحوار

يحكى أن هناك طفلة صغيرة ، صغيرة اسمها نجلاء علام.. كانت لها أحلامها الجميلة الملونة.. والتى ودت لو تحققت، ترى كيف كان عالم هذه الصغيرة.. وما أحلامها التى تحققت.. وما هو الحلم الذى لايزال قيد التحقق؟

– كنا أسرة صغيرة تعيش في حي شبرا بشمال القاهرة، شبرا كحي أثر في تكويني كثيرا، فبه مختلف الطوائف والأعراق، هذا قادم من الدلتا وآخر من الصعيد وهذه أسرة مسلمة تجاور أسرة مسيحية، الكل صبغهم الحي بخصوصيته وهدوئه رغم كونه حيا شعبيا من أحياء القاهرة العريقة، وكنت كما يقول صلاح عبد الصبور في مسرحية الحلاج:

– وُلِدتَّ كآلافِ مَنْ يُولدُونَ

بآلافِ أيامِ هذا الوجودِ

– ليس شيئا ما مميز أو ينبئ بالمستقبل، غير لعثمة طفولية في الكلام جعلت مني صامتة ومراقبة لكل ما يدور حولي، كما جعلت مني محبة للقراءة، ومع تقدم السنين ذهبت اللعثمة وبقي الصمت والمراقبة وحب القراءة والكتابة، ساعدني في هذا محبة أبي ” رحمه الله ” للشعر وكتب الصوفية فقد احتوت مكتبته على العديد منها، وكم ذهبت معه لسور الأزبكية كي نبحث عن كتب التراث.
أحلامي لم تكن تبلورت في هذه الفترة، ويبدو أنني دون أن أقصد تطورت أحلامي مع تطور مراحل عمري، ولو سألتني هذا السؤال وأنا صغيرة لأجبت ” عايزة عروسة بتتكلم ” فقد كانت هذه هي اللعبة المفضلة لدى البنات وقتها، ولا يزال يُلح عليّ هذا الحلم.

شخصيات تشعرين نحوها بالامتنان البالغ.. كان لها الأثر الواضح فى مسيرتك الحياتية والإبداعية؟

– أمتن كثيرا كثيرا لأبي ” رحمة الله عليه ” فقد نبهني لأهمية القراءة، وكان يكتب شعر العامية المصرية ويحتفظ بديوان الشاعر كامل الشناوي، وكان له نفس سمحة تستوعب الآخرين ويمد يده للمساعدة كلما استطاع، وكان التوكل المطلق على الله، وبالطبع أمتن لأمي “رحمة الله عليها” كثيرا كثيرا فقد علمتني كيف أسير بين دروب الحياة وأختار الرفيق، علمتني أن الكد في العمل ” أي عمل” لابد سيقابله نجاح وتوفيق، وكانت رحمها الله تغضب من كلمة لا أعرف وتطالبنا دائما بالمحاولة.
– أما في مسيرة الإبداع فأنا ممتنة لكل كاتب وكاتبة قرأت له، ممتنة لجوتة الذي قال ” علينا أن ننظر للكتاب نظرة واحدة وننظر للحياة نظرتين ” وأضيف أن الحياة هي المعلم الأول لي.

أهم الكتب التى أسهمت فى تكوينك الأدبى والثقافى ؟

– كتب كثيرة في الحقيقة وهي كتب منوعة بين الأدب والعلم، فرغم كوني أديبة إلا أنني دائما أفضل قراءة الكتب العلمية، وكاتبي المفضل في هذا المجال العالم الأمريكي ” كارل ساجان ” وله كتب حول تطور الدماغ البشري وعلوم الفضاء، أما في مجال الأدب فأنا أبحث عن الخاصية المميزة لكل كاتب، ولهذا أقدر بساطة يحيى حقي، وانسيابية حكي يوسف السباعي، زخم شخصيات نجيب محفوظ وعالمه، رشاقة حوار توفيق الحكيم، نصاعة كتابة بهاء طاهر وروعة ودقة إبراهيم أصلان، أصالة صلاح عبد الصبور وسخرية صلاح جاهين وصدق علاء الديب، وعلى مستوى الكتابة العالمية يؤثرني تشيكوف وديستوفسكي وهمنجواي وأدب أمريكا اللاتينية وفي مقدمته ماركيز وإيزابيل الليندي وكورتاثار ويوسا وبورخيس، كما أعشق الروايات الإفريقية في مرحلة الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات.

المبدعة الكبيرة نجلاء علام.. بدأت كاتبة للقصة القصيرة، والرواية.. وكانت لها إسهاماتها الواضحة ـ ولا تزال ـ.. ثم جذبها نهر الطفولة العذب لتؤكد لنا أنها لاتزال تحمل بداخلها قلب طفل..هل عالم الأطفال يحتاج لمبدع ذي مواصفات خاصة ؟

– نعم فمن وجهة نظري على كاتب الأطفال أولا : أن يكون كاتبا بمعني أن يملك ناصية الكتابة ويستطيع التحكم في مفردات الكتابة بوعي ويوظفها لصالح كتابة الطفل، وثانيا : عليه أن يتعامل مع طفل اليوم بطريقة مباشرة، فلا يمكن لكاتب يريد مخاطبة طفل اليوم ولا يسعى للتعرف على اهتماماته واختيارته، ثالثا : عليه أن يثقف نفسه في جميع المجالات، لأن كتابة الطفل موسوعية إذا جاز التعبير فلا يمكن للكاتب أن يذكر معلومة غير مدققة داخل قصته مثلا ، ورابعا : عليه أن يحمل داخله نقاء قلب الطفل، وشغفه بالحياة والمعرفة، وخياله غير المحدود، وطزاجة حبه للكون والكائنات.

فى مجتمعنا تتحمل المرأة الكثير من الأعباء، وتقوم بأدوار عديدة. فهى الزوجة والأم.. والعاملة.. كيف استطاعت السيدة نجلاء علام أن تقوم بدورها المنوط بها وتنجح.. ثم تتحقق ككاتبة ومبدعة للطفل؟!

– تنبع الإجابة على هذا السؤال الهام من وجهة نظري، من رؤيتي لما تمثله الكتابة في حياتي، وليس للأدوار المتعددة التي أقوم بها كزوجة وأم وامرأة عاملة، هذه إشكالية كان عليّ أن أحلها في بداية مشواري، وكان عليّ ان أطرح هذا السؤال على نفسي، هل الكتابة هي الدور الرئيسي الوحيد لي في الحياة؟ وجاءت الإجابة باقتناع : لا إنها إحدى الأدوار. وعلى هذا استمرت الكتابة معي كرفيق ككل الأدوار المهمة التي تقوم بها أية سيدة في مجتمعاتنا العربية، وإن سألتني عن أهم دور تقوم به المرأة في حياتها أجيبك أنه بالتأكيد دور الأم.

عندما يتعاطى الزوجان الأدب والكتابة، ويكتبان فى نفس المجال “أدب الطفل”.. وينجحان إلى حد كبير.. هل يعود ذلك الى روح التنافس المحبب.. وهل ـ مع كل عمل جديد ـ يقوم أحدكما بدور الناقد، ثم تتبادلان الدور؟

– لا ليس هناك تنافس بأية صورة، بل يمكنا أن نقول تكامل، فطريقة كل منا في الكتابة مختلفة عن الآخر إلى حد بعيد، دائما ما أشبه أسرتنا بشخص واحد يحاول أن يصعد على درج لا ينتهي، فعندما يصعد أحدنا سُلَّمة فإن كل الأسرة تصعد معه، فنجاح وتفوق محمد ابني في الامتحان خطوة إلى الأمام، وكتابة قصة جديدة يكتبها زوجي الكاتب المبدع هشام علوان خطوة إلى الأمام، واكتشاف واختراع جديد يفكر فيه ابني أحمد خطوة إلى الأمام، ورسمة جديدة جميلة ترسمها ابنتي جنى خطوة إلى الأمام، ونجاحي في عملي هو أيضا خطوة إلى الأمام تخطوها الأسرة كلها.
– بالنسبة للأدب ليس هناك مجاملات بيننا، ولهذا نقرأ أعمالنا بمنتهى الموضوعية، هشام ناقد شرس، ولهذا أخبيء ما أكتبه حتى يكتمل وأشعر فيه بالنضج وحينها أقول له على استحياء: كتبت حاجة جديدة إبقى بص عليها. وطبعا أنتظر رأيه على أحر من الجمر، وفعلا نتبادل الأدوار فعندما يكتب عملا جديدا يطلب مني قراءته ويكون متطلعا لمعرفة رأيي.

ما هى أهم القضايا التى تشغلك دوما، وتحاولين تضمينها أعمالك الإبداعية ؟

– أبحث دائماً عما يدهش القارئ ويدهشني، أحاول أن أضع يدي دائماً فأخرج بالصورة البصرية، التي تمزج بين السرد والوصف، وبإحساس خاص بالزمان والمكان، ومحاولة الاستفادة من الخبرات المعاشة، ورصد التحولات النفسية من خلال اهتزازات صغيرة، أرصدها بالحركة ولغة بسيطة في متن الكتابة نفسها، أعتمد على دقة التراكيب وأعمل على تحديد الجملة، كما أحاول الاعتماد على المسكوت عنه وتفجيره ورصد أبعاده أكثر مما يقال، الكتابة تمثل لي حالة خاصة فهي تصارعني وأصارعها من أجل كتابة أقرب إلى الجوهر الإنساني، وهذا ما حاولت الاقتراب منه دائماً

الأديبة والمبدعة الكبيرة نجلاء علام والتي تترأس مجلة “قطر الندى” ، لكم كتاب مهم تتناولين فيه مجلات الأطفال فى مصر والعالم العربي وهو ( تطور مجلات الأطفال في مصر والعالم العربي منذ نشأتها وحنى عام 2000) .. هل مجلات الأطفال فى أزمة؟، وإلى أى مدى نجحت ، وما الأسباب الحقيقية من وجهة نظرك فى تعثر البعض منها، وأيها استطاعت أن تجتذب الطفل وتحقق الفائدة المرجوة؟

– ليس مجلات الأطفال فقط التي تُعد في أزمة بل كتب الأطفال أيضا والأنشطة التي تقدم للطفل أو عن الطفل، طالما أن نظرة القائمين على العمل الثقافي قاصرة على كون الطفل نشاط تكميلي، يمكن في أية لحظة تقويضه لصالح بقية الأنشطة، والحقيقة أن الطفل هو صناعة المستقبل وما نزرعه اليوم داخل أطفال الوطن العربي يرسم صورة هذا الوطن في الغد، مجلة وكتاب الطفل ليسا ترفا بل هما رافدين مهمين يسهمان في صناعة وعي الطفل العربي،حيث تشكل صحافة الأطفال الآن في عالم النشر، قطاعاً هاماً يجب الاهتمام به، فعن طريقها يكتسب الطفل منذ نعومة أظفاره عادة القراءة، فنجده يرتبط أولا بالصور والألوان المقدمة له في المجلة والكتاب، ومع نموه يزداد إدراكه لبقية المحتويات، وتتأصل عنده عادة القراءة الإيجابية التي تبني وتشكل عقله ووجدانه، وتدعم ثقته بنفسه وتصنع منه هذه الشخصية المرنة ذات السلوك المتحضر القادر على التصرف في المواقف المختلفة، وتشكل منظومة قيمه التي يرتبط بها.
وأعتقد أن مجلات الأطفال العربية قادرة على التواصل مع طفل اليوم، ولكن بعضها يحتاج إلى الدعم المادي.

الكاتبة نجلاء علام مقررة لجنة ثقافة الطفل ـ دورة (2017ـ 2019) بالمجلس الأعلى للثقافة.. ماهو الدور الحقيقى الذى تقوم به اللجنة، وماهى أهم الانجازات التى تمت حتى الآن؟

– تحرص لجنة ثقافة الطفل على تأصيل مستويات من الثقافة أراها لازمة للطفل المصري في المرحلة الحالية ومنها: ثقافة الانتماء وثقافة الحوار، كما تهدف اللجنة إلى الاهتمام بدراسة الظواهر والمشكلات المتعلقة بالطفل، واقتراح آليات لحل تلك المشكلات، وأيضا المساهمة في نشر الأعمال الإبداعية الموجهة للطفل، وذلك من خلال برنامج عمل محدد لعقد مؤتمر علمي عن ثقافة الطفل، وإنشاء سلسلة أدبية تشرف عليها اللجنة، وكذلك إطلاق مسابقة سنوية لتشجيع الناشرين على إصدار كتب للأطفال، ونحاول حاليا توفير الدعم المادي لإقامة هذه الفعاليات.وبالنسبة للإنجازات تم مناقشة العديد من الظواهر والمشكلات المتعلقة بثقافة الطفل من خلال عدة ندوات أقيمت بالتعاون مع المتخصصين مثل ندوة ” مجلات الأطفال المصرية بين الطموح والتحديات ” وندوة ” النشر الالكتروني للأطفال ” وندوة ” إعلام الطفل واقعه وسبل النهوض به ” وغيرها الكثير من الندوات، وأيضا أقمنا موائد مستديرة عن تنمية الانتماء لدى الطفل، كما أخذت اللجنة على عاتقها تكريم رموز ثقافة الطفل من الأدباء والفنانين والباحثين، وإهدائهم درع المجلس الأعلى للثقافة.

ما أهم المعوقات التى تحول بين كاتب أدب الطفل الحقيقى، وبين وصول منتجه الابداعى إلى القارىء المستهدف؟

– المعوقات للأسف كثيرة وكلها تخرج عن نطاق الإبداع وتصب في الجانب المادي والعملي، مشكلة التوزيع على سبيل المثال إنها تحتاج لإنشاء مكتبات ثابتة ومتنقلة، ومشكلة التكلفة المادية المتزايدة بسبب ارتفاع أسعار الخامات والورق والتي بالتالي تسبب مشكلة أكبر وهي ارتفاع ثمن الكتاب والمجلة في ظل انخفاض القوى الشرائية، والضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسرة، وكما قال إيلوار : الخبز أجدى من الشعر.

ماالذى ينبغى أن يفعله الأدباء الجدد فى مجال الكتابة للطفل للوصول الى مستوى يليق بهم كمبدعين، وبأطفالنا كمتلقين؟

– ليس هناك روشتة أو وصفة سحرية محددة للنجاح، الكتابة مراوغة وعلينا جميعا ككتّاب محاولة القبض عليها، سواء من كتب مائة كتاب للطفل ومن يخطو خطواته الأولى، فقط أهمس لهم أطلقوا الخيال من عقولكم والمحبة من قلوبكم.

وأخيرا رسالة تودين تقديمها فى نهاية هذا الحوار؟

– هي حكمة قلتها لنفسي ذات يوم وأثبتت الأيام مدى صحتها فأمنت بها
” قل لي كم مرة حاولت .. أقل لك كم مرة ستنجح “

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الأديبة وكاتبة الأطفال نجلاء علام: ((الحياة هي المعلم الأول لي)) !!”

  1. تحية احترام وتقدير للمجلة الثقافية الجزائرية ،والمحبة الصادقة للكاتبة الراقية “نجلاء علام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق