قراءات ودراسات

قراءة في رواية (الصمت) للأديب الياباني شو ساكو إندو

نازك ضمرة*

رواية صعبة على القارئ العادي، وربما غير جاذبة، لكن الناقد والكاتب يجدان متعة كبيرة في متابعة السرد الفني الفريد، والذي جاء في معظمه على شكل مذكرات ورسائل تؤرخ الصدام بين حضارتين وبين تراثين وبين معتقدين. ففي القرنين الخامس عشر والسادس عشر بدأ امتداد الاستعمار الأوربي لقارتي أسيا وأفريقيا حاملين معهم التراث الأوربي وأديانهم وتقاليدهم، وحاولوا بكل إمكاناتهم المتوفرة في تلك الأزمان وما تبعها من قرون فرض سلطاتهم وأنظمتهم وسيطرتهم على الشعوب المغلوبة والمستعمرة، وامتد ذلك حتى منتصف القرن العشرين، أي أن الاستعمار الأوربي طال لأكثر من خمسة قرون وما زال، وسبب تخلفاً وعذابات وآلاماً عميقة لتلك الشعوب المستعمرة بالتحكم بها وبمصائرها ومصادرها البشرية والفكرية والاقتصادية، ولم يقتصر الأمر على الاستغلال المادي لموارد تلك البلاد المستعمرة واستنزافها، بل تعدى ذلك إلى ظلم الإنسان لأخيه الإنسان بذرائع إنسانية  مبطنة وبألوب متعال مراوغ شره دنيء.

وبذرائع التبشير بالديانة المسيحية بمختلف طوائفها، وبوفود من المبشرين والرهبان من معظم الدول الأوربية، والتي كانت تتجه إلى البلاد الواقعة تحت السيطرة، وأمامنا في رواية (الصمت) موضوع هذه الدراسة، غيض من فيض من تاريخ الاستعمار البرتغالي، ومن أشهر الدول التي سعت لاستعمار إفريقيا وآسيا هي بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال وهولندة وبلجيكا وألمانيا وغيرها من بلدان القارة الأوربية  الغربية، وقد وصل الأمر بالمستعمرين إلى نقل الأيدي العاملة بطرق الخداع والقوة والسلطة  والإكراه إلى العالم الجديد في الأمريكتين وأستراليا وخاصة من شعوب إفريقيا السوداء للعمل كسخرة في خدمة المستعمرين والمستوطنين الجدد. والوسيلة  الأبغض كانت هي استعمال القوة  والقهر العسكري بالأساطيل والمدافع والأسلحة الحديثة والمخدرات وتجارة  العبيد، إذ كانت جميع شعوب آسيا وأفريقيا محرومة من التطور والصناعة والتقدم العلمي والحربي.

وعلى طول الرواية  يبدع الأديب الياباني شوساكو إندو  في وصف تفصيلات الحياة اليومية للصراع بين الحضارتين البرتغالية (الأوربية) وبين الحضارة اليابانية البوذ ية، مع التركيز على محاولة الغزو العقائدي المسيحي إلى عقل الإنسان الياباني البوذي، هذه التفاصيل  الساحرة والتي تضع القارئ أمام كاميرا متحركة أمينة وسارد دقيق الوصف، وقادر بدرجة الإعجاز على تصوير معاناة الياباني الذي اتبع الديانة المسيحية، ومن ثم معاناته حين اضطرت السلطات اليابانية تطهير أراضيها من الديانة الوافدة، وتصور صفحات الرواية تفاصيل دقيقة عن أحداث وآلام لاقاها المسيحيون اليابانيون والأوربيون حتى اضطروا للارتداد عن الدين المسيحي، وأثناء ذلك معاناة ردة الفعل التي وقع تحتها الرهبان الذين غرر بهم والقي بهم في جحيم غريب عن أنماط حياتهم وأفكارهم وشعوبهم. فحين يستيقظ التنين الياباني ويدرك خطورة هذا الغزو وأثر مسخ الشخصية  اليابانية بعقائدها وتقاليدها فنتج عن صحوة اليابانيين على هول  ما يجري ويخطط لهم من وضعهم تحت التبعية الأوربية الغربية المسيحية، لم يفكر الحاكم الياباني بالرحمة، بل اتبع مختلف الأساليب المقيتة وبدم بارد وببطء مدروس، لإكراه من اتبع الديانة الوافدة للعودة إلى ديانة بلادهم العريقة، وبمختلف الطرق والأساليب القهرية والترغيب والتعذيب والإغراءات مختلفة الأساليب حتى لدعاة المسيحية أنفسهم، ونجاح الحاكم الياباني وجواسيسه في مهمتهم. وفي النصف الثاني من الرواية يتركز الفعل العدائي الانتقامي الياباني من الرهبان والمبشرين بالدين المسيحي، وامتدت تلك الويلات إلى كل إنسان ياباني ذكراً كان أم أنثى ممن اتبع الديانة  الوافدة والغريبة  عن المعتقد البوذي. فانتشر الجواسيس بحثاً عن كل متنصر من اليابانيين، وفي ظل مثل هذه الأجواء القاتمة  يتفجر الظلم المعاكس والصادم والمؤثر في كل قارئ لدرجة الاشمئزاز، وتبين كيف أن الظلم البسيط والخداع قد يولد ظلماً معاكساً أشد قوة وفتكاً بأضعاف المرات، ممايجعل القارئ يتعاطف مع المسيحي الياباني ومع الراهب المبشر الواقع في الأسر، والذي وعده مرسلوه بالجنة، وغرروا به على حسب فكر الكاتب المؤلف. وذلك بإيحاء مرسليه له بأنه يخدم الله وبلاده وعقيدته، ولكن مؤلف الرواية يظهر لنا أن المخفي أعظم، ويبين كاتبنا الياباني المشهور في مواقع كثيرة من الرواية لإثبات المقولة العربية (وما من ظالم إلا سيبلى بأظلم)، مستدلاً ومسترشداً بأقوال من التوراة والأناجيل.

ولم ينس كاتب الرواية إظهار أهداف المستعمرين والمبشرين، ألا وهو تكريس الاستعمار الاقتصادي ونهب الخيرات وتدعيم ذلك بفرض عقيدة وافدة غريبة لا تتوافق مع البوذية الضاربة في أعماق التاريخ. وهنا يصف الراهب نفسه حاله وحال قرية أصابها الخراب الياباني البوذي لاتباعهم الدين الوافد (لِمَ تخليت عنا تماماً على هذا النحو؟ راح يصلي بصوت واهن، هذه البلدة شيدت تمجيداً لك، أو قد تخليت عنها في رمادها؟ حتى حينما شرد الناس من دورهم ألم تهبهم الشجاعة؟ أو قد مكثت صامتاً بلا حراك مثلما الظلمة التي تضرب أطنابها حولي؟ لسنا رجالاً اشداء مثل أيوب الذي حل الجذام بساحته ابتلاء له، ثمة حد لقدرتنا على الاحتمال، فلا تثقل كاهلنا بالمزيد) صفحة 142

لم يقتصر الأمر على إبداع الكاتب شوساكو إندو على طول الرواية لوصف حالة اليأس للأنسان وضعفه، بل تفوق في إبداعه حين يندمج مع الطبيعة ومكوناتها من أشجار وطيور وحشرات ومواقع (انطلقوا على الطريق الذي قدموا منه في الصباح، افتتنت عينا الراهب بالأشجار السامقة  وسط الحقول، لكأنها تناهز في ارتفاعها نقيق الضفادع، تذكر أنه شاهد هذه الأشجار من قبل، كانت غربان هائلة الحجم تدفّ بأجنحتها على أغصانها، وتنعب بصوت خشن، أي جوقة كئيبة كانت؟ نقيق الشفادع ونعيب الغربان) صفحة 138

ومن السهل جداً إدراك مدى سعة اطلاع الكاتب وعمق ثقافته، بل يضرب لنا المثل النموذج للكاتب الروائي، والذي عليه أن يكون واسع العلم والاطلاع والثقافة، فاستطاع إندو كشف ماانغلق من صفحات التاريخ الماضي عبر روايته بأسلوب شيق، لا يشعرنا بالملل حتى ونحن نقرأ أحداثاً تاريخية متخيلة أو حصلت بالفعل، وقد يكون مؤلف الرواية مسيحياً حسب إحساسي، لأنه يذكر لنا نصوصاً  ودقائق وأقوالا وعن مكونات الديانة المسيحية من مراجعها في الأناجيل والتوراة، ويصف حياة الرهبان والمبشرين ومعاناتهم في السفر والحل والترحال والطعام والمنام والتعامل مع المواطن الياباني العادي وحتى مع المسئولين والحكام، ولا شك أن طلائع المبشرين كما يشير المؤلف قد حققوا نجاحات باهرة في جذب الكثيرين من اليابانيين وحتى وصل ذلك التأثير لمستويات أعلى من المواطن العادي، وما يسحرك وأنت تتابع مجريات الأحداث هو ازدواج شخصية السارد وتعاطفة المتوازن والمحايد أحياناً مع المتصارعين على الأرض، ومن أجل تبرير ما يعتقده كل واحد في وجه الطرف المعادي الآخر، وطرفا المعادلة هما المبشرون ومعهم المواطنون اليابانيون الذي ارتدوا عن ديانتهم البوذية إلى المسيحية، والطرف الثاني اليابانيون القوميون أتباع الديانة البوذية من الحكام ومن تبعهم من الأفراد العاديين كأذرعة للسلطة، وبعدها وعندما يتفوق المد البوذي ويصحو التنين في أواخر القرن السادس عشر ينقلب السحر على الساحر، ويسام الرهبان  واليابانيون الذين تنصروا لتبدأ مرحلة إكراه الطرفين  الرهبان واليابانيين المسحييين للارتداد إلى الدين البوذي، وهنا يتفنن الحكام اليابانيون في أساليب التعذيب والقهر للرهبان وللمسيحيين اليابانيين لضمان وقف المد المسيحي في المجتمع الياباني أولاً، ولاجتثاث الأفراد القلة الذين سحرتهم الدعاية الغربية لاتباع  ديانة تخالف ديانة بلادهم وتراثم ومكونات تماسك الشخصية اليابانية القائمة أساساً على الفكر البوذي. ولا ينكر الكاتب الأثر الإيجابي الذي طرأ على المجتمع الياباني واقتصاده نتيجة الاحتكاك والتعاون بين الوافدين الغربيين بحجة التبادل التجاري ومن بعدها نشر بعض المدارس بفضل المبشرين، لاستغلالها لنشر الدين، ونلمس المرارة في نفس السارد مما عاناه السيد المسيح عليه السلام كنموذج تاريخي قديم، من عذاب الرومان على يد الجاسوس يهوذا الذي دلّ الحاكم على موقع المسيح، فشمتوا به وهم يرقبون المسيح يمشي بهدوء وسكينة نحو موقع تنفيذ الصلب والتعذيب، وتتكرر الوشايات في المجتمع الياباني ضد كل ياباني مسيحي

(تأمل يستعيد ذكرى تفاصيل آلام المسيح، حينما خرج هذا الرجل من بوابة المعبد، يرقى الدرب الصاعد نحو الجلجثة، حاملاً صليبه، مجاهداً لأجل كل خطوة يخطوها، متعثراً في مشيته، والدهماء المحتشدون المتلهفون، وملء قلوبهم الفضول، يتبعونه، لا تبكين يا بنات أورشليم، بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن، ستجيء أيام) صفحة 146،

ويزداد إعجابنا بمؤلف رواية الصمت حين نراه يعرف أسماء المواقع التي مر بها المسيح أو عاش بها مثل بحيرة  الجليل ونهر الأردن (منذ الطفولة، كان وجه المسيح يمثل بالنسبة له تحقق أحلامه ومثله جميعها، وجه المسيح عى نحو ما كان، وهو يعظ الجمع فوق الجبل، وجه المسيح خلال عبوره بحيرة الجليل عند الغسق) صفحة 151،   ويذكرنا بنص الدعاء المسيحي المتعارف عليه: (أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئك في الأرض كما في السماء، اعطنا خبزنا اليومي، واغفر لنا ذنوبنا كما غفرنا نحن للمذنبين، ولا تدخلنا في التجربة، لكن نجنا من الشرير، آمين)  صفحة 152

(لم يكن قد خطر بباله أن التحقيق معه سيبدأ بمثل هذه السرعة، كان في تخيله للأمر كل يوم قد صور المشهد مأساوياً، مثلما كان لقاء بيلاطس والمسيح… الجميع يهدر، الحيرة تنهب بيلاطس، المسيح يقف صامتاً، لكن الصوت الوحيد هنا كان صوت الزيزان يدعوه للرقاد، وسجن المسيحيين مستغرق في صمته المعتاد كالأصيل) صفحة 156

ويمثل ارتداد الراهب وهو الشخصية الأساس في الرواية عن المسيحية نموذجاً للأساليب النفسية والإكراه والتعذيب والمعاناة التي طبقت على كل مسيحي يجدونه في اليابان، يطلب منه أن يدوس أيقونة المسيح بقدميه، رمزاً لارتداده عن دينه المسيحي، وبرغم أن الراهب فعل ذلك وارتد، حفاظاً على حياته وبعد إقناع شديد من الحاكم وأتباع المسيحية، لكن الراهب يظهر لنا أنه ارتد حفاظاً على أرواح وحياة أتباعه وحسب وعد الحالكم الياباني له بوقف تعذيب اولئك الفلاحين البائسين، ظلت صورة المسيح أمام عيني الراهب وفي أعماق عقله وقلبه أثناء تفكيره بالارتداد، وحتى بعد أن أعلن ارتداده رسمياً عن الديانة المسيحية، واتخذوا له اسماً يابانياً كان يحمله شخص ياباني توفي أيامها، لكن الراهب يصف حاله:

(فكر في الرجل الذي تعرض مثله للابتلاء،  – يقصد المسيح-  في بكرة السابع من أبريل، دفعوا هذا الرجل، ناحل البدن، عبر المنحدر في بيت المقدس، امتدت اشعة شمس الفجر، فيما وراء البحر الميت تغسل الآماد الجبلية بالنضار، واصلت عين سلوان خريرها، شادية بنغم جديد أبداً، لم يمنحه أحد فرصة التقاط النفاسه، بعد أن أعلن الكهنة  والشيوخ الحكم، كان من الضروري الحصول على موافقة  بيلاطس الوالي الروماني، كان بيلاطس في مخيمه، بأكناف المدينة،  غير بعيد عن المعبد، قد سمع بالنبأ، ومن المحتم أنه كان في الانتظار الآن) صفحة 180

ولا يسع كاتب هذه القراءة إلا  أن يدعو كل أديب أو محب للقراءة أن يقرأ هذه الرواية الفريدة والصعبة نوعا ما، لكن المؤلف أبدع أيما إبداع في لملمة جميع الأحداث وأفعال الشخوص وأقوالهم لتخدم غرضه الذي أنشأ الرواية  من أجله، ويمكن تلخيص ذلك بإظهار قدرته على تصور المواقف وتخيلها في ذاكرته، وإعطاء كل شخصية  من شخصياتها المجال ليعبر عن نفسه أو  لينقل لنا صورة مخلصة عنه، ومن ناحية  أخرى، لا بد وأن  يكون مؤلف الرواية  قد قرأ الكثير في التاريخ الياباني والاستعماري، وتفرغ لهذا الأمر وأعد العدة الكاملة ليتمكن من إخراج هذه الرواية بالشكل الذي أظهرت قدرات الكاتب واستيعابه لما وقف نفسه له، وأخيراً وكما يقول المترجم عن هذه الرواية:

((إندو يقلب موازين الإضاءة في حياة المسيح، لأنه يرى أن البراءة الوهاجة التي تاق رينان إليها، هي العدوالحقيقي للمسيح،  وينتقد بشدة المبشرين الذين قدموا المسيح لليابان، باعتباره الأب المنتقم، في التقاليد اليهودية والغربية، ويشدد على الجانب الضعيف، في شخصية  المسيح، بل هو لا يتردد في القول بأن صورته خلقت لتدوسها أقدام المعذبين،  ولما كانت التقاليد اليابانية والضمير الياباني يرفضان  تقديس ما داسته الأقدام، ويأبيان مواجهة الحرج، باعتباره موتاً آخر، فإن شوساكو إندو يضع كلاً من جوهر هذه التقاليد، ونسيج هذا الضمير وأبعاد هذه القداسة جميعها موضع التساؤل والمراجعة، وهكذا فإن صمت إندو  هو صمت صارخ مترع بالتساؤلات مفعم بالرحيل الشاعر نحو آفاق جديدة منفتحة))

*كاتب وباحث وناقد فلسطيني مقيم في أمريكا

nazekdhamra1@hotmail.com

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق