قراءات ودراسات

رواية “قاع البلد” لصبحي فحماوي واللاوعي الجمعي للمكان.

د. نضال الشمالي*

إذا كان اللاوعي الشخصي هو نتاج التجارب الشخصية للفرد فإنّ اللاوعي الجمعي المباشر يتشكل من مجموع تجارب الجماعة في مكان وزمان محددين. فهو إذن ليس محصلة مجموع اللاوعيات الشخصية: إنه ذاكرة الجماعة المشتركة في السمات والمآل. والمكان بفضاءاته يتشكل بوصفه عنصراً أساساً في اللاوعي الجمعي المباشر لجماعة من الناس عايشوا ظروفاً مشتركة.
وفكرة المكان السليب ما تزال متعمقة وملحّة في اللاوعي الجمعي للسرديات العربية المعاصرة تتشكل نصّاً إثر نصّ فتستنتطق اللاوعي لتجعل منه واقعاً حيّاً عبر ملفوظات النصوص. هذا الاستنطاق لمفردات اللاوعي يصنع واقع المكان ومفرداته وفضاءاته ضمن اللاوعي الخاص لكاتب النص ومؤوّله.
ورواية “قاع البلد” لصبحي فحماوي الصادرة عام 2017 تغذي ما سبق وتعزّز فكرة اللاوعي الجمعي للمكان لدى المثقف مُثقل الكاهل بقضاياه اللامتناهية.

د. نضال الشمالي

ومن منطلق هذه الفكرة فإن مغامرة رواية “قاع البلد” تكمن في استحضار مكانين مهمين بين جنباتها؛ تستحضر الأول وهو الوطن المحتل من خلال اللاوعي الجمعي للشخصيات، والثاني هو عمّان الستينيات، وتستحضره من بوابة الوعي الجمعي للشخصيات، فواقع الأحداث وإيقاعها الروائي يشيّد عمّان الستينيات في وعينا وإدراكنا القرائي. أما لا وعي الشخصيات فيتركز على الوطن المحتل والطريقة المثلى لتصويب بوصلة المبعدين والعودة مجدداً إلى أحضانه بدلا من تشييد القصورة والأوهام خارجه، فكل ما هو مكبوت في اللاوعي– حسب فرويد – يبقى فيه إلى الأبد، ويجهل الوقت والتناقض.
تحاول رواية “قاع البلد” أن تصنع فضاءها الروائي عبر المزاوجة أو المداورة بين هذين المكانين اللذين يتحدان بمعطياتهما الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فيشكلان مفردات العمل الذي يتوزع على ألسنة شخصيات العمل بمن فيهم السارد نفسه سامي الناظر المشارك في الحدث.
أما التركيز على الشخص الرئيس في الرواية “الهربيد عوض” هذا النازح الفلسطيني من خربة “مغارة النحل” فلم يكن مقصوداً لذاته بقدر ما كان القصد إبراز اللاوعي الفردي تجاه المكان بوصفه نموذجا للاوعي الجمعي لدى شخصيات العمل.
إنّ الفكرة تكمن برمتها في العودة إلى الوطن السليب مهما كانت السبل، أكانت بالتسلل خفاءً أو التسلح بالعلم أو اللجوء إلى القوة، هي فكرة حاضرة بقوة في غياهب لا وعي الشخوص، فهي حق لهم مهما كان المستوى الذهني لصاحبها.

والرواية إذ تعنون نفسها بمكان، فإنها تبرزه على بقية عناصر العمل، فالهدف هو الوطن بوصفه مكانا، أما مراجعة النفس والأفكار والبوح والمونولوجات فمكانها قاع الشتات وهو مكان عزيز على الشخصيات أيضاً يحتضنهم ويؤلف بينهم. إلا أنّ “الهربيد عوض” هذا الفلسطيني النازح بوصفه نموذجا قيادياً لشخصيات الرواية فقد مايز بين المكانين في دائرة الوعي واللاوعي عنده، إذ لم يرغب في أن يشيّد له مكاناً ثابتاً في الشتات فبقي نزيل فندق في قاع البلد يصرف كل ما يكسبه من عمله في سوق البالة ولا يعرف الادخار، ولم يفكر بالزواج والإنجاب، فهو يدرك أنّ مكانه الحقيقي هناك “الوطن المحتل”، وهو بذلك يقاوم لا وعينا كقراء، ويقاوم لا وعي شخصيات في العمل كالعجوز عارف أبو غليون،ويقاوم لاوعي نماذج عديدة سبقته كشخصيات رواية “رجال في الشمس” لغسان كنفاني اللذين ابتعدوا كثيرا في وجهتهم فضلّت بوصلتهم وأضلّتهم عندما ظنّوا أن النجاة تكون في المهجر والعمل وجمع المال بعيدا عن وطنهم المحتل وخط المواجهة.
لقد برز مكانان في لاوعي شخص الرواية تكاملا دون أن يتنافرا، فالجسد نما وكبر وترعرع في عمّان 1968 وتحديدا في وسط البلد أو قاعها بجوار المستشفى الطلياني وسوق الخضار ومنطقة السيل وشارع الملك طلال ومقهى السنترال، إلا أنّ الذهن بقي مستلبا تجاه غرب النهر محملاً بالمآسي وذكريات موت الأب غرقا في الطين وهو يذود عن أغنامه وابتعاد الأم وضياع المال.
هذا الانقسام في حالة اللاوعي للمكان سيفرض تلقائياً انقساما بين الشخصيات في إدراكها له ولِما يتوجب علينا أن نفعله حيال هذا اللاوعي، فسارد الرواية سامي الناظر – طالب جامعي يدرس الطب في الأزهر- تشكل له عمّان جسر انتقال بين الوطن “الخليل” ومكان الدراسة “القاهرة”. أما العجوز عارف أبو غليون، فأكمل ما تبقى من حياته في مغارة ثم انتهى إلى مستشفى الطلياني ينتظر مصيره المحتوم، مُجبَراً على مصارعة الشتات مكانا حتميا للموت، وتاجر الملابس المستعملة (البالة) أبو نجيب الجبالي الذي رأى في الشتات مرحلة جديدة من حياة الشتات، فانكب على تجارة يعتبرها مؤقتة، وهو يتذكر فواكه الخليل والعنبطبيخ وخيرات فلسطين. أما”الهربيد ” شخص الرواية فلقد تعامل مع المكان على أنه حاضن مؤقت لتخمّر الأفكار قبل الانطلاق مجددا نحو الوطن المحتل إلى أن سنحت له الفرصة أن يشترك في عملية فدائية شجاعة داخل فلسطين انتهت إلى اعتقاله.
وهناك شخصيات أخرى لم يبلورها العمل تماما بل صُوّرت من الخارج كالفدائي الذي استثمر موجودات الشتات لمحاولة الانقضاض على العدو مجددا، إلا أنّ فساد قيادته وتخبطها أهلك قوته فذهبت ريحه وانكسرت شوكته.
إنّ فكرة اللاوعي لم تكن لتتحقق لولا تقنية التذكر الموجّه، وهو شكل من أشكال الاسترجاع المنظّم، نُفّذ بين راوي القصة وبطلها، بطريقة حوارية حسنة، إذ كان قد أصرّ “الهربيد” عنوة أن ينشئها بينه وبين الراوي الذي يمتلك صلاحية الإعلان والتوجيه، ويمتلك منظور العمل السردي برمته. وهذا النموذج من المهجرين يسعى إلى توثيق بياناته وقناعاته إلى أن تحين له فرصة العودة، فلم يجد أفضل من شاب جامعي متعلم يستطيع توثيق المعلومات وتنظيمها ونقلها إلى الأجيال القادمة، ليعلموا أن هناك من هُجّروا عنوة عن أوطانهم ولم يكتفوا بالأحلام والأماني بل عملوا وكافحوا من أجل تحقيق مبتغاهم. وفي سياق الرغبة العارمة بالتوثيق بين جيلين يقول سامي الناظر سارد الرواية في نهاية الليلة الثالثة :” كنت أحاول أن أمتصّ كل كلمة يتفوه بها، (يقصد الهربيد) وكل حركة يومئ بها، فأسجلها في ذاكرتي التي أريدها أن تكون في المستقبل مصدراً لكتابة رواية عما رأيت وسمعت وشعرت. ولولا إصغائي للهربيد وحكاياته ومشاعره ومشاكله، لما استطعت كتابة هذه الرواية بعنوان ” قاع البلد”.
لقد انعكست فكرة اللاوعي الجمعي للمكان على عناصر العمل، فكان المنظور السردي(الكيفية التي يتم بها إدراك القصة من طرف السارد) حاضراً لخدمتها، فهناك راوٍ متكلم مشارك في الحدث، وهناك بطل للعمل “الهربيد عوض” يصنع الحدث ويُمنح أحياناً صلاحية رواية الأحداث بإذن من سامي الناظر، راوي القصة الحقيقي:
“كنت محرجاً من هذا اللقاء الذي يجمع بين طالب طب أزهري يتخيله الناس عالماً أزهرياً وقوراً، وبين رجل يشبه طرزان الذي كنا نحضر أفلامه ونحن صغاراً، وهذا ما يخلق تناقضاً بين الشخصيتين” ص108. لقد كان منظور العمل السردي خاضعا لمزاجية واضحة في نقل الأحداث وروايتها في كثير من المواقف، وإن كان قد قُدّم برؤية تقليدية مبسّطة، إذ لم يكن الراوي يمزج بين قصتين في موقف واحد، أو يلجأ إلى تقنية القطع المكاني التي تسمح له بتشييد مفاصل القصة تدريجيا، بل جاءت على شكل تسامر امتد حوارا بين اثنين عبر عشر ليال. والرواية ضمن هذا التصور تحشد وتلخّص العديد من الموضوعات التي يستدعيها السياق الروائي أو يستدعيها توجيه الكاتب لراويه، كخفايا سوق البالة، وإشكالية العمل الفدائي في الأردن، والاغتراب في بلاد الخليج بعيدا عن هموم العودة للوطن.
قدّم هذا المنظور الكثير من وجهات النظر في مواضيع عديدة لم تفلح في إخفاء ظل مؤلف العمل وتستر أفكاره وقناعاته، ومثال ذلك ما أورده المؤلف على لسان سارد العمل حول العمل الفدائي وتشتته:
“وإذا كانت الدول والقوى المحيطة بالقضية الفلسطينية مختلفة الشؤون والشجون، وكل منها يعمل بطريقته الخاصة، إما للتحرير، وقد يكون بعضها يوظف مندسين للتخريب .. نحن لا نعرف، فإن الخراب سيكون مصير المقاومة مجتمعة. لا شك هناك عناصر تخريبية مدسوسة تدفعهم للانحراف عن سكة الطريق.. خاصة بعد رعبهم من هذه التوأمة، ومن هذا التكاتف الفدائي العسكري .. ولكنني لا أعرف كيف سيجتمعون على قلب واحد، وضد عدو واحد، وهم مختلفون فيما بينهم؟” ص 198.
هذه الذهنية العالية المستشرفة التي ظهرت على لسان راوي العمل ذي الفكر المحدود وهو ما يزال في مرحلة الدارسة الجامعية تنبئ عن ملقن مباشر له، وما يبرر الموقف ذلك التقارب الذي لا بد أن يحصل أحياناً بين الروائي وراويه، والمواقف المشابهة تتعدد في مواطن أخرى (ص 195،198، 129، 77).
إن تزاحم الأفكار في أذهان شخصيات العمل ومؤلفه واللاوعي الجمعي للمكان أسهم في حشد العديد من الموضوعات القابلة للنقاش على صفحات العمل. عزّز ذلك توظيف الأغنية الشعبية والأمثال المحكية بشكل لافت مما يؤكد تجّذر فكرة اللاوعي الجمعي بالمكان وفضائه لدى شخصيات الرواية.
كما أن تصوير المكان في الرواية كان رهناً لاهتمام الشخصيات به، فلسنا أمام راوٍ عليم يروي من الخلف بل جرى توظيف راوٍ متكلم يقاسم الشخصيات المكان والمعلومات، فلم نشهد توغلات ثابتة في وصف المكان بقدر ما كان المكان يظهر كما تدركه الشخصيات في وعيها فهي المسكونة بقضاياها الخاصة، قاد ذلك إلى تباين الاهتمام بوصف الأماكن بناء على وعي الشخصيات، وربما يكون سوق (البالة) في قاع البلد هو ما حظي بوصف دقيق من قبل شخص العمل وراويه، فهو المتحكم بحركية الأحداث أكثر من أماكن عديدة أخرى تجاوزت الرواية وصفها، كمقهى السنترال وسوق الخضار والمستشفى الطلياني. وهذا يعكس دلالاته أيضاً، فبعض الشخصيات رضيت بمخلفات الآخر وتجاهلت قضيتها الأم، التي بقيت حبيسة اللاوعي عنده.
وقد فسّر عالم النفس كارل يونج ذلك في موضوع ربط الوعي باللاوعي أنّه عندما تغيب فكرة عن بال الإنسان، فهذا لا يعني أنها فُقِدت، وإنّما فُصِلت للحظات عن الوعي وأصبحت في نطاق اللاوعي؛ إلا أنّ هذه الأفكار تعود فيما بعد عن طريق اللاوعي، ويبقى تأثير الأفكار التي تغيب عن الوعي في العقل الواعي وهو ما يشتمل عليه اللاوعي، كما تفقد الأفكار والصّور الموجودة في حيز اللاوعي طاقتها وتصبح في مكان ما تحت عتبة الوعي، والمقصود بذلك أنّها تلقّت جزءاً ضئيلاً من اهتمامات الإنسان؛ بهدف إيجاد حيّز جديد لأفكار وتصورات وانطباعات جديدة في حيّز الوعي. هذا الحيّز هو ما حاولت رواية “قاع البلد” أن توثقه بين جيلين ومكانين.

*- جامعة البلقاء التطبيقية- عمان – الأردن.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق