ثقافة المقال

هل هناك علاقة بين تجربة السجن والإبداع ؟

حمزة الذهبي *

بدون مقدمات فارغة لا طائل من وراءها ، نجيب بالقول : نعم يمكن أن يكون السجن سببا في ولادة مبدع ، فزند العبقرية لا يقدح – كما يقول الكاتب الليبي ابراهيم الكوني في كتابه نزيف الروح – إن لم يتلق صفعة من كف القدر .
وكي لا يقال أنني أقول ما قلته رجما بالغيب . فلنا في كل من صنع الله ابراهيم الروائي الأكثر تعبيرا عن أفكار النضال السياسي في مصر على مدار أكثر من نصف قرن 1 والأروروغوياني كارلوس ليسكانو الذي يعد صوتا متفردا و كبيرا من أصوات الأدب في أمريكا اللاتينية 2 خير مثال على ذلك .

صنع الله ابراهيم
كاتب مصري ، غني عن البيان ، اعتقل لمدة خمس سنوات ، تعرض فيها للضرب والتعذيب والتحقير والإهانة شأنه في ذلك شأن المعتقليين الآخريين . بعد سنتين من خروجه نشر روايته الأولى تلك الرائحة التي قدمها يوسف إدريس قائلا :
إنها ليست قصة ، قل إنها صفعة أو صرخة أو آهة منبهة قوية تكاد تثير العجب (..) إن تلك الرائحة ليست مجرد قصة ، ولكنها ثورة ، وأولها ثورة فنان على نفسه ، وهي ليست نهاية ، ولكنها بداية أصيلة لموهبة أصيلة ، بداية فيها كل ميزات البداية ولكنها تكاد تخلو من عيوب البدايات لأنها موهبة ناضجة .
ثم توالت الإصدارات بعد ذلك بدءا ب نجمة أغسطس ، مرورا ب اللجنة و بيرورت بيروت وليس إنتهاء ب شرف . نال على أعماله الإبداعية العديد من الجوائز ، وأنجزت حولها الكثير من الدراسات والأبحات المهمة . يقول في بداية كتابه يوميات الواحات الذي نشره سنة 2004 أي بعد مرور أربعين سنة على فترة اعتقاله:
السجن هو جامعتي . ففيه عايشت القهر والموت ، ورأيت بعض الوجوه النادرة للإنسان ، وتعلمت الكثير عن عالمه الداخلي وحيواته المتنوعة ومارست الاستبطان والتأمل ، وقرأت في مجالات متباينة وفيه أيضا قررت أن أكون كاتبا .
من هنا يمكننا القول أن السجن كمكان كان محفزا للإبداع لدى صنع الله ابراهيم ، فهو جامعته التي تربى فيها وتعلم وهو مصدر إلهامه ككاتب 3

كارلوس ليسكانو
ولد في مونتيفيدو عام 1949 ، كان عسكريا ثم ألقي القبض عليه لمدة ثلاثة عشر سنة ، ليصبح بعد خروجه من السجن من أبرز الكتاب ليس فقط في الأرغواي بل في أمريكا اللاتينية ، ترجمت أعماله إلى العديد من لغات العالم . من بين هذه الأعمال نذكر على سبيل المثال لا الحصر :
– قصر الطاغية
– الطريق إلى إيتاكا
– عربة المجانين
– الكاتب والآخر
يقول في كتابه الكاتب والآخر ، الذي يجعل من جدوى الكتابة واستحالتها موضوعا للتأمل : ” لقد تكونت في السجن بقراءتي الكتب والحديث عنها مع سجناء آخرين .”
أما عن قراره أن يصبح كاتبا وأثر السجن عليه فيذكر ذلك في الفصل ما قبل الأخير من سيرته السجنية الموسومة ب عربة المجانين ترجمة عدنان محمد :
” هنا صرت بالغا ، وشابت أولى شعراتي . وهنا تعرفت إلى أعز أصدقائي ، وقرأت آلاف الكتب الجيدة والمقبولة والضعيفة والسيئة ، هنا تعلمت كثيرا من الأشياء من السجناء الآخرين واجتهدت في أن أتلعم شيئا ما من نفسي . تألمت من البرد وتعرضت للعقوبات والأمراض والوعكات وحالات القلق والإنهيار ، هنا عشت مآسي جديدة ، مآسي أنا ، ومآسي الآخرين . وشهدت أعمال تضامن وتعاون وتآخ غير مسبوقة بين الرجال الذين كانوا محرومين من كل شيء مثلي ، لقد شعرت أني بدأت أشيخ وبدأت أكتب ، وقررت أن أصبح كاتبا ”
وقد أنقدته هذه الكتابة ، ليس فقط في السجن ، بل خارج السجن أيضا ،إذ يتحدث في كتابه الكاتب والآخر عن ليلة إطلاق سراحه قائلا ” كانت الليلة الأشد قسوة في حياتي . أعتقد أن ما حال بيني وبين الغرق في اليأس هو أنني أدركت حالتي وأدركت حقيقة أني أملك شخصية علي أن أغذيها : الكاتب الذي ابتكرته في السجن .”
عود على بدء
مما لا شك فيه ، أن الكثير من الأشخاص ، تعلموا داخل السجن عن طريق القراءة ، قراءة الكثير من الكتب ، المئات إن لم أقل الآلاف وقرروا أن يصيروا كتاب كشكل من أشكال المقاومة إن صح القول وقد نجحوا في تحقيق ذلك . لكن ، وهذا ما يجب التأكيد عليه ، ليس كل من بدخل السجن يخرج مبدعا .لأن السجن كمكان غالبا ما يكون قاتلا للإبداع ، معطلا للفكر و مدمرا للإنسان .

المراجع :
1- صورة المكان السردية بين شرف ويوميات الواحات . د هيثم الحاج علي
2- كارلوس ليسكانو : بلاغة العري اسكندر حبش .
3- صورة المكان السردية بين شرف ويوميات الواحات . د هيثم الحاج علي

*المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق