ثقافة المقال

الشرق غرب والغرب شرق وسيلتقيان

بقلم: نازك ضمرة

ليس شرطاً أن تعني الكلمات كما تقرأ حرفياً، فلو تأملناها بعمق فسنجد للكلمة المربتطة بكلمات أخرى معاني أخرى غير ما هي ظاهرة عليه، فمقولة الشرق شرق والغرب غرب مقولة قديمة حاصل ظاهرياً، لكن وسبحان الله فتطور الأشياء والأحداث والفكر والحياة قد تغير مثل هذا المفهوم، وتجعله واقعاً غير ما هو مقروء حرفياً، ولا نريد أن نأتي بأمثلة على إمكانية ما نقول، لكن علماء الفقه والتفسير واللغة وعلم الاجتماع يعرفون ذلك جيداً عبر تفسيرات معاني الكثير من النصوص حسب مفهوم الزمان والمكان.

فالشرق يصبح غرباً، والغرب أراه يتشرق أو يشرّق إذا شئت، بالاختصار عيون الشرق كانت منذ نهضته تتجه صوب الغرب، وعيون الغرب كانت وما زالت تتجه صوب الشرق، وتضع مصيرها أحياناً في أراضي الشرق، زالت وانمحت امبراطوريات كثيرة في أرض الشرق، كالامبراطورية الرومانية والبريطانية التي كانت توصف بأنها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وزالت الإمبراطورية الإسبانية والهولندية والبرتغالية وبعدها الألمانية ثم الروسية، كلها دفنت اسمها وسمعتها في الشرق. ولا  نتوقع أن لا يؤثر هذا على العقل الشرقي، فهو طامع دائماً إلى الأرض الباردة كردة فعل لما يعانيه من الحر والجفاف عبر التاريخ. فالشرق يعمل بوعي أو بلا وعي على ملء الفراغ في الغرب، والغرب يحلم بالعودة لعزه وجبروته وتحكمه في الشرق، وسيلتقيان، وأجزم هنا أنهما سيلتقيان، تأكيداً لنفي المقولة القديمة (إنهما لايلتقيان)، ولقاؤهما سيكون تطوراً تاريخياً وجغرافياً وديموغرافياً، فالشرق يهاجر إلى الغرب ويتوطن فيه وبنشاط لم يعهده التاريخ من قبل، وبرغم عدم الترحيب بالشرقيين في بلاد الغرب، إلا الهجرة من الجنوب إلى الشمال حصيلة حاصل، وذلك لأسباب يعلمها الكثيرون، أهمها طلباً للحرية  والديمقراطية والكرامة والعيش الأفضل وللتنعم ببرودة الفصول أيام شهور الحر الطويلة شديدة الجفاف، وربما إن هذه الأسباب ليست الدافع الأهم، وليست الهم الأكبر، لكن ما تحت السجادة كلام كثير غير هذا، فالتشبه والتقليد والحقد الدفين وذكريات الاستعمار وهذا بعض من كل ماهو منزرع في عقول الشرقيين، ويريدون التعويض عما مرّ بهم من ويلات وتنكيل، وكأن لسان حالهم يقول: عشتم في أرضنا وتطورتم وتقدمتم من خيرات بلادنا، فدعونا نعيش معكم في بلادكم على رائحة هذا التميز ونتائج تلك القوة.

أما الغرب فطموحه أن يحكم الشرق، ومنذ الرومان، ومن بعدها الحروب الصليبيه، ثم الاستعمار الحديث في القرون الخمسة الأخيرة، وأنى له أن يستقر، ففي كل مرة يحاول الغرب أن يفرض سيطرته وتراثه وثقافته على الشرق، ليبقى مرتعاً له ومصدر رزق ونماء، وعنوان قوة وتسلط، يجابه بقوى خفية تاريخية تراثية تطورية، تجعله يغرق في أوحال شرقية لا يقوى على احتمالها أو العيش بها، فيجرجر أذياله ويرحل من الباب، ليحاول الدخول ثانية بأساليب ملتوية من الشباك، إنه يصر على البقاء في الشرق ومؤثراً فيه، فكيف تتوازن الأمور إذن؟

الشرقيون يرحلون ويقيمون في الغرب مع تراثهم وعقائدهم ويتكاثرون، والغربيون يصرون على السيطرة على الشرق وفرض تراثهم وعلمانيتهم أو أديانهم على الشرق، وهنا وكأن الطرفين متفقان على التوحد، أو ملء الفراغ في كل مكان في الكرة الأرضية، وهذا قادم لا محالة وليس ببعيد، وسيصبح الشرق غرباً والغرب شرقاً وسيلتقيان رغم الأنوف.

كاتب فلسطيني مقيم في أمريكا

nazekdhamra1@hotmail.com

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق